أردوغان يرتب البيت الداخلي: عودة تركيا الثانية إلى الشرق


جو حمورة

بعدما شارك المغتربون الأتراك حول العالم في انتخابات رئاسة جمهورية بلادهم على مدى الأسبوعين الماضيين، يستكمل الأتراك المقيمون في العاشر من آب المشاركة في الإنتخابات الرئاسية التي تجري مباشرة من الشعب لأول مرة في تاريخهم، حيث يتصدر رئيس الحكومة التركية الحالي، والمرشح الرئاسي، رجب طيب أردوغان، كل إستطلاعات الرأي التي تتراوح بين فوزه في الدورة الأولى بصعوبة أو في الدورة الثانية أمام مرشحين يمثلان الجماعات العلمانية والكردية. وتمثل هذه الإنتخابات مرحلة مفصلية في تاريخ تركيا العائدة إلى الشرق بعد إنقطاع دام قرابة قرنٍ من الزمن، كما في حياة أردوغان السياسية، والتي ستمكنه في حال فوزه من السيطرة شبه المطلقة على كل مفاصل السلطة في تركيا بعدما فاز سابقاً في معاركه الداخلية على الجيش التركي حامي العلمانية، كما على منافسيه الإسلاميين الآخرين.

مع وصول حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا إلى السلطة عام 2002، عمد الحزب ورئيسه إلى إنتهاج سياسة إصلاحية إقتصادية وإجتماعية زادت من شعبيته فمكنته من الإنقضاض على خصومه العلمانيين الواحد تلو الآخر بقوة الإنتخابات ونتائج الصناديق. أما خارجياً، فأبقى على السياسة الخارجية التقليدية التركية الطامحة إلى دخول نادي الدول الأوروبية كما على الشراكة مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأميركية في الشؤون الإقليمية، إلا أنه أضاف عليها طموحاً سياسياً تمثل في إستدارة تركيا إلى الشرق العربي والإسلامي متكلاً على إرثها العثماني الإسلامي وتأثيرها الثقافي وقوتها الإقتصادية، وهي المقدرات الثلاث التي لا ينافسها أحد بجدية فيها في الشرق العربي.

شكلت الأعوام الممتدة من العام 2008 إلى العام 2011 ذروة النفوذ والقوة التركية في الشرق العربي والعالم الإسلامي، أكان عبر الإتفاقات الاقتصادية والسياسية التي عقدتها تركيا مع معظم الدول العربية، أم بسبب زيادة تأثير الإرث الثقافي التركي – العثماني على الجماهير العربية المتلقية، من دون أن تنسى أنقرة إرداف سياستها الخارجية بافتعال أزمة سياسية مع تل أبيب وصلت إلى حدود القطيعة الدبلوماسية ما أثر على زيادة شعبية أردوغان وبلاده في الدول العربية والإسلامية. إلا أن الربيع العربي، وما نتج عنه من سقوط أنظمة كانت على تعاون وثيق مع تركيا، أو في الفشل اللاحق للحركات الشعبية التي ساندتها من الوصول إلى السلطة في بلدانها، قد أضعفت نفوذ تركيا في المنطقة. وإن أبلغ هذه الأمثلة خسارة “الإخوان المسلمين”، حلفاء تركيا، للسلطة في مصر ونشوء خلاف حاد بين كل من تركيا وقطر من جهة والسعودية ومصر من جهة أخرى. هذا الخلاف الذي تبلور غالباً في صراعٍ على تشكيل السلطة في مصر والنفوذ في “الإئتلاف الوطني” السوري المعارض وتوزيع النفوذ والأدوار بين فلسطينيي قطاع غزة والضفة الغربية. يضاف إلى ذلك “الربيع التركي” الذي كاد أن يعصف بحِكم أردوغان في صيف العام 2013 مع مظاهرات ميدان “تقسيم” وما تبعه من قضايا فساد حكومية طالت المقربين من رئيس الحكومة وإستقالة بعضاً من وزراءه.

ويعود جزء أساسي من قدرة تركيا على التأثر الخارجي إلى حالة الهدوء الداخلي و الإزدهار التي تنعم به، كما على الدعم الشعبي الذي تلاقاه حزب “العدالة والتنمية” في خمسة إنتخابات برلمانية وبلدية كسبها جميعها منذ العام 2002، ما يعطي، غالباً، دفعاً متزايداً للسياسة الخارجية بعد ضمان الدعم الداخلي. لذلك، تمثل الإنتخابات الرئاسية الحالية فرصة ذهبية لتأكيد الدعم الشعبي لأردوغان وسياساته من جديد، كما تعطي، حال فوزه، دفعاً شعبياً وشرعياً للعودة والإنغماس أكثر في الشرق العربي وأزماته وقضاياه.

وقياساً على الحالة التي كانت فيها الدول العربية قبل الربيع العربي وبعده، يسهل على تركيا (أو أي دولة إقليمية قوية آخرى) الإنغماس أكثر في قضايا العالم العربي وكسب المزيد من النفوذ لها فيه. ومرد ذلك إلى تضخم عدد القوى الفاعلة في الدول العربية وإختلاف مشاربها، حيث أنتج الربيع العربي وما تلاه من حروب وأزمات ظهور عدد كبير من القوى السياسية والعسكرية الفاعلة بعدما تقاسمت السلطة والنفوذ من السلطات المركزية في كل دولة، وهذا ما يسهل على الدول الإقليمية مد نفوذها ودعمها وسياساتها في أكثر من إتجاه ومع أكثر من طرف وفي الوقت نفسه.

غير أن الإنتخابات التي يخوضها أردوغان لا تملك هدفاً خارجياً حصراً، إنما هدفها الأول هو ترتيب البيت التركي الداخلي وإعادة إنتاج سلطة تركية تعطيه نفوذاً أوسع في الدستور ومع الجماعات التركية المتعددة. وقد أفصح أردوغان أكثر من مرة عن نيته تعديل الدستور والنظام التركي الذي يُعطي موقع رئاسة الجمهورية صلاحياتٍ محدودة، إلى نظامٍ رئاسي أو شبه رئاسي يزيد من قدرة الرئيس الدستورية على تطبيق سياساته. غير أن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلا بعد الفوز بالإنتخابات الرئاسية يليها إستفتاء شعبي مباشر على دستورٍ تركي جديد أو إنتظار الإنتخابات البرلمانية المقبلة عام 2015، على أمل أن يحصد حزب “العدالة والتنمية” فيها أكثرية الثلثين التي تمكنه من تعديل الدستور.

Supporters of Turkey’s Prime Minister and presidential candidate Tayyip Erdogan wave flags and shout slogans during an election rally in Diyarbakir . July 26, 2014.

Supporters of Turkey’s Prime Minister and presidential candidate Tayyip Erdogan wave flags and shout slogans during an election rally in Diyarbakir . July 26, 2014.

وإلى الطموحات “الأردوغانية” السلطوية، للرجل الأقوى في تركيا كذلك طموحات تدخله التاريخ التركي العريض عبر إبرام إتفاق نهائي وتاريخي مع الأكراد في تركيا. غير أن هذا الاتفاق وإن كان عمل أردوغان على صوغ بداياته مع ممثلي القوى الكردية في تركيا منذ بداية العام 2013 على قاعدة الهوية الإسلامية المشتركة، إلا أنه لم يتخطَ حدود العموميات وبعض التغيرات القانونية لصالح الأكراد مقابل توقفهم عن قتال الجيش التركي. في حين أنه لن تكبر حظوظ إبرام إتفاق نهائي ينهي حالة الحرب التركية – الكردية منذ العام 1984 إلا بسلطة تركية قوية تملك كامل القدرة على إتخاذ قرار تاريخي مؤلم ينتهي بإعطاء الأكراد حقوقهم السياسية بعد إبعاد بعض القوى والتيارات ذات التوجه اليميني من الإدارة والحكم والحزب الحاكم ذاته والتي تسعى غالباً إلى فرملة الإتفاقات وتسويفها.

وتعود أهمية إبرام إتفاقٍ نهائي مع الأكراد في داخل تركيا إلى أنهم يشكلون العصب الأساسي للشعب الكردي في الدول المحيطة، أكان من حيث كثرة عددهم أو من حيث تجذر نضالهم أو وجود قادتهم السياسيين فيها، ما يسهل بالتالي توسع نفوذ تركيا بين الأكراد في أماكن تواجدهم في سوريا وإيران كما في العراق حيث يبقى نفوذ تركيا كبيراً ومؤثراً. فتتحول القضية الكردية من أزمة دائمة تزعزع إستقرار تركيا الداخلي إلى ورقة نفوذ خارجية.

وما يشير إلى أن تركيا على باب عودة ثانية وأقوى إلى الشرق العربي بعد الإنتخابات الرئاسية هو هبوب عواصف الحرب القاسية في العراق وسوريا وقطاع غزة بشكل أراح تركيا وأعاد بعضاً من دورها المطلوب دولياً كضابطٍ للنزاعات أحياناً ومستفيدٍ من النزاعات والمآسي العربية أحياناً أخرى. وما تتالي المظاهرات الحاشدة الداعمة لغزة والقضايا العربية في إسطنبول وأنقرة، كما ظهور أردوغان في مهرجاناته الإنتخابية المتتالية معتمراً الكوفية الفلسطينية، والأعلام الكثيفة للسلطنة العثمانية القديمة التي ترفرف بأيادي الجمهور من حوله، سوى أدلة على أن إنغماس تركيا في الشرق العربي بات أكثر من مجرد سياسة حكومية أو حزبية خاصة وظرفية، بل مطلباً شعبياً وممراً إجبارياً لأي حاكم شعبي وشرعي في تركيا.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 11 آب 2014 (العدد رقم 1469)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s