العالم يؤدب “داعش”


جو حمورة

سنة واحدة فقط كانت كافية لسيطرة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على أراضٍ عراقية وسورية تقدر بمساحة بريطانيا. وبقوة السلاح، ورثت المنظمة الإرهابية أراضٍ كانت تحت سيطرة الألوية السورية المعارِضة، كما على مساحاتٍ واسعة من مناطق تواجد العشائر السنيّة في العراق، بالإضافة إلى مدن مهمة كالموصل والرقة ومعظم مدينة دير الزور. وبذلك، حقق “داعش” إنتصاراً حقيقياً بعدما سلب الجيش “السوري الحر” والألوية المعارضة الأخرى دورها وتأثيرها، وتحول إلى لاعبٍ عسكري له كل الأهمية الإعلامية والقتالية على الأرض من دون أن يلقى معارضة عالمية تتخطى الشجب والإستنكار إلى حدود التحرك الفعلي للتصدي للتنظيم الإرهابي. إلا أن “داعش” عمد لاحقاً إلى توجيه سلاحه صوب عاصمة الإقليم الكردي، إربيل، بدلاً من عاصمة العراق، بغداد، ومارس إجرامه بحق الأقلية الإيزيدية ومسيحيي الموصل وصحافيين أميركيين، ما استدعى رداً أميركيا وتحالفاً دولياً لتأديبه. فكيف إستطاع التنظيم الإرهابي أن يحقق سيطرة عسكرية عجزت كل المنظمات الأخرى عن تحقيقها؟ وما هو رد التحالف الدولي المتوقع وما هي نتائجه؟

لـ”داعش” أفضليات عدة على القوى العسكرية الأخرى في مضمار الحرب، كما نقاط قوة فارقة مقارنة مع الآخرين. بداية، وفي مجال الخلفية الوطنية للمقاتلين وأصولهم، يتميز “داعش” بتنوع أصول مقاتليه التي تعود بمعظمها إلى المهاجرين من مختلف الدول والطامعين للقتال تحت راية الخليفة والموت في سبيل الدولة الإسلامية. ولهذا الواقع أهمية في المجال العسكري، إذ إن المقاتلين الأجانب لا يكترثون في أية مدينة سورية أو عراقية يقاتلون، طالما أنهم يُسدون خدمة للدين بحسب إعتقادهم. بينما لعناصر الألوية العسكرية الآخرى، من “جيش حر” وعشائر وألوية محلية، خلفياتٍ وطنية وإنتماءات عشائرية تجعلهم يقاتلون في أماكن إنتسابهم الجغرافي كالمدينة أو القرية أو الأراضي التي تمتد عليها عشائرهم حصراً. وبالتالي يخف مستوى الحركة القتالية في ميدان المعركة عند هذه الألوية والجيوش، ويصبح أكثر نشاطاً عند “داعش” لتمكنه من نقل المقاتلين في كل حدبٍ وصوب للقتال على كل الجبهات.

تحالف دولي ضد داعش

عامل آخر يضاف إلى المميزات العسكرية التي يتمتع بها “داعش”، وهو أنه، وعلى خلاف الألوية الأخرى، للتنظيم قدرة على التقدم من الريف إلى المدن وجعلها، بعد السيطرة عليها، مقراً له للإنطلاق منها للسيطرة على مناطق أخرى. بينما، لم تستطع الألوية المحلية بعد السيطرة على المدن التقدم إلى أماكن جديدة، فكانت مدينة حلب للألوية السورية، ومدينتا درعا وحمص لـ”الجيش الحر”، سجوناً ميدانية أوقفت تمدد الألوية بعدما حولوا مواردهم البشرية والعسكرية لإدارة المدن وذلك على حساب إستغلالها في التقدم إلى مناطق أخرى.

وعلى عكس الألوية الأخرى، لم يواجه “داعش” عبء إدارة المدن التي يحتلها على حساب التقدم العسكري الإضافي. فهو، وبعد أن يحتل مدينة ما، يقوم بترويع سكانها عبر القتل والتهجير فيسهل عليه السيطرة على ما ومن تبقى في المدينة، فلا يضطر إلى صرف الكثير من الموارد لإدارتها على حساب التقدم إلى أماكن أخرى. وتصبح موارد المدينة نفسها، من سكان وأملاك عامة وخاصة، موارد عسكرية للدولة الإسلامية لاستخدامها على جبهات جديدة.

من ناحية أخرى، تلعب الدعاية دوراً أساسياً في تقدم “داعش” الميداني، وهو الدور الذي لم تستطع الألوية الأخرى لعبه منذ بداية الحرب السورية. فالتنظيم  يبث دورياً فيديوهاته التي تظهر قتل المئات من الأفراد بدم بارد ما يجعل أعداءه يهابونه، وهذا ما حصل في أول أيام دخول “داعش” إلى العراق، حيث فرت معاظم قوات الجيش العراقي من أرض المعركة خوفاً من عنف التنظيم وإجرامه. بينما فشلت الألوية السورية الأخرى إعلامياً لعدم قدرتها على إظهار إنتصاراتها الميدانية من ناحية أو حسن إدارتها للمناطق التي تسيطر عليها من ناحية أخرى.

تختلف مصادر القوة التي يتمتع بها “داعش” والتي تمكّنه من التقدم أكثر في ميدان القتال، غير أنه أخطأ في توجيه سلاحه لقتال الإقليم الكردي شمال العراق وإرتكاب المجازر في حق المدنيين، فجعل أميركا وحلفاءها الأطلسيين وعشرة دول عربية يتحضرون لقيادة حملة دولية ضده. وانتقل التنظيم من كونه ظاهرة إرهابية في بعض الدول إلى “خطر دولي” كما وصفه الرئيس الأميركي باراك أوباما، ما حتم التحضير لتحالف دولي للقضاء عليه أو تحجيمه مع استبعاد مقصود لكل من إيران وسوريا.

وفي إطار التحضير للرد الدولي، أعلن وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية، جون كيري، من أنقرة، أنه حصل على دعم للقيام “بحملة عسكرية منسقة” ضد “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” من عشر دول عربية هي مصر والعراق والأردن ولبنان ودول مجلس التعاون الخليجي الست. غير أن هذه الحملة المنسقة تصطدم بصراعات وطموحات وتباينات كل من هذه الدول، ما ينبئ بأن التنسيق لن يكون إلا في العموميات في حين ستبقى العمليات العسكرية التي ستطال أراضي كل من العراق وسوريا خاضعة لقرار الولايات المتحدة الأميركية المباشر.

هذا القرار، وبعد استبعاد كل من إيران وسوريا من التحضيرات لإنشاء التحالف الدولي ضد “داعش”، لن يأخذ مصالح النظامين في الإعتبار. ما يعني أن فرصة ذهبية ونادرة تلوح في الأفق للألوية السورية المعارِضة والأكراد في كل من سوريا والعراق للإستفادة من الدخول الدولي المباشر في الحرب والتعويض عن الخسائر التي عانوها من حرب “داعش” عليهم.

إلا أن التحالف الدولي لن يستطيع القضاء على “داعش” لرغبة الولايات المتحدة الأميركية الإبقاء على طريقة القتال مقتصرة على الحرب الجوية فقط. وهو أمر غير كافٍ للقضاء على التنظيم الذي بات متغلغلاً في المدن التي يسيطر عليها ومتواجداً على مساحات واسعة من الأرياف والصحارى السورية والعراقية، ويحتاج إلى من يقود حرباً برية للقضاء عليه، ما يجعل التسابق بين النظامين السوري والعراقي والألوية الكردية والسورية المعارِضة للإستفادة من الفراغ المتوقع الذي سيخلفه إضعاف “داعش” أمراً متوقعاً.

في العراق، سيستفيد الجيش الرسمي ومن وراءه حكومة بغداد المركزية من تراجع دور “داعش” وذلك عبر استعادة السيطرة على بعض المدن والمناطق التي فقدها منذ أول شهر آب الماضي. إلا أن الاستفادة الكردية ستكون أكبر، عبر تثبيت الإقليم الكردي لسيطرته على العديد من المدن والمحافظات العراقية، إضافة إلى استمرار حصوله على المساعدات العسكرية والمالية والإنسانية من كل حدبٍ وصوب بعدما أثبت أن جيش البشمركة الكردي هو المقاتل الفعال شبه الوحيد ضد “داعش”، كما يشكل الإقليم المأوى الآمن لأكثر من مليون لاجئ عراقي مسيحي وأيزيدي وشيعي.

أما في سوريا فالوضع أكثر تعقيداً، حيث تتعدد القوى المسلحة التي تتحضر للإستفادة من الوضع الجديد القادم. فالألوية السورية المعارِضة قادرة على الإستفادة من تراجع “داعش” لقرب حدود سيطرة الطرفين الميدانية من بعضها البعض، في حين يبقى النظام السوري أقل حظاً في الإستفادة من الواقع الجديد المفترض لبعد قواته عن مراكز سيطرة “داعش” من ناحية، وعدم مراعاة الولايات المتحدة الأميركية لمصالحه من ناحية أخرى. إلا أن لا شيء يؤكد أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين والعرب المعادين للنظام السوري سحاربون “داعش” في سوريا بالقوة ذاتها المنوي القيام بها في العراق، ما يقدم فرضية أن الحملة الدولية ضد “داعش” تهدف في النهاية إلى إضعاف التنظيم في العراق، وإعادة تصويب بندقيته في إتجاه النظام السوري كما إعادة الإعتبار للألوية السورية المعارِضة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة الأميركية على رأس التحالف الدولي ستضع خطوطاً حمراء أما النظام السوري من أجل أن يبقى في المناطق التي يسيطر عليها من دون التوسع في اتجاه المناطق التي يسيطر عليها “داعش”، والتي ستكون مسرحاً للعمليات العسكرية. وهي أيضاً من سيحدد هوية الأطراف التي تقوم بهذا الدور في ما سيؤدي بالنهاية إلى إعادة رسم خريطة سيطرة جديدة في كل من سوريا والعراق.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 22 أيلول 2014 (العدد رقم 1475)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s