صنعاء مقابل بغداد: حرب إيرانية بالوساطة


جو حمورة

أيام قليلة فقط شكّلت الحد الفاصل بين اجتياح “داعش” لشمال غرب العراق واجتياح الحوثيين لمحافظة عمران شمال صنعاء. وفي وقت يضع “الداعشيون” بغداد نصب أعينهم بعدما قضوا على ألوية الحكومة العراقية في المناطق ذات الأكثرية السنّية، يقترب الحوثيون من العاصمة اليمنية مشكّلين بهذا تهديداً على الحكومة التي لم تستطع أن تحكم بعد. يقف الطرفان على أبواب العاصمتين بكامل جهوزية آلياتهم العسكرية فيما تراقب كل من السعودية وإيران الخطر الآتي صوبهما في كلٍ من العراق واليمن.

على الرغم من بُعدِهما الجغرافي، إلا أن ما يجري في العراق واليمن يتطابق إلى حد التشابه. ففي العراق، وبعدما باءت كل محاولات إصلاح النظام السياسي بالفشل، كان لإبعاد القوى السنّية عن الحكم المركزي ذات الصبغة الشيعية الموالية لإيران الأثر الأكبر على صعود التيار السني المتطرف وتعسكره. وكما في العراق كذلك في اليمن، إذ أنه وعلى الرغم من مشاركة الحوثيين الشيعة في مؤتمر الحوار الوطني الذي أنتج نظاماً فديرالياً جديداً، إلا أن المشاركة هذه كانت منقوصة بعدما رفضوا تحديد الأقاليم الفديرالية بستة من دون أن يتوقفوا عن تصعيد نزعتهم العسكرية الهجومية، ومحاولتهم توسيع رقعة إنتشارهم، وفرض شروطهم الخاصة كلاعبين أساسيين في أي نظام أو سلطة جديدة في اليمن.

وتجد كل من السلطتين، العراقية واليمنية، نفسها بأزمة في مقاتلة القوى المسلحة القادمة صوب عاصمتهما، وذلك بسبب ضعف تنظيمها من ناحية، ووجود قوى موالية للحوثيين في صنعاء نفسها وموالية لـ “داعش” والعشائر السنيّة في بغداد ما يصعّب مهمتيهما من ناحية أخرى. كذلك، فإن عامل قتال الجيش اليمني لتنظيم “القاعدة” ولـ”الحراك الجنوبي” الطامح للإستقلال من جهة، وإنهماك حكومة بغداد بطموح الإقليم الكردي شمال العراق بالإستقلال من جهة أخرى يُبدد قواهما في التصدي للقوى الصاعدة.

وإضافة للأسباب الخاصة لصعود كل من الجماعتين المتطرفتين في كل من العراق واليمن، تتشابه الظروف الإقليمية في الحالتين حيث لكل من القوتين داعميها الإقليميين. ففي حين يضيع الداعم الأساسي لـ”داعش” بين القوى الخليجية أو تلك المحيطة بالعراق، لا سر في أن الداعم الأساسي والأبرز للحوثيين هي إيران وذراعها العسكري “حزب الله”. وما كان اعتقال عناصر لبنانية تابعة للحزب بتهمة تدريب وتسليح الحوثيين في السادس من حزيران الماضي سوى دليل آخر يضاف إلى تورط الحزب، أضف إلى ذلك استقبال وإدارة قناة “المسيرة” التلفزيونية التابعة للحوثيين في الضاحية الجنوبية لبيروت، كما الدعم العسكري المتواصل الذي تلقاه الحوثيون من إيران خلال حروبهم السابقة التي خاضوها منذ عشر سنوات إلى اليوم.

في المقابل، وفضلاً عن الهوية الطائفية المختلفة لكل من “داعش” والحوثيين، يبرز الإختلاف الأساسي في مجال الفعل وردّة الفعل الحربية حيث أن الحوثيين كانوا ومنذ زمن على أبواب مدينة عمران ومحافظتها البعيدة 50 كلم عن العاصمة صنعاء. فما كان دخول الحوثيين إليها بإشارة إيرانية إلا رد على السعودية على أثر تقدم “داعش” صوب بغداد، وبهذا وضعت إيران السعودية أمام معادلة صنعاء مقابل بغداد.

غير أنه وإن كان الخطر المتأتي على كل من الأمن القومي للسعودية وإيران ونفوذهما الإقليمي متساوياً بالمبدأ، إلا أن السعودية أكثر تحرراً في مواجهة الحوثيين من قيام إيران بمواجهة “داعش” وهي “الغارقة” بالمفاوضات النهائية على برنامجها النووي وما يتفرع منه من قضايا إقليمية تجبرها على إلتزام الهدوء والسكينة لحظة الجلوس على طاولة المفاوضات مع الغرب وإكتفاءها بالقتال بالواسطة كما في اليمن. في حين أن السعودية أكثر تحرراً دولياً وإقليمياً في أساليب الرد على المخاطر التي تهدد أمنها القومي في اليمن، وهذا ما فعلته سابقاً، وبشكل مباشر، في البحرين. بينما تبقى إيران أسيرة الظروف الدولية وتبعات التهدئة بسبب جدول أعمالها التفاوضي، ما يفسر كذلك، بالمقلب الآخر، ردة الفعل الباهتة والضعيفة للحلف الإيراني – السوري – “الحزب إلهي” على مسألة حرب إسرائيل على قطاع غزة.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 4 آب 2014 (العدد رقم 1468)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s