صراع “أردوغان” و”غولن”.. و”الحليف” اللدود


جو حمورة

لم تكن نهاية العام 2013 سعيدة لرئيس الحكومة التركية، ولا يبدو أن العام الحالي سيكون كذلك. فصراعاً مستجداً لرجب طيب أردوغان مع جماعة الداعية الإسلامي “فتح الله غولن”، بدأ يهدد شعبيته. كذلك فإن غياب دعم رئيس الجمهورية التركية “عبدالله غول” له، قد يقوّض سلطته.

ما بدأ على شكل مشروع حكومي لإغلاق المدارس التحضيرية في تركيا الشهر الماضي، والتي تعود ملكية معظمها لجماعة “غولن”، سرعان ما تحول إلى أزمةٍ مفتوحة بين “أردوغان” والجماعة. فانتهى بذلك تحالفهما الناجح، الذي استطاع تقليم أظافر الجيش التركي عبر إخراجه من الأروقة السياسية وإعادته إلى ثكناته العسكرية.

رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان والداعية الإسلامية فتح الله غولن أيام التحالف.

رئيس الحكومة التركية رجب طيب أردوغان والداعية الإسلامية فتح الله غولن أيام التحالف.

رداً على مشروع إغلاق مدارسها، سربت الجماعة للإعلام فضائح فساد مالية تطال مقربين من الحكومة، بينهم أبناء ثلاثة وزراء وابن “أردوغان” بلال. فاستعرت الاتهامات “التخوينية” بين الطرفين، خاصة وأن معظم الإعلام التركي واقع تحت سيطرة الحزب الحاكم أو تعود ملكيته لجماعة “غولن”. أما القسم العلماني من الإعلام، فدخل معركة الاتهامات إلى جانب الأخير، معتبراً أن فرصة الانقضاض على الحزب الحاكم بدت سانحة أكثر من أي يومٍ مضى. فتكللت تباشيرها الأولى باستقالة ثلاثة وزراء من الحكومة وسبعة نوابٍ من الحزب، وبضعة مظاهرات ليلية تندد بفساد الدولة.

استوجب استقالة الوزراء تغير “أردوغان” لحكومته، فانتقل معها الصراع بين الطرفين إلى مستوى آخر. حيث عمدت إلى نقل وطرد مئات رؤساء الشرطة والإداريين الموالين للجماعة، بعد أن تغلغل أنصارها إلى أجهزة الدولة المختلفة مستفيدة من تحالفها مع الحزب الحكم سابقاً، حتى باتت توصف “بالدولة ضمن الدولة”.

وعلى الرغم من قدراتها الشعبية والانتخابية المحدودة، إلا أن قوة جماعة “غولن” الحقيقية تبرز من خلال شبكة نفوذها في تركيا، والتي عملت ضمن نمطٍ متكامل في استغلال كل ما تملك لمحاربة السلطة خلال الشهر الماضي. فكان “إداريوها” يسربون قضايا الفساد الحكومي لإعلامها، ثم تقوم “شرطتها” بالقبض على الموالين للحكومة ليعودوا ويحولوهم إلى “قضاتها”. ما استدعى ضغطاً حكومياً على القضاء التركي بعد تسريبه تفاصيل التحقيقات في قضايا الفساد، تبعه موقفٍ يتيم من الرئيس التركي مطالباً بعدم تدخل السياسة في عمل القضاء. فشكل هذا الموقف “الحيادي” لرئيس الجمهورية “الحَكَم”، مع ميلٍ لصالح كشف كل المتورطين في أزمات الفساد، ما يمكن وصفه بنقطة تحول في خطابه المعتاد على دعم الحكومة وحليفه “أردوغان”.

أما الخلاف بين الجماعة وأردوغان، وعدى الصراع على النفوذ، فيعود في عمقه، إلى الخلاف بنظرتهما للإسلام وعلاقة القوى الدينية والقومية في تركيا، ودور الدولة الخارجي.

للجماعة خلفية نورسيّة، وهي الطريقة الصوفية “المطَعّمة” بالوطنية التركية، والتي ترى، حسب “غولن” نفسه، أن الإسلام التركي حداثي لأنه تركي، بينما الإسلام العربي والفارسي لا يمكنه أن يكون كذلك. فتختلف هذه النظرة الخاصة للتجربة الإسلامية مع توجه”أردوغان” ومعظم حزبه، ذو الخلفية الصوفية النقشبنديّة، الذي يرون أن الإسلام يمكنه أن يكون حداثي بغض النظر عن الوطنية.

كذلك يختلف الاثنان في النظرة للعلويين الأتراك، حيث يعبّر”غولن” عن تأيده لمطالبهم، في حين لا يبدي “أردوغان” استعداداً للاعتراف بهم كأقلية دينية مستقلة في تركيا. كذلك، يبقى “غولن” بعيداً عن الأكراد ومختلفاً مع مطالبهم السياسية والثقافية لأسباب قومية، بينما لا يمانع “أردوغان” التعامل معهم تبعاً لانتمائهم الديني حصراً.

هذه الاختلافات الفكرية بين الفريقين الإسلامييّن الأقوى في تركيا، تصبح مثيرة عند مقارنتها بانتماء وآراء “غول”. إذ يبدو بمواقفه الأكثر اعتدالاً إسلامياً، وتعاطفاً مع العلويين وغير المكترث لنفوذ تركيا عند العرب، أقرب إلى “غولن” منه إلى “أردوغان”. وجميعها أسباباً كافية لعدم دخوله طرفاً في الدفاع عن الأخير.

سبب آخر قد يكون الدافع في تريث “غول” وابتعاده التدريجي عن “أردوغان”، ويعود إلى أن الأخير ينوي الترشح لرئاسة الجمهورية التركية في الصيف المقبل. وهو الأمر الذي يحق دستورياً للرئيس الحالي أيضاً.

فتبعاً للنظام الداخلي لحزب “العدالة والتنمية”، لم يعد يحق لرئيسه الترشح لولاية نيابية أخرى، في بلدٍ يكون فيه رئيس أي حكومة هو ذاته رئيس أكبر كتلة نيابية. كذلك فقد عبّر “أردوغان” علناً، ولأكثر من مرة، عن أن لا رجوع عن النظام الداخلي لحزبه. فبات الرجل الأقوى في تركيا أمام حلين لا ثالث لهما، فإما أن يخوض الانتخابات الرئاسية أو اعتزال العمل السياسي. ما يعني، أن احتمال منازلة الرئيسين الحاليين في الصيف المقبل على موقع رئاسة الجمهورية، قد بات شبه مؤكد.

قبل موعد هذه الانتخابات المنتظرة، والتي ستكون عبر الانتخاب المباشر لأول مرة في تاريخ تركيا، لرئيس الحكومة وحزبه موعد مع الانتخابات المحلية في الـ 30 من آذار المقبل. والتي تحمل طابع الأهمية في مستقبل تركيا، لأنها ستكون مقدمة لمعرفة نبض الشارع التركي تجاه استمرار حكم الحزب الحاكم، ومؤشراً مهم لمدى قبول “أردوغان” ليكمل حكمه مستقبلا في السدة الرئاسية الأولى. لذلك لا يبدو أن “غول” مستعداً لإنقاذ “حليفه” من ورطته قبل الانتخابات، فوصول “أردوغان” إلى انتخابات رئاسة الجمهورية منهكاً وفاقداً للكثير من شعبيته يصبّ في مصلحته.

تتجمع المؤشرات بأن مستقبل “أردوغان” السياسي بات في خطر، خاصة أن الصراع الحالي بين الحزب الحاكم وجماعة “غولن” سيكون وقعه جلياً في صناديق الاقتراع، بعد تسريب نيتها مقاطعة الانتخابات على الأقل، بعد أن كان أعضاءها يدعمون مرشحي الحزب في كل استحقاق انتخابي. كذلك، فإن تحالف حزب “الشعب الجمهوري” العلماني والمعارض الأساسي مع بعض الأحزاب الكردية والشبابية في المدن الكبرى، قد بات قيد التداول، ما يشكل خطراً على إمكانية نجاح الحزب الحاكم أو أقله يجعله يحقق فوزاً عادياً، قبل المنازلة بين “الحليفين” اللدودين في الصيف المقبل.

———————-

إقرأ أيضاً:

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

يمكن الإطلاع على صور عن الحرب اللبنانية هنا

مقالات عن تركيا 

Advertisements

2 thoughts on “صراع “أردوغان” و”غولن”.. و”الحليف” اللدود

  1. التنبيهات: الطَيب والداعيّة: صراع الإسلاميين في تركيا | نـقـد بـنـّـاء

  2. التنبيهات: الطَيب والداعيّة: صراع الإسلاميين في تركيا | tehr-an-kara

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s