وداعاً “سايكس – بيكو”.. تسونامي “داعش” في العراق


جو حمورة

سريعة ومفاجئة كانت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على المناطق العراقية ذات الأغلبية السنيّة. ففي أسبوعٍ واحدٍ فقط، سيطرت المنظمة المتطرفة على أقسام كبيرة من محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار وربطت العراق بسوريا التي يخضع قسم منها إلى سيطرة “داعش” نفسها، ما أدى عملياً إلى نشوء نواة دولة جديدة على مساحة بلدين بشكلٍ أعاد التفكير بحدود دول المشرق العربي الناشئة بإتفاقية سايكس – بيكو عام 1916.

بالرغم من تصدّرها التقارير الصحافية وتحميلها كل ما يجري في العراق، إلا أن “داعش” ليست وحدها من يقاتل فيه، بل هي إحدى الفصائل من المجموعة السنيّة المنتفضة على النظام العراقي. ويعود تمكّن المعارضة السنيّة من تحقيق “تسونامي” إنتصارات ميدانية إلى عوامل عدة أبرزها تحالف أربع جماعات دينية وسياسية وعسكرية ضد نظام رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي المدعوم من إيران.

وعدا “داعش” التي تملك عدداً لا بأس به من المقاتلين في العراق، تظهر العشائر السنيّة في وسط البلاد وشمالها أكثر تنظيماً وعديداً ورغبةً بمحاربة “النظام الشيعي الإيراني المحتل” كما تصفه. وبالإضافة إليهما، تقوم عناصر جيش صدام حسين المحلول بالمشاركة في الهجمات والسيطرة على المدن والبلدات العراقية الواحدة تلو الآخرى، وهي حسب ما تردد بقيادة الرجل الثاني في النظام البعثي السابق عزت الدوري المتواري عن الأنظار منذ الإطاحة بنظام البعث عام 2003. وكان الدوري قد شغل منصب نائب صدام حسين سابقاً، وتدعمه اليوم “الطريقة” الصوفية النقشبندية التي تنشط في شمال العراق وتملك جيشها الخاص كما نزعة قتالية معادية للشيعة.

ISIL in Iraq

ISIL in Iraq

تحالف هذه القوى الأربعة مكّن المعارضة السنيّة من السيطرة على أكثر من ثلث العراق، في حين بقي الثلثان الآخران مقسمان إلى جزء تسيطر عليه الحكومة المركزية في المناطق الشيعية في وسط وجنوب البلاد، وقسم آخر هو أساساً تحت سيطرة الأكراد. وقد قام هذا الأخير باستغلال الفوضى المستجدة في العراق ليوسع سيطرته إلى مدينة كركوك المتنازع عليها بينه وبين الحكومة المركزية. فعمت الفوضى كل البلاد وأصبحت أقرب من أي يومٍ مضى إلى التقسيم إلى أقاليم أو دول ثلاث ما لم يطرأ تغيير حقيقي يعيد الأمور إلى ما كانت عليه، وهذا مستبعد في ظل تفاقم الانهيار العام في الدولة العراقية.

ولا يبدو أن هناك أمل بأي حل ينهي أكثر من عقد من الفوضى والدماء في العراق من دون أخذ الواقع الجديد بعين الإعتبار، ومنها فكرة باتت مطروحة في الصحافة الأجنبية كما في الدوائر الدبلوماسية وهي قائمة على إعطاء السنّة نوعاً من استقلال محلي وإدارة ذاتية على نسق الإقليم الكردي وذلك بعد إعادة المناطق التي فقدتها الحكومة المركزية إلى سيطرتها.

في المقابل، لا يبدو أن “داعش” التي باتت شريك بالسيطرة على أقسام كبيرة من سوريا والعراق بعيدة عن إقامة دولتها وإعلانها إمارة إسلامية لتتحول منطلقاً لإستكمال العمليات الجهادية ونشر الفوضى في كل مكان. وقد لا تعود صلابة عود هذا التنظيم وغيره من التنظيمات المتطرفة إلا إلى أنها نتاج للظلم الذي لحق بالطائفة السنيّة في ظل حكم البعث السوري والحكم ذي الصبغة الشيعية في العراق بعد دخول الولايات المتحدة اليه عام 2003. فكانت دموية النظامين كما إقصاء السنّة عن السلطة فيهما أن جعلت من ردة الفعل عنفية ومتطرفة ونتيجة حتمية للدكتاتورية التي مارسها النظامين السوري والعراقي بحق فئة من شعبيهما.

أما نهاية هذا الصراع الدموي المنتشر في سوريا والعراق والذي أزهق حياة مئات الآلاف من سكانهما، فلا يمكنها أن تتم إلا عبر إعادة الإعتبار للطائفة السنيّة من ناحية كما إيجاد حل للنزعة المتطرفة التي نشأت داخلها. وهذا لن يتم إلا بعد إبعاد سطوة الطوائف الآخرى عنها أو تحقيقها لدولة تكون هي الحاكمة فيها وتُرسم هذه المرة ليس بحبر السيدين سايكس وبيكو إنما بالعنف والدم وبردات الفعل.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 23 حزيران 2014 (العدد رقم 1462)

———————-

إقرأ أيضاً:

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s