“أهل الذمة” في بلاد الشام


جو حمورة

مع تصاعد حدّة الحرب في سوريا وإعادة الإعتبار لمسألة “الأقليات المسيحية في الشرق” على المسرح الدولي، يدور نقاش حاد في الأروقة الأوروبية كما بين الجماعة المسيحية السورية حول ما إذا كان النظام السوري يشكّل ضمانة لحماية مسيحيي سوريا ومستقبلهم، أم إن هذا الحامي المفترض يؤمن “الحماية” للآخرين من أجل الحفاظ على نفسه وإستمرار سلطته بوجه تزعّم الطائفة السنّية للثورة الشعبية، وإستغلاله بروز الجماعات الإسلامية المتطرفة كخطر على التنوع الديني والتعدد الطائفي في بلاد الشام.

كان السوريون من أوائل الشعوب التي آمنت بالمسيح واعتنقت المسيحية، وخاصة الآراميين وهم من السوريين الأصليين ولغتهم هي الآرامية؛ لغة المسيح. كما واعتنقت المسيحية قبائل عربية كقبيلة الغساسنة التي سكنت في جنوب سوريا، وقبيلة بني تغلب التي سكنت حلب، فكانت أعداد المسيحيين في سوريا قبيل الفتح العربي تتجاوز الـ 78% من عدد السكان، وبالتالي فهم ليسوا جماعةً جاءت سوريا حديثاً بل وجودهم قديم قدم المسيحية نفسها.

بعد الفتح الإسلامي بدأ عدد المسيحيين في سوريا يتغير بتغيّر الظروف السياسية وإنتقال القبائل الإسلامية من الجزيرة العربية نحو الأراضي السورية الأكثر خصوبة، فأضحت نسبة المسيحيين في سوريا 7% فقط عام 1517. إلا أن هذا التراجع العددي تحسن مع إنتهاء وجود السلطنة العثمانية، نتيجة الإهتمام الغربي بالأقليات المسيحية من ناحية كما بسبب هجرتين وافدتين إلى بلاد الشام من ناحية أخرى. فكانت الأولى في أعقاب المجازر بحق أرمن الأناضول والتي أفضت إلى استقرار أعدادٍ كبيرةٍ منهم في سوريا، في حين أن الهجرة الثانية حصلت في أعقاب المجازر بحق الآشوريّين التي أفضت بدورها إلى إنتقال من بقي منهم إلى بلاد الشام، فأصبحت نسبة مسيحيي سوريا عام 1918 حوالي 30%، ثم بلغت 35% أوائل عهد الاستقلال عام 1946. وقد ناهز عدد المسيحيين في حلب مثلاً حوالي 40 % من سكانها، حيث كان مسيحيو بلاد الشام في منتصف القرن الماضي يملكون 75% من القطاع التجاري ويملكون أغلب الأراضي السورية قبل أن يتمّ تأميمها من قبل نظام “البعث” الإشتراكي.

أمّا اليوم فتتراوح نسبة المسيحيّين بحسب المصادر الرسميّة في سوريا بين 8 و 12%، في حين يعود هذا التراجع بشكل أساسي إلى أن الفترة الممتدة بين عامي 1980 و1990 في ظل حكم “البعث” قد شهدت هجرة لحوالي مليون مسيحي سوري. ويبرز السبب الأساسي لهذه الهجرة إلى عدم المشاركة في القرار السياسي كما نتيجة السياسات الإقتصادية للنظام الحاكم في دمشق.

Syrian Orthodox priests - 2011

Syrian Orthodox priests – 2011

أمّا على صعيد المشاركة في السلطة، فكانت الفترة الممتدة من الانتداب الفرنسي حتى وصول نظام حافظ الأسد فترة مميزة على صعيد مشاركة المسيحيين في الحياة السياسية. وقد برز العديد من الشخصيات منهم التي احتلت مراكز مهمة في الدولة، كسعيد اسحق الذي تسلم رئاسة البرلمان ومن ثم الدولة أثناء اضطرابات عام 1951، وكذلك فارس الخوري الذي ترأس الحكومة السورية أكثر من مرة. وكان مسيحيو سوريا من الأقوى والأكثر تأثيراً المجال الاقتصادي والأدبي بسبب الحرية التي شهدتها سوريا قبل وصول حزب “البعث” إلى السلطة عام 1963، إلا أن دور المسيحيين عاد لينحسر بعد سياسة التأميم وهيمنة الحزب والرأي الواحد على الدولة والمجتمع.

وعلى الرغم من أن النظام السوري قد رفع شعار ومبدأ العلمانية، إلا أنه حدد في دستوره دين رئيس الدولة الإسلام، ونصّب الفقه الإسلامي مصدر رئيسي للتشريع، وأبقى تمثيل المسيحيين في البرلمان السوري وفي الوزارات ضئيلا وغير متناسب مع حجمهم الديمغرافي. وكان أقصى ما حصلوا عليه هو وزيران في أحسن الأحوال وبضعة مقاعد في مجلس الشعب لا تتعدى أصابع اليد حيث يتم انتخابهم في لوائح “الجبهة الوطنية التقدمية” المرؤسة من حزب “البعث” الحاكم. وعلى الرغم من أن الرئيس حافظ الأسد ومن بعده “خليفته” بشار عيّنا مستشارين لهما من الطائفة المسيحية كإسكندر لوقا، جورج جبور وكوليت خوري إلا أن ذلك لا  يعني أن مسيحيي سوريا يشاركون في صنع القرار السياسي، إنما هم بمثابة واجهة مثقفة لمخاطبة الغرب حينما تدعو الحاجة كما هي الحال اليوم.

ومع إندلاع الثورة في سوريا بدا المسيحيون غير معنيين فيها بشكل أساسي وإن شاركوا فيها بشكل خجول في بعض المناطق، غير أن أكثريتهم بدت عليهم معالم الخوف من مصير مجهول وخطر يتهددهم في حال تغير النظام في سوريا. في حين أن جزءًا كبيرًا من هذا الخوف يعود أساساً إلى “طبقة” رجال الدّين المسيحيين في سوريا الذين عملوا في أكثريتهم، وما زالوا يعملون، ضمن توجيهات النظام السوري الذي كان له الدور الأول في تعيينهم و اختيارهم. فنرى منهم من يتمسك بسلطة معنوية دون التدخل في الشأن السياسي كأن الخطر على الجماعة لا يعنيه، ومنهم من يقف على الحياد علناً لكنّه يدعم النظام السوري سراً، وآخرون غالوا في دعمهم للنظام حتى أصبحوا من أبرز القائمين بأعماله.

في حين يبرز الإختلاف في التجربة التاريخية الحديثة بين المسيحيين السوريين واللبنانيين كمثالٍ يمكن الإستدلال منه على أسباب تفضيل السوريين منهم الإحتماء بالنظام وكيفية تعاملهم مع الخطر الآتي على المصير. فعلى عكس حالة المسيحيين اللبنانيين، لم يشهد التاريخ السوري الحديث أي تجربة نضال عسكرية وسياسية حقيقية لمسيحييه، فباتوا أصحاب نفسية جماعية إنهزامية ودفاعية، تبحث عن مخلص من خارجها وتخشى من كل تغيير، وتعيش حالة “الذمية” السياسية دون الإكتراث لما تدفعه من “جزية” لحاميها، كما دون الإهتمام للبُعد الأخلاقي النابع من إيمانها لمن تنحاز له كمسؤول عن مصيرها. فكان تفضيل مسيحيي سوريا الإحتماء خلف النظام العسكري السوري بعد بروز الخطر الإسلامي كالتفضيل بين السيئ والأسوأ.

هذه السلبية في مقاربة المسيحيين السوريين لدورهم وحضورهم في بلاد الشام لا ينطبق على جميع المسيحيين حتماً، فقد دخل العديد منهم بالحراك الثوري حتى وصل بهم الأمر إلى تولي مراكز مهمة في قيادة الثورة. من هؤلاء الشخصيات جورج صبرا رئيس المجلس الوطني السوري، وميشال كيلو زعيم الكتلة الديمقراطية في الائتلاف السوري، إلا أن معظم أركان المعارضة السورية من المسيحيين هم من خلفيات شيوعية أو قومية لا مسيحية من ناحية تمثيلهم للجماعة الدينية التي ينتمون إليها. فضلاً عن مؤسسات مسيحية مؤثرة تُعنى بمساعدة الشعب السوري مثل منظمة “سوريون مسيحيون من أجل السلام” التي أسسها المعارض أيمن عبد النور المستشار السابق لبشار الأسد.

أمّا من الناحية العسكرية فإن “المنظمة الآثورية الديمقراطية” هي التنظيم الجدي والفعال الوحيد ذات الصيغة المسيحية الذي يشارك بالحرب السورية ويسعى للاعتراف بالتعددية القومية ويدافع عن حقوق السريان، الكلدان والآشوريين كمجموعة قومية أصيلة في سورية ولها تمايزها الثقافي واللغوي الخاص. إلا أن المنظمة هذه هي تنظيم علماني بالأساس يدافع عن الهوية القومية للجماعة لا عندينها وإن كان من يشكّلون هذه المجموعة من أتباع الدين المسيحي حصراً ومن مختلف المذاهب.

طوال أربعين عاماً عمل النظام السوري على تغذية الاعتقاد بأنّه حامي الأقليات في سوريا، وأنه بزواله ستلجأ الأغلبية السنية لتصفية حساباتها التاريخية مع تلك الأقليات. ولكن مقولة النظام تفقد مصداقيتها وذلك لأسباب عدّة. ففي البداية عاش المسيحيون في سوريا ولقرون عدة دون نظام الأسد وفي ظل أكثرية سنية حيث كان لهم موقع متميّز في مجالات عدّة. أما فترة سيطرة حزب “البعث” على السلطة فكانت أسوأ فترة عرفوها من حيث الهجرة، حيث فقدوا إمتيازاتهم وتدنّت نسبتهم أكثر مما تدنت في تاريخ سوريا منذ الفتح الإسلامي حتى تاريخ استلام نظام الأسد الحكم.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 16 حزيران 2014 (العدد رقم 1461)

———————-

إقرأ أيضاً:

الكتائب اللبنانية: حزبٌ مريض

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s