تركيا: نحن في القرم أيضًا


جو حمورة

خلال الإجتياح الروسي لجورجيا عام 2008، وفي خطابٍ لها كمرشحةٍ لمنصب نائب رئيس الولايات المتحدة، قالت سارة بالين “إن عدم الرد الأميركي سيشجع إجتياح أوكرانيا بعد جورجيا”. سقطت بالين في الانتخابات، لكن توقعها صحّ ولو متأخراً مع توغل القوات الروسية في أوكرانيا وسيطرتها على شبه جزيرة القرم.

لم يكن التصرف الروسي مفاجئاً للكثيرين. فمن ناحية، وفي ظل إنتفاء النيات “الأوبامية” للتدخل المباشر في أزمات الدول المحلية، لا يشذ التصرف “البوتيني” عن السياسة الروسية المعتمدة في العقد الأخير للزود عن مصالحها خارج حدودها. كذلك، ومن ناحية أخرى، ففي القرم أكثرية من أصول روسية، وقواعد عسكرية توصل روسيا إلى “المياه الدافئة” عبر البحر الأسود. وما كان خروج حليفها فيكتور يانوكوفيتش‎ من قصره الرئاسي سوى سبب عجل تدخلها حين تخوفت من الخطر على مصالحها مع تغير موازين القوى في كييف لصالح الغرب.

عدا الأكثرية ذات الأصول الروسية، في القرم كذلك أقلية مسلمة تتارية ناطقة بالتركية. ولهذه الأقلية، التي تشكل حوالي 12% من مجموع سكان القرم، علاقة تاريخية وسياسية عميقة مع “أمها الحنون”؛ تركيا.

هذه الأخيرة تملك بدورها مصالح ومخاوف غرب بلادها كما في شرق المتوسط: مصالح بالحفاظ على نفوذها الإقليمي في منطقة كثيرة الإضطرابات، ومخاوف من تعرض “الدياسبورا” التركية إلى قمع روسي يذكر بالأحداث التي عاناها مسلمو القرم زمن الإتحاد السوفيتي.

خلال مظاهرة مؤيدة لحقوق التتار المسلمين في أوكرانيا

خلال مظاهرة مؤيدة لحقوق التتار المسلمين في أوكرانيا

لذلك، ومع بدء الإجتياح الروسي، استعجل وزير خارجية تركيا، أحمد داوود أوغلو، زيارة كييف مساهماً في تنظيم لقاء عبر الأقمار الاصطناعية بين وزراء تسع دول مؤثرة في الأزمة الأوكرانية. وأفاد هذا اللقاء تركيا في تأمين تهدئة سريعة خوفاً من خطورة التصعيد على الأقلية التركية في القرم، كما على مصالح تركيا الإقليمية ككل. وهذه الخطورة لخصها أوغلو حين اعتبر “أن الحفاظ على السلام في منطقة البحر الأسود يصبح صعباً إن لم يتم الحفاظ على الأمن في القرم”، مؤكداً أن أنقرة لن تسمح للأزمة الأوكرانية بخلق أزمة بين بلاده وروسيا.

هذه المرونة التركية بالإبتعاد عن أي إشتباكٍ سياسي أو دبلوماسي مع الدب الروسي، تعود في المقام الأول إلى أن مسلمي القرم باتوا في مرمى مخالبه. فلا داعي لإغضاب روسيا بموقف تركي صدامي، وهي التي لم تعنِ لها دعوات الأمم المتحدة، الإتحاد الأوروبي و”الناتو” بعدم التدخل في أوكرانيا. كذلك فللعلاقة التجارية بين روسيا وتركيا تأثير على موقف الأخيرة، إذ أن حجمها السنوي البالغ 35 مليار دولار وسط تزايد الحاجة التركية للنفط الروسي بشكل دائم، لا شك تجعل الأتراك يفكرون مطولاً قبل معاداة الروس بشكل فاضح. إن تركيا تبحث عما يخفف التصعيد الروسي في أوكرانيا ويحافظ بنفس الوقت على علاقتها التجارية الطيبة معها.

من ناحية أخرى تفتتح الأزمة الأوكرانية ودور تركيا في القرم فرصة جديدة لها لتعزيز مكانتها ودورها في السياسة الأميركية. هذه المكانة التي فقدت جزءاً كبيراً منها مع تراجع تأثيرها الحاسم في قضايا الشرق، كما بسبب خيبة الأمل بنقل النموذج التركي إلى أيٍ من دوله. فأي طريقة أفضل لأميركا لجعل الوجود الروسي في القرم غير مرغوب فيه أكثر من تأليب مسلمي القرم عليه بعد دفع تركيا إلى التصلب في موقفها من الدور الروسي في أوكرانيا.

وفي حين يبدو أن الدب الروسي لن يتراجع بسهولة عن “قضم” القرم، لا يبدو كذلك أن النسر الأميركي في وارد التخلي عن تحليق كييف في الفلك الغربي. ولا مانع عنده من “إستغلال” الورقة التركية وعلاقتها مع مسلمي القرم، بالإضافة إلى المواقف الدولية والضغوط السياسية والتهديدات بعقوبات إقتصادية، للوصول إلى هذه الغاية. لذا يبدو أن هناك فخاً غير متعمد على وشك أن يُنصب لتركيا، سيحملها عبء التماشي مع متطلبات السياسة الأميركية في القرم، ما قد يغضب روسيا ويُدخل العلاقة الروسية – التركية في إنتكاسة حقيقية.

بالعودة إلى المواقف التركية، وخلال لقائه مع ممثلين عن الأقلية التتارية في تركيا، أكد أوغلو “أن تركيا تقف مع مسلمي القرم، وستتدخل إلى جانبهم في حال تعرضهم إلى أي أذى”. لا عتب روسي على هذا الموقف تحديداً، فإسماع الجميع ما يحبون سماعه في الداخل التركي قبل الإنتخابات المحلية أمر طبيعي. في المقابل، ينتظر الخارج سماع صوت تركيا بشكلٍ أوضح عبر إنضمامها إلى إحدى المحاور في الأزمة الأوكرانية، وهذا الموقف التركي لن يتم تحديده في جميع الأحوال قبل فرز صناديق الإقتراع ليلة 30 آذار الحالي.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 21 آذار 2014 (العدد رقم 1449)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s