الربيع الكردي يزهر دولة


جو حمورة

مع اندلاع الأزمة الأخيرة في العراق، خطا الأكراد الخطوة ما قبل الأخيرة في اتجاه إنشاء دولتهم الخاصة. أرادوا كردستان على كامل مساحة تواجدهم الجغرافي في تركيا والعراق وإيران وسوريا، إلا أن الظروف المحلية والإقليمية ساعدتهم في العراق أكثر من أي مكانٍ آخر. سيطروا على مدينة كركوك، ثم أعلنوا عن نيتهم إنجاز استفتاء على استقلال إقليم كردستان شمال العراق لتكون الخطوة الأخيرة التي تنشئ دولتهم خاصة والتي أصبحت ولادتها وشيكة وسط إنعدام الاستقرار الذي يعانيه العراق خصوصاً والشرق بشكل عام.

يشكّل توزع الأكراد في أقاليم كردستان الأربعة نقطة سلبية لنضالهم تبعاً لإضطرارهم لتوزيع قواهم العسكرية والاقتصادية فيها. لكن هذا التوزع الجغرافي نفسه له إيجابياته كذلك، وأهمها إمكانية مساعدة إقليم مستقر لآخر مهدّد تحت شعار “الأخوة الكردية”، وهذا ما تم مثلاً مع نشوب الثورة السورية وما تلاها ونقل حزب “العمال الكردستاني” بضعة آلاف من مقاتليه من تركيا إلى سوريا للتصدي للتنظيمات الإسلامية.

في تركيا، ومنذ نهاية العام 2012، يعيش الأكراد نوعاً من الإستقرار بعدما أطلق حزب “العدالة والتنمية” التركي الحاكم مبادرته للسلام معهم. هذه المبادرة أسفرت عن إعطاءهم بعض الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية في مقابل وقفٍ لإطلاق النار من جانب “العمال الكردستاني” وغض طرف من الجانب التركي عن مغادرة المقاتلين الأكراد مع أسلحتهم إلى الأقاليم الكردية المجاورة. أما اليوم، وقبل الإنتخابات الرئاسية التركية المقررة في 10 آب المقبل، تترشح إحدى الشخصيات الكردية المرموقة إليها وهو رئيس حزب “الشعوب الديمقراطية” الكردي صلاح الدين دميرتاش في وجه مرشح الحزب الحاكم رجب طيب أردوغان، والمعارضة العلمانية إكمال الدين إحسان أوغلو. وفي حين تفيد معظم إلإحصاءات أن الغلبة ستكون لأردوغان إلا أن فوزه بالدورة الأولى مربوط بما يستطيع حصده من أصوات الأكراد الذين يشكلون حوالي 17% من سكان تركيا.

لذلك، وأملاً بالفوز من الدورة الأولى، أقدم الحزب الحاكم في 10 تموز الحالي على تصديق قانون في البرلمان التركي يعطي إطاراً قانونياً لمفاوضات السلام الجارية بين الحكومة وحزب “العمال الكردستاني”، كما يعطي حصانة للمفاوضين ويسهل عملية إعادة من يُلقي سلاحه من المقاتلين إلى تركيا. كذلك لم ينسَ أردوغان في اليوم التالي من إقرار القانون وعد ناخبيه المفترضين بـ “استكمال تسوية السلام مع إخوتي الأكراد معاً”. وما كل هذا التساهل التركي مع الأكراد سوى نتيجة لحاجة أردوغان وحزبه لأصواتهم من ناحية، كما نتيجة التقارب التركي – الكردي “الأخوي” على قاعدة الإنتماء الإسلامي المشترك لا الفروقات القومية التي كانت سبباً في القمع والدموية التي عانى الأكراد منها على يد حكام تركيا القوميين والعلمانيين السابقين منذ إنشاء الجمهورية التركية عام 1923.

يختلف الواقع المُسالم لأكراد تركيا عنه في سوريا، لكن إستفادة الأكراد من الحالتين هي ذاتها. فقد تحوّل الربيع العربي وما تلاه في سوريا إلى ربيع سياسي كردي بعدما قام الأكراد بإنشاء ثلاث حكومات محلية في ثلاث مناطق ذات أكثرية كردية في شمال سوريا هي عفرين وكوباني والجزيرة (القامشلي). فكان غياب الأمن والسلطة المركزية لصالح الحرب ومصالح الجماعات الطائفية والقومية أن أدى إلى استفادة الأكراد من الحرب التي يخوضها بقية السوريين لإنشاء حكمهم الذاتي. إلا انهم يواجهون بقيادة حزبهم الأقوى “الإتحاد الديمقراطي” الكردستاني، ومنذ أشهر، تنظيم “داعش”، وهم الوحيدون الذين استطاعوا الصمود في وجهه وحتى الفوز عليه في معاركٍ عدة، فيما القوى الأخرى من “جيش حر” و “جبهة نصرة” وغيرها على وشك التفتت أمام سطوة “داعش” العسكرية.

وبعدما تثبتت حكوماتهم المحلية وأثبتوا جدارتهم العسكرية، يقترب الأكراد السوريون من فرض أنفسهم كمحاورٍ أساسي في أي مفاوضات سلام مستقبلية لحل الأزمة السورية. وعلى الرغم من أن الكلام عن أي سلامٍ في سوريا ليس على طاولة البحث الدولية أو المحلية في الوقت الحالي، إلا أنه من المتوقع أن يلعب الأكراد دوراً أساسياً فيها يعطيهم تثبيتاً دستورياً للحكم الذاتي الذي يتمتعون به الآن بحكم الأمر الواقع على غرار الحكم الذاتي الذي يتمتع به إخوتهم في الإقليم العراقي.

قوات البشمركة الكردية في العراق

قوات البشمركة الكردية في العراق

وليس ببعيد عن سوريا، وفي معقل الأكراد السياسي، في إقليم كردستان شبه المستقل شمال العراق، تتزايد فرصة الأكراد بالإستقلال يوماً بعد يوماً. وما كادت الحرب المستجدة في العراق أن تندلع حتى استفادوا من تقهقر الجيش العراقي وسيطروا على مدينة كركوك الغنية بالنفط كما على حقولها والقرى القريبة منها، وباشروا بالاستعدادات لإجراء استفتاء على إستقلال الإقليم الكردي بعدما “أمر” رئيس الإقليم مسعود البرزاني البرلمان الاقليمي بتحضير كل ما يلزم للإستقلال مؤكداً على “أن العراق لا يمكن توحيده بعد اليوم وإستقلال كردستان حق طبيعي وآت لا محالة”.

ويُعزى سبب تمكّن أكراد العراق من التقدم في مشروعهم الاستقلالي مقارنة مع أخوتهم السوريين أو الأتراك إلى ثلاثة عوامل أساسية. فمن ناحية أولى، أدت الأزمات والحروب المتواصلة في العراق منذ الاجتياح الأميركي إلى إضعاف الحكومات المركزية بشكل دفع الأكراد إلى التقدم أكثر وبشكلٍ أسهل في المسعى الاستقلالي في الأطر السياسية والقانونية والاقتصادية والتنظيمية. ومن ناحية أخرى فإن وجود زعيمين وحزبين كرديين في العراق، الأول برئاسة البرزاني والثاني برئاسة رئيس الجمهورية العراقية الحالي جلال الطالباني، جعل من إمكانية الطرفان تقاسم الأدوار السياسية والتفاوضية مع بقية العراقيين ممكناً وأكثر إفادة للأكراد. أما العامل الثالث فهو وحدة الرؤية العامة للحزبين والزعيمين، وهما وإن كانت قد سالت بينهما الدماء إبان حكم رئيس العراق السابق صدام حسين إلا أن التسوية الشاملة التي تمت بينهما في آب من العام 1998 برعاية شخصية من الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون لا تزال قائمة ومؤثرة بعدما أردفها الزعيمان الكرديان باعتذارات متقابلة ومصالحات محلية أنهت الانقسامات الكردية.

هذه العوامل الثلاث ليست موجودة في تركيا التي يبقى حكمهما المركزي قوياً، أو في سوريا التي يعيش الأكراد فيها في ظل سيطرة عسكرية أحادية من قِبل حزب “الاتحاد الديمقراطي”، ما جعل ظروف العراق الموضوعية تنتج ربيعاً كردياً خاصاً يزهر إستقلالاً كأمر واقع لن يلبث إلا أن يتحول وطناً مستقلاً بعد فترة.

أما في إيران فواقع الأكراد هو الأسوأ. حيث لا استقرار وسلام مع السلطة كما في تركيا، ولا مشروع استقلال على وشك التحقق كما في الإقليم العراقي، ولا إدارة ذاتية كما في شمال سوريا، بل قمع نظامي لكل حراك كردي معارض للحكم الإيراني ومُطالب بالحقوق القومية الخاصة.

وبالرغم من وعود رئيس الجمهورية الإيرانية حسن روحاني للأكراد ببعض الحقوق قبل انتخابه، إلا أنه لم يفِ بأيٍ منها بعد وصوله إلى السدّة الرئاسية. فاستمر الحرس الثوري بقمع الأكراد والأقليات القومية الأخرى كالمعتاد، ذلك لأن إيران مؤلفة من “موزاييك” قوميات مختلفة لا يشكّل فيها العنصر الفارسي سوى 50% على أحسن تقدير، في حين يخشى النظام الإيراني صعود المشاعر القومية لغير الفُرس باعتبارها خطراً حقيقياً يهدد أمنه ووجوده.

يختلف واقع الأكراد في كل من البلدان الأربعة التي يتواجدون فيها. ففي حين يعيشون في سلام في تركيا، وقمع في إيران وحكم ذاتي في العرا، وحرب في سوريا، إلا أنهم يترقبون لحظة إعلان إستقلال إقليمهم العراقي ما قد يشجع بقية الأقاليم في الدول الثلاث الأخرى على حذو حذوهم، حيث ستكون سوريا هي الأولى في اتخاذ هذا المنحى بعدما أنهكت حربها الأكراد كما بقية السوريين.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 21 تموز 2014 (العدد رقم 1466)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s