تركيا بين “العلويين” و”العليهيين”: الولاء للوطن أولاً


جو حمورة

بسبب حاجتها لحلفاء في مواجهة ألمانيا النازية، قامت الدولة المنتدِبة، فرنسا، “بإهداء” لواء الإسكندرونة السوري لتركيا منذ 75 عاماً بالتّمام والكمال. فأضحى اللواء ذو الأغلبية العلوية حينها، أرضاً تركية، مما أدى إلى انقسام “الساحل العلوي” بين بلدين، وتحوّل العلويين في تركيا، منذ العام 1939، إلى أقلية في دولةٍ يشكّل فيها المسلمين السنّة أكثرية شبه مطلقة. أمّا اليوم، وبعد تضخيم أرقامها ودورها في تركيا، “تُستغَل” الأقلية العلوية إعلاميّاً من بعض المدافعين عن النظام السوري لإظهار أن تركيا تخشى التوّرط في سوريا خوفاً من حراكٍ علوييٍ داخليٍ ما، كما الربط بين العلويين في تركيا وإنتماءهم “الصافي” الى سوريا.

عند فحص واقع الأقليات في تركيا نجد نتائج مخالفة لتمنيات المراهنين على حراك علوي مفترض فيها. ذلك لأنه، وعلى عكس المعتقد، لا يشكّل العلويين أكثر من مليون فردٍ في تركيا، مؤلفين ما نسبتة 1.3في المئة فقط من سكانها البالغين 75 مليوناً. بينما الأقلية الحقيقية الأكبر حجماً والأكثر تأثيراً في تركيا هي الطائفة المسماة الـ Alevis والتي لا تملك مرادفاً علمياً لها في اللغة العربية إلا أنّ التعبير الأكثر إستخداماً لها هو “العليهية”. وتختلف هذه الطائفة عن تلك العلوية أكان من ناحية الأصول أو الإيمان أو الانتماء الإتني، بالرغم من كثرة الكتابات الصحافية المغلوطة، وبضعها مقصود، والتي تمزج بين الطائفتين على اعتبار أنّهما واحد.

من ناحية الأصل التاريخي، يعود نشوء “العليهيين” للقرن السادس عشر في أذربيجيان على يد “الشاه إسماعيل” مؤسس الطريقة الصوفية فيها. في حين تعود أصول العلويين إلى ما قبل ذلك بعدة قرون وسط اختلاف علماء التاريخ بين أصولهم العربية أو الفارسية. كذلك يتشعب الإختلاف بينهما عند البحث في موضوع إيمان الطائفتين، غير أنهما وإن اعتبرا نفسيهما فروعاً من الإسلام الشيعي، إلا أن العلويين هم جزءً من طائفة توفيقية متحفظة جداً من طوائف الإسلام، مفتوحة فقط للرجال ويتلقنها عدد محدد من أبناء الطائفة. بينما لعقيدة “العليهيين” الأتراك تفسير فضفاض نسبياً للإسلام، وهي مفتوحة لكِلا الجنسين، وتجمع، كعقيدة، بين الإسلام من جهة والصوفية من جهة أخرى، بالإضافة إلى تقاليد من الديانة المسيحية والديانة الشامانية التي كانت موجودة في الأناضول قبل الإسلام. أما أعدادها فتبلغ حوالي 15 مليونٍ من الأتراك مقسمين في كل البلاد وخاصة في وسطها، ولا يمتّون للنظام السوري وحكامه العلويين بأية صلة دينية أو مذهبية.

A protester holds a banner reading "we are alevi" in Ankara March 13, 2012.

A protester holds a banner reading “we are alevi” in Ankara March 13, 2012.

أمّا إتنياً، فيتألف “العليهيون” في تركيا من أعراق التركمان والكُرد، ويتكلم كلٌ لغته. بينما العلويون هم عُرب اللّسان، لكنهم وبسبب وجودهم ضمن الدولة التركية لعقود عدّة باتت لغتهم الأولى التركية، مستبدلين اللغة العربية التي لم يحتفظ بها إلا كبار السن وبعض المتخرجين سابقاً من الجامعات السورية.

في السياسة، ينتمي معظم “العليهيين” إلى الأحزاب “العلمانية” اليسارية والقومية، ويرأس حزب “الشعب الجمهوري”، المعارض الأبرز للحزب الإسلامي الحاكم، “عليهي” هو “كمال كيلتشدار أوغلو”، وينقسم حزبه إلى جناحين يشكّل الجناح “العليهي” التيار الأبرز فيه. فلكأن الأحزاب الأساسية التركية أضحت في العمق، منذ عقدٍ من الزمن، ممثلة كلّ لطائفةٍ ما، ففي حين يتحزب “العليهين” لحزبهم المعارض بغطاءه “العلماني”، يتحزب السنّة في الحزب الحاكم بغطاء الدولة والنظام والدستور العلماني. في تركيا يحافظ الجميع على العلمانية في الشكل لكن لا تغيب طائفية التركيبة الإجتماعية والانتماءات الحزبية والممارسات السياسية عن الواقع التركي.

أمّا العلويون الأتراك فلا أحزاب سياسية خاصة وفاعلة لهم، وهم لا يشكّلون في مطلق الأحوال أي تأثير يحسب له حساب داخل البلاد أو خارجها، خاصة بسبب مكوثهم الطويل في الداخل التركي ما جعلهم، في غالبيتهم، أتراك الانتماء أولاً، في حين لا يرتقي المتعاطفون منهم مع النظام السوري إلى حد القيام بردة فعلٍ أكثر من التعاطف النظري. بينما كان لهؤلاء القلة من المؤيدين بقوةٍ للنظام السوري فرصة الانضمام إليه سابقاً مع اندلاع الثورة السورية، فقاموا بالتوجّه إلى الساحل السوري للدفاع عن الطائفة وحُكمها، ومنهم من مات ومنهم من بقي في الساحل السوري إلى اليوم يدافع عن الطائفة وعن ما تبقى من النظام السوري.

من ناحية أخرى، تتدخل تركيا في الشؤون السورية بطرق خفية حيناً وعلنيةٍ أحياناً، لكنها في تدخلها الأخير في الساحل السوري في ريف اللاذقية لم تأخذ، تماماً كما في المرات السابقة، في عين الإعتبار أي حراكٍ علويٍ داخليٍ محتمل، ذلك لأن قدرتهم محدودة نتيجة أعدادهم القليلة وإندماج معظمهم في المجتمع التركي. حتى أنّه، وخلال تزامن التدخل التركي الأخير في سوريا، فاز الحزب التركي الحاكم في معظم المدن التي يسكنها العلويون في الإنتخابات المحلية في 30 آذار الماضي.

في العودة إلى لواء الإسكندورنة أو ما بات يعرف تركياً بإقليم هاتاي، وبعد أن “سلبته” تركيا عام 1939، تخلّى الرئيس السوري حافظ الأسد عن حق سوريا فيه في التفاهمات التي سبقت “اتفاقية أضنة” عام 1998 التي أجبر على توقيعها مع تركيا بعد أن استغلت هذه الأخيرة تحالفها المتين مع إسرائيل لتشكل معها “كماشة” على الدولة السورية. في حين لا يبرز هذا التخلي الإنهزامي لوحده عن فقدان سوريا كل شرعية في المطالبة في اللواء وسكانه العلويين، بقدر ما تبرز تجربة وأهمية انتماء هؤلاء المستجد لوطنهم تركيا بشكل يفوق إنتماءهم الديني وارتباطهم مع سوريا.
تجربة ربما يحتاجها بعض اللبنانيين ليقدموا الانتماء إلى لبنان على الانتماء إلى النظام في سوريا!

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 21 نيسان 2014 (العدد رقم 1453)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

Advertisements

2 thoughts on “تركيا بين “العلويين” و”العليهيين”: الولاء للوطن أولاً

  1. أخ جو، يسرني أن أضيف أن هذا التحوير اللغوي ليس بمقتضى الضرورة صحيحا، فحرف الواو العربي يقابله حرف V في اللغة التركية، ولذلك فالكثير من الكلمات العربية المدخلة إلى التركية تحمل هذا القلب، كقولك مولوي وهي بالتركية mevlevi وحتى حرف العطف العربي “الواو” يقابله بالتركيه ve، ولذلك فكلمة Alevis تقابلها لفظة علوي، أما بالنسبة لمعتقدات من سميتهم “العليهيين” فلا أعتقد أن ذلك صحيحا والمغالطات بالغة الحدة في يتعلق بمفاهيمهم القريبة والمتطابقة لربما مع المعتقدات العلوية، وإن كان هناك اختلافات لكن أن تسبغ الفكر الديني “للعليهيين” لفترة قصيرة تاريخية ففيه من التجني ما لا أظن أن لباحث حقيقي أن يحمله.
    تحياتي.

    • المولوية هي طريقة دينية صوفية بينما الAlevis هي طائفة دينية.

      صحيح أن اللغة لا تساعد في هذا المجال، خاصة لعدم وجود تعاريف متطتبقة ومعترف فيها في اللغة العربية للكلمات والتعابير والطوائف التركية… لكن أكثره شيوعاً لتفسير إسم الطائفة هو العليهية.

      صحيح أن هناك قرب بين المفاهيم الدينية والإيمان بين العلويين والعليهيين لكن هناك فروقات، لكن هذا النوع من تبيان الفروقات بشكل مفصل هو مشروع بحث كبير وليس مقالة صغيرة.

      ثم لم أسبغ الفكر الديني للعليهيين لفترة صغيرة.. بل منذ القرون الوسطى. وهذه ليست فترة صغيرة أبداً.

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s