اللاذقية مقابل القرم.. وأصوات الأتراك؟


جو حمورة

بكلامه الحازم المعتاد، وفي 23 آذار الماضي، هدد رئيس الحكومة التركية سوريا بالآتي: “إن ردّ تركيا سيكون قاسيًا إذا انتُهك مجالنا الجوي”. لم يطغَ حديث رجب طيب أردوغان ذات النبرة الدفاعية على حدث هجوم جيشه قبل خطابه بساعات قليلة. ذلك لأن إسقاط تركيا لطائرة سورية قرب الحدود المشتركة بين البلدين، وتغطية الجيش التركي بمدفعيته الثقيلة لتقدم قوات المعارضة السورية أخذ كل الاهتمام. كما أفضى إلى نتيجتين مباشرتين: افتتاح معركة الساحل في ريف اللاذقية، والدخول العلني والمباشر الأول لتركيا في الحرب السورية.

لم تكن تركيا يومًا بعيدةً عن الحرب السورية. لكنها كذلك، وفي الوقت عينه، لم تكن اقرب إليها مما هي عليه اليوم. دعمت تركيا سابقاً “المعارضات” السورية لوجستياً وعسكرياً، كما رعت المعارضة السورية في الخارج دبلوماسياً. أما اليوم، فتدخل تركيا الحرب علنيةً من باب رغبتها برد صاع من أفقدها نفوذها في القرم صاعين، كما استجابةً لضرورات أمنها القومي واحتياجاتها الداخلية.

بدايةً، يندرج التدخل التركي في الساحل السوري ضمن مسألة العلاقات المتشعبة بين تركيا وروسيا. هذه العلاقات تبدأ بدول آسيا الوسطى ذات التركيبة التركمانية والنفوذ الروسي. وتمتد إلى حوض البحر الأسود ومسألة القضم الروسي للقرم ذات الأقلية المسلمة التركية. لتصل إلى تقاسم النفوذ في حوض المتوسط ومنها الشواطئ المحاذية للساحل السوري؛ آخر موطئ قدم للقوات الروسية في المتوسط.

ومع انضمام القرم لروسيا، ودخول هذه الأخيرة كعاملٍ حاسمٍ في السياسة الداخلية في القرم، فقدت تركيا نفوذها الحصري على أقليته المسلمة. كذلك، فضّل هؤلاء مقاطعة الاستفتاء على انضمام القرم بدل التصويت المتوقع بـ “لا” في 16 آذار الماضي، “راضخين” ومهادنين للروس، وفي ذهنهم ذكريات القمع الروسي تاريخيًا.

بالمقابل لم “تهضم” تركيا بعد سلب روسيا النفوذ منها على الضفاف الأوروبية من البحر الأسود. لكنها في الوقت عينه، بقيت مقيدة بعدم الردّ في القرم أو البحر الأسود نتيجة ضعف الموقف الأوروبي والأميركي من التصرفات الروسية هناك. لذا، فضلت تركيا الردّ منفردةً على روسيا برسالة في صندوق بريدها الشرق متوسطي لا الشرق أوروبي مفادها: كما تستطيعين الدخول إلى القرم وضمه إلى نفوذكِ، نستطيع كذلك الدخول إلى الساحل السوري وزيادة نفوذنا فيه.

p01-04-25347-640_829491_large

خارجياً كذلك، وعلى صعيد التوقيت، يأتي التدخل التركي مباشرةً بعد يومٍ واحدٍ من تحذير الملك الأردني، عبد الله الثاني، من “النتائج الكارثية لتقسيم سوريا” الذي بدأ يلوح بالأفق. هذا التقسيم، إن تمّ يوماً ما، سيكون أكثر ضررًا على تركيا من غيرها من الدول المحيطة بسوريا. وذلك بسبب تشكيله خطراً على أمن تركيا القومي عبر فتحه لشهية أقلياتها الدينية والقومية، العلوية والكردية، للحصول على دولِها الخاصة. في حين يمكن قراءة  التدخل التركي المباشر في الحرب السورية على ضوء ضرورات الأمن القومي التركي، على اعتبار أنه  أداة لإبراز تركيا نفسها، من جديد، لاعبًا أساسيًا لا يمكن تخطيه في أي حلٍ سوري محتمل، أو إغفال الحلّ هذا للثابتة في السياسة الخارجية التركية: لا للتقسيم.

من ناحية أخرى، وعلى الجبهة الداخلية، لم يبتعد التدخل التركي المباشر بتوقيته عن توقيت الانتخابات المحلية في تركيا. والتي حملت أهمية مصيرية لحكم أردوغان و”نموذجه” الإسلامي، المحتاج أكثر من أي يومٍ مضى إلى محرك عاطفي وقضية قومية-إسلامية ما، تُكسب الحزب الحاكم أصوات المترددين من الأتراك.

هذه الحاجة تعود بالأساس إلى فقدان الحكم التركي بعضاً من بريقه داخلياً نتيجة الانقسامات الأخيرة بين القوى الإسلامية، كما بسبب تتالي فضائح الفساد المالي والسياسي التي طالت أردوغان وأعضاء حزبه. لذا، وبقدر ما يشكّل التدخل التركي المباشر في سوريا ردة فعلٍ على أزمةٍ تركيةٍ داخليةٍ، يمثل، وبالنسبة عينها،”فرصةً” دعائية للحزب الحاكم لشحذ همم القوميين والإسلاميين الأتراك لكسب أصواتهم في صناديق الاقتراع.

هذه “الفرص” الدعائية كانت قد أثبتت جدواها سابقاً لاستمرار حكم أردوغان على مدى 12 عاماً. فعام 2009 مثلاً عمد رئيس الحكومة التركية إلى الانسحاب من مؤتمر “دافوس” بعد اشتباكٍ كلامي مع الرئيس الإسرائيلي، شمعون بيريز، مستغلاً الحدث لكسب تأييد الأتراك في انتخابات العام نفسه التي فاز فيها. كذلك، أطلق أردوغان شعار “رابعة” الدعائي المساند لحركة “الإخوان المسلمين” في مصر ضد انقلاب العسكر عليهم، ليصبح الشعار بعدها رمزاً للحركة في كل مكان.

لذلك، ومع التركيز على اعتبار الهجوم التركي رداً عملي على روسيا وضرورةً للحفاظ على أمن تركيا القومي، لا يمكن إغفال البُعد الدعائي في التحرك التركي الأخير في ريف اللاذقية. خاصة بعد أن أعلن أردوغان، بحماسة وحزم، خبر إسقاط الطائرة السورية أمام مليونان من مناصريه في إسطنبول وسط صيحات التكبير والتأييد. فأردوغان “ممثل” دعائي جيد.. و”خشبة مسرحه” تمتد من إسطنبول إلى الشرق برمته، وهدفه الدائم أن يكون صاحب “الدور” الأول في تركيا وخارجها.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 4 نيسان 2014 (العدد رقم 1451)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s