رحلة في زوايا كردستان


جو حمورة

يختلف الأكراد عن جيرانهم العرب في الهوية الإنتماء، لكنهم غالباً ما شاركوهم نفس الواقع والمصير. واقع العرب أنهم وأرضهم وقود معارك الآخرين، ومصيرهم دائماً ما تقرر على طاولة مفاوضات الغير. لا يشذ الأكراد عن العرب في هذه الحالة، لأن واقعهم ومصيرهم متعلق بمصالح الإيرانيين والأتراك على وجه التحديد.

في 21 آذار الماضي، إحتفل الأتراك بالذكرى السنوية الأولى لوقف إطلاق النار بين حزب “العمال الكردستاني” ودولتهم. وقف إطلاق النار هذا كان مرضياً للأتراك، لأنه جنبهم اشتباكات شبه متواصلة مع الحزب منذ العام 1984. بالمقابل، خفّ الرضا الكردي عن التسوية شبه النهائية التي توصلوا إليها مع الحكومة التركية، بعد أن دُفع لهم ثمن وقف إطلاقهم للنار حفنة من الإصلاحات اللغوية والثقافية. لذلك جمّدوا الانسحاب المقرر لمقاتليهم، منتظرين استكمال التسوية السياسي والأمنية بينهم وبين السلطة التركية.

لن يطولكثيراً انتظار أكراد تركيا لتحقيق طموحاتهم، لكنها تخضع لتوقيت الحزب الحاكم لا توقيتهم. إذ أن توقع إصلاحات أخرى للأكراد قبل الانتخابات المحلية التركية في 30 آذار الحالي أو بعدها مباشرةً أمر غير واقعي، لأن “عقاب” هكذا أمرٍ سيكون حجب أصوات القوميين الأتراك عن الحزب الحاكم وخسارته لتأييد الأتراك القوميين “المعتدلين”.

إستراحة لمقاتلات كرديات في "روجافا" - سوريا

إستراحة لمقاتلات كرديات في “روجافا” – سوريا

يختلف واقع الأكراد في شمال العراق عمّا هو عليه في تركيا. هنا، يشكّل إقليمهم الكردي شبه المستقل عن سلطة بغداد المركزية نقطة تلاقي إيرانية – تركية. لذلك، وعلى عكس محيطه، ينعم الإقليم ببعض الأمن والازدهار نتيجة هذا التلاقي، وتتحول مدنه إلى واحة استثمارات مربحة للشركات التركية والإيرانية. حيث تتقاسم كل منهما النفوذ في الإقليم، ففي حين يتركز نفوذ تركيا في عاصمته إربيل، يكبر نفوذ إيران في مدينته الثانية السليمانية.

كذلك، يؤدي هذا التلاقي الثنائي إلى مكاسب سياسية واقتصادية لهما. تحصد إيران، ببرَكة تركية، المزيد من النفوذ السياسي بعد تعيين المقرب منها جميل بايك رئيساً تنفيذياً “للعمال الكردستاني”. أما تركيا فتقدم الاعتبارات الاقتصادية على السياسية منها، لذلك تدفع بإربيل إلى توقيع عقودٍ لتصدير نفطها بأكلافٍ جيدة، وسط عدم اكتراث للرفض الرسمي العراقي.

تكون نتيجة الواقع في العراق، أن تلاقي إيران وتركيا يفيد الأولى عبر توسيع نفوذها السياسي، ويفيد الثانية بتعزيز وضعها الاقتصادي. وفي نفس الوقت، يؤمّن الإقليم مكاسب مادية من النفط المصَدر تجعله أقوى في مسعاه الاستقلالي عن حكومة بغداد. لذلك من الجائز القول أن الجميع مستفيد من الوضع القائم في العراق ما عدا حكومته المركزية.

أما في شمال سوريا، أو “روجافا” كما يسميها الأكراد، وبالرغم من غياب الازدهار لصالح الفوضى، يتشابه تلاقي إيران وتركيا فيها مع تلاقيهما في العراق.

وتبعاً لهذا التلاقي، فَهم حزب “الإتحاد الديمقراطي” الكردي (الجناح السوري لحزب العمال) حدود سياسته ومداها، متأنياً خطواته بين ألغام الحرب، ومبتعداً عن  محاربة نفوذ إيران في روجافا أو إغضاب تركيا. لذلك لم يحارب بقايا قوات النظام السوري في مناطقه وترك لها بعض القواعد العسكرية كرمى إيران. كما لم يطلق رصاصة على “عدوته اللدود” تركيا، أو يحارب حليفها الجيش السوري الحر بشكل حقيقي كرمى تركيا.

بالمقابل حارب “الإتحاد الديمقراطي” المنظمات الإسلامية المتطرفة، وانتصر في معظم معاركه معها وبسط سيطرته على أغلب روجافا. ليعود ويعلن في شهر تشرين الثاني من العام الفائت منطقة “إدارة ذاتية” ويشكّل فيها ثلاثة حكومات محلية. لم تعترف إيران أو تركيا بالإدارة الذاتية المستقلة أو الحكومات الكردية بطبيعة الحال، لأن العلاقة بين القوى المحلية وتلك الإقليمية تسير غالباً في اتجاه واحد: القوى المحلية تخدم القوى الإقليمية وليس العكس.

أما في إيران فواقع الأكراد هو الأسوأ. حيث لا تسوية سياسية مع السلطة كما في تركيا، ولا استقرار كما في الإقليم العراقي، ولا إدارة ذاتية كما في روجافا، بل قمع نظامي لكل حراك كردي معارض للحكم الإيراني.

وبالرغم من وعود رئيس الجمهورية الإيرانية حسن روحاني للأكراد ببعض الحقوق قبل انتخابه، إلا أنه لم يفِ بأيٍ منها بعد وصوله إلى السدّة الرئاسية. فاستمر الحرس الثوري بقمع الأكراد كالمعتاد كأن شيئاً لم يكن، ذلك لأن جمهورية إيران مؤلفة من “موزاييك” قوميات مختلفة لا يشكّل فيها العنصر الفارسي سوى 50% على أحسن تقدير، ويخشى النظام الإيراني صعود المشاعر القومية لغير الفُرس باعتبارها خطراً حقيقياً على أمنه ووجوده.

مشلّعة ومختلفة هي أوضاع كردستان في زواياها الأربعة، لكنها لا تختلف بالإجمال عن البلاد العربية بدولها الـ22. أما دروبها فشاقة وملأى بالدم وتخضع لتدخلات ومصالح القوى الإقليمية كحال بلاد العرب تماماً. لكن الأكيد أنه في حالات الحرب كالتي كانت في تركيا سابقاً أو في سوريا حالياً، لا يلجأ الأكراد إلى القتال كعَرب اليوم باسم الدين، إنما باسم وطنٍ لم ينشأ بعد.

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s