أحصنة تركيا الرابحة في سوريا


جو حمورة

ليست الأزمة السورية حرباً عادية، إذ قد تكون الحرب المتعددة الاقطاب الأولى منذ زمن بعيد. يدخل التنافس الدولي، بين روسيا والولايات المتحدة الاميركية والاتحاد الاوروبي، بكل قواه في الأزمة السورية. ولا يستطيع أي من الاطراف الدولية حسم الحرب لصالحه، أو أن يجرؤ أي منهم على عمل متقدم وحقيقي يضر بمصالح القوى الدولية الأخرى.

للحرب السورية بعد اقليمي كذلك، فالتنافس بين تركيا، ايران ودول الخليج، على الأرض السورية، في أشدّه. ولا تختلف مصالح الدول الاقليمية في سوريا، وعليها، كثيراً. فالجميع يبحث عن فرصةٍ لزيادة نفوذه بانتظار تبلور نظامٍ سوري جديد ولو بعد حين.

بالرغم من اختلاف الاسباب والمبررات، تتشابه أهداف الدول الاقليمية في سعيها لزيادة نفوذها في سوريا. فلإيران سعي دائم لإيصال نفوذها الى شواطئ البحر المتوسط وحدود إسرائيل، كما هدف الاحتفاظ بالورقة السورية عند التفاوض على الملف النووي مع الغرب. من ناحية أخرى، للدول الخليجية هدف معاكس، وهو الحد من النفوذ الإيراني في المشرق العربي، والقيام بتوسع مضاد يصل الى قلب عاصمة الأمويين، دمشق. أما تركيا فتسعى لتوسيع نفوذها جنوباً، لأن من يسيطر على حلب ودمشق ويقوم باستغلال بُعدهما الإسلامي، في السياسة والهوية الثقافية، يسيطر على قلب المشرق العربي.

التوافق في هدف مدّ النفوذ بين القوى الثلاث، يختفي عند مقارنة الأساليب المعتمدة. تضطر، بحكم الجغرافيا وعدائهما الواضح، كل من إيران ودول الخليج، أن تقاتل بنفسها على الأراضي السورية. لذلك ترسل إيران حرسها الثوري وفرعه اللبناني، حزب الله، ليقاتل في سوريا. كما تفعل في المقلب الآخر، الدول الخليجية عبر إرسال متطرفيها ليغزوا الجيش السوري الحر وينشؤوا فروعهم المتطرفة. على عكسهما، لا تحتاج تركيا لإرسال أحد من مواطنيها للموت في سوريا، لأن لهذه الأخيرة قوى محلية سورية تستطيع أن تقاتل فيهم النظام السوري، كما التنافس مع القوى الإقليمية الاخرى والتقدم في مدّ نفوذها جنوب حدودها.

بعد تقدمهم الميداني على جبهة النصرة وأشباهها شمال سوريا، قام الأكراد السوريون بإنشاء إقليمهم الخاص و”المستقل” عن السلطة المركزية السورية في شمال البلاد، ثم قسموه الى مناطق ثلاث لكل منها حكومتها المحلية. لم تعترف تركيا بهذا “الإستقلال” بشكل حقيقي، لكنها بالرغم من العداء التاريخي بينها وبين الاكراد، تطمح للاستفادة من الأمر الواقع الذي فرضه الأكراد لإضعاف النظام السوري.

لم يعد موضوع إقامة حكم ذاتي للأكراد شمال سوريا يخيف تركيا كما كان سابقاً. فمن ناحية، أثبتت العلاقة المزدهرة بين تركيا وإقليم كردستان شمال العراق امكانية تأمين كيان سياسي شبه مستقل على حدود تركيا الامن والإستفادة الاقتصادية لها. من ناحية أخرى، تزداد فرضية نجاح التجربة ذاتها مع أكراد سوريا بعد أن خفضوا طموحاتهم وعقلنوها. فبعد الزيارتين اللتين قام بهما صالح مسلم، رئيس حزب “الاتحاد الديمقراطي” الكردستاني الأقوى شمال سوريا، الى تركيا، تخلى الأكراد علناً عن هدف إقامة دولة مستقلة بالكامل شمال سوريا، وخفضوها الى حدود القبول بالحكم الذاتي المؤقت، للحصول على البركة التركية.

خريطة لتواجد الأكراد شمال سوريا

خريطة لتواجد الأكراد شمال سوريا

أما ثمن قبول تركيا بهكذا منطقة على حدودها، فمدفوع بوعد الاكراد الالتزام بالانتقال من خندق النظام السوري الى خندق محاربته، وهذا ما حدده وزير خارجية تركيا، أحمد داوود أوغلو، في 2 آب، داعياً “الأكراد السوريين للانضمام الى الائتلاف السوري المعارض”. لكن الأكراد لم يطبقوا “أوامر” تركيا بشكل كامل إنما بشكل محدود، عبر تقليل مناسبات إقتتالهم مع حليف تركيا، الجيش السوري الحر، كما عبر إنشاء مناطق صافية كردياً وآمنة تفيد تركيا بإبعاد القوى الإسلامية المتطرفة عن حدودها.

إنطلق “الحصان” الكردي شمال سوريا، ووظيفته المتوقعة حماية حدود تركيا من المتطرفين الإسلاميين. وهذا ما يجعل من صعود القوى الإسلامية في سوريا فرصة سياسية ودبلوماسية ثمينة للأكراد عبر قبول القوى الإقليمية كتركيا بتعزيز أوضاعهم وتقويتهم، بالرغم من أن هذا الصعود قد يضر بالأكراد من الناحية العسكرية.

مقاتل تركي

مقاتل تركي

أما حصان تركيا الثاني، فهم التركمان في سوريا، المدعمون منها لأسباب دينية وقومية. هؤلاء يقفون مع المعارضة السورية، أكان في الائتلاف الوطني السوري المعارض أم في الفِرق العسكرية للجيش السوري الحر. يقاتل تركمان سوريا النظام السوري أينما وجدوا، خاصة في أطراف المدن السورية الكبرى التي يسكنوها، والأهم أنهم من أبرز من يقاتل في منطقة جبال اللاذقية وريفها، وباتوا على بُعد نيفٍ من الكيلومترات من القرداحة مسقط رأس الرئيس السوري.

مقارنة مع بقية الطوائف والإثنيات في سوريا قد لا يشكل عدد التركمان السوريون المتواضع قوة إيجابية لهم في القتال، لكن يبقى لهم قوة في تضامنهم الداخلي والدعم الواضح والأكبر الذي يتلقونه من تركيا، أكان في التدريب والتجهيز أو في تأمين ملاذات آمنة لهم في الداخل التركي.

قد تختلف أساليب الدول الإقليمية وتسابقها حين تتنافس فيما بينها على النفوذ في سوريا، إلا أن لتركيا أحصنة سباق متقدمة على ما عداها من القوى الإقليمية الأخرى. من ناحية أخرى ومهما إختلفت هذه الأساليب، إلا أنها تساهم كلها في تفتيت سوريا من داخلها وجعلها أرضاً مدمرة. ذلك لأن كل طرف إقليمي سيحصد نفوذاً في النظام السوري الجديد، كما الإقليمي الجديد، بمقدار ما يملكه من سلطة فعلية على أرض المعركة السورية.

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s