من يسيطر على النفط والغاز في سوريا؟


جو حمورة

بالرغم من أنّ الموارد النفطية في سوريا ضئيلة جداً مقارنة مع ما يملكه جيرانها من نفطٍ وغاز، إلا أنها تمثل قضية أساسية لفهم الصراعات الدائرة حالياً في الحرب السورية. فبعدما فقد النظام السوري السيطرة على معظم حقوله ومنشآته النفطية، استوجب عليه التعامل مع أمرين أساسيين من أجل “الصمود”: التواصل مع قوى الأمر الواقع المسيطِرة على حقول النفط وإمداداته، والاعتماد أكثر على حلفاءه الإيرانيين.

في سوريا ثلاث مناطق أساسية لإنتاج النفط  والغاز. الأولى، تقع في منطقة الحسكة شمال شرق البلاد، ويسيطر على معظم حقولها النفطية حزب “الإتحاد الديمقراطي” الكردستاني. أما الثانية، فتقع في منطقة دير الزور ومحيطها بالقرب من الحدود مع العراق، وتتنازع  حولها  الجماعات الإسلامية المتشددة. أما الحقل الثالث، والذي ينتج الغاز في غالبيته، فيقع في وسط سوريا، بين تدمر وشرق حمص، ولا يزال بقسمه الأكبر في يد النظام السوري.

أدت الحرب الدائرة إلى فقدان سوريا “الرسمية” العائدات من بيع النفط، وذلك بعدما انخفض إنتاجها من 380 ألف برميلٍ يومياً عام 2010 إلى 14 ألف برميل يومياً فقط في العام 2014 وذلك بحسب البيانات الدورية لوزارة النفط السورية، ما جعل مجموع خسائر الاقتصاد السوري من توقف إنتاج النفط وتصديره منذ اندلاع الأزمة السورية إلى اليوم 11.5 مليار دولار.

2013-04-19T021033Z_1_ACAE93I061U00_RTROPTP_2_OEGBS-OIL-MARKETS-MY7_716717_large

على أرض الواقع، تتنازع القوى المسيطِرة على الحقول النفطية في سوريا في ما بينها. ففي حين تقاتل “الدولة الإسلامية في العراق والشام” (داعش) الأكراد في الحسكة من دون أن تستطيع التغلب عليهم بشكل حقيقي، تتقاسم مع “جبهة النصرة” حقول النفط في دير الزور ومحيطها بشكل شبه متساوٍ.

ويعود إبداء القوى الإسلامية معاركها الخاصة للسيطرة على الحقول النفطية على أولوية مقاتلة النظام السوري، إلى المكاسب المادية التي يمكن أن تحققها من إعادة تصديرها لإنتاج النفط، إذ أن هذه الموارد تؤمن للجماعات المسلحة مكاسب مادية تستغلها لزيادة قوتها العسكرية عبر شراء الأسلحة من جهة، كما لضمان ولاء السوريين الخاضعين لسيطرتهم من أفرادٍ وقبائل عبر تقديم المنافع المادية لهم من جهة أخرى.

وهذا ما بدأت القوى المسيطِرة على المنشئات النفطية بفعله في مناطق الحسكة ودير الزور. إذ يقوم الأكراد بتصدير النفط من مناطقهم إلى تركيا عن طريق التهريب والسوق السوداء، في حين تقوم القوى الإسلامية بتهريبه بالطريقة نفسها إلى العراق بواسطة صهاريج محلية. أما مجموع النفط المهرب فلا يمكن تحديده بشكل حقيقي، إلا أنه لا يزيد عن 20 ألف برميل يومياً من النفط الخام بحسب الخبراء.

تتلاقى غالباً حاجة القوى المسلحة للأموال مع حاجة النظام السوري ذاته للمواد النفطية لتمويل آلته الحربية واقتصاده. لذا، يقوم نوع من التعاون الخفي بين الطرفين يؤمن لكلٍ منهما مراده، فتتبادل “داعش” نفطها المنتج محلياً بأموال النظام السوري المحتاج إلى النفط ليستمر في القتال. فتكون النتيجة تقوية قدرة النظام على الصمود في وجه القوى المعارضِة، كما تمويل “داعش” لتعزز نفوذها في المناطق التي تسيطر عليها.

لا يعتمد النظام السوري على “داعش” فقط لتمويل آلته الحربية بالموارد النفطية، إنما على حليفته إيران عبر إمدادها له بالمواد النفطية عن طريق البحر إلى مصفاة “بانياس” على الساحل السوري والتي تنعم بالهدوء مقارنة ببقية المناطق السورية.وتبلغ الطاقة الإجمالية لمصفاة بانياس التكريرية حوالي 120 ألف برميل يومياً، وتعد منشأةً حيوية لبقاء النظام السوري إلى الآن، والذي لولا النفط الإيراني المتدفق إليه عبر المصفاة لما كان تمكن من البقاء.

مقارنة مع النفط الذي تراجع إنتاجه في شكلٍ دراماتيكي خلال الحرب السورية، إلا أن إنتاج الغاز في سوريا لم يتراجع إلا قليلاً، وبينما كان بحدود 8.7 مليار متر مكعب في العام 2011، إذا به يصل اليوم إلى حدود 5.9 مليار متر مكعب سنوياً. أما أسباب هامش الفرق بين إنتاج النفط والغاز فتعود إلى عاملين أساسيين: الأول أن معظم محطات الطاقة الحرارية والحقول الغازية تقع في وسط سوريا حيث لا تزال السيطرة لصالح النظام، أما الثاني فيعود إلى اتفاق ضمني نابع عن حاجة كل المعارضين كما النظام السوري إلى الكهرباء، ما جعل قطاع الغاز محيّداً بشكل كبير خلال الحرب السورية إلى الآن.

على الرغم من دخول الحرب السورية عامها الرابع، إلا أن النظام السوري استطاع “الصمود” بفعل الاتكال على إيران في تأمين موارده النفطية، كما على مساعدة “أعداءه” من “المعارضة” وطموحاتها الخاصة. غير أن النظام السوري بات، وبسبب حاجاته المتزايدة للنفط لتأمين استمرار عمل آلته الحربية، أسير إيران أكثر من أي يومٍ مضى.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 12 أيار 2014 (العدد رقم 1456)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s