صحافيو تركيا: إلى السجن دُر!


جو حمورة

مظاهرة فجائية وسط البلاد، فضيحة فساد مرتبطة بحزبٍ حاكم أو معلوماتٍ مسربة لخطة حكومية. كل هذه الأحداث بمثابة “حلم” للمحققين الصحافيين حول العالم. فأي فرصة أفضل للتقدم الوظيفي وإعلام الرأي العام، من هبوب عاصفة سياسية عارمة أو فضيحة فساد مدوية تجتاح البلاد.

هذا في العالم، أما في تركيا فالتحقيق الصحافي في هكذا مواضيع يبدد أحلام صحافييها، ويحولها إلى كوابيس وراء قضبان “العدالة”، أو أقله يجعلهم فريسة ضغوطات الأمن التركي ويخسرون لوظائفهم.

كمسيرة إستعراضٍ عسكري عثماني، تتقدم الحريات الصحافية في تركيا خطوة إلى الأمام، وخطوتين إلى الوراء. ولا يبدو أن الأمور تتجه إلى التحسن، فتركيا الدولة “النموذج” في القدرة العسكرية والقوة الاقتصادية إقليمياً، تتربع عالمياً، وللسنة الثانية على التوالي، على لائحة الدول الأكثر احتجازاً للصحافيين في سجونها.

مظاهرة في تركيا تحمل أسماء الصحافيين الاتراك المعتقلين دعماً لهم

مظاهرة في تركيا تحمل أسماء الصحافيين الاتراك المعتقلين دعماً لهم

مع بداية العام 2014، يمكن لرئيس الحكومة التركي رجب طيب أردوغان، “التفاخر” كالعادة بما حققه لتركيا خلال عقد من الزمن. فبعدما كان عدد الصحافيين المحتجزين في تركيا 49 العام الماضي، باتوا اليوم 40، أي ما يوازي 20 في المئة من كل الصحافيين الـ211 المعتقلين حول العالم. فتصدرت بذلك تركيا على كلٍ من إيران والصين في اعتقال العاملين في حقل الإعلام، حسب التقرير السنوي للجنة الدولية لحماية الصحافيين.

أما أسباب الاعتقال فتعود بمعظمهما لارتباطهم بقضية “أرغنكون”، وهي خطة الانقلاب السرية للجيش التركي على الحزب الحاكم. فحاكمت السلطة مدبريها المفترضين، وتباعاً بعض الصحافيين ذوي الميول العلمانية. فأضعفت بالتالي العسكر والصحافيين المناوئين للإسلام السياسي الحاكم في آنٍ واحد. كذلك، فإن قسماً آخر من الصحافيين، إعتقل بتهمة الترويج لحزب “العمال الكردستاني”، وهي تهمة جاهزة تنتظر أي منتقدٍ لتعامل تركيا مع أكرادها.

أما القسم الأخير منهم، والأقل عدداً، فلقي مصيره وراء القضبان “بتهمة” تعاطفه العام الماضي مع متظاهري ميدان ” تقسيم”. وتعود ضآلة العدد إلى حرج تركيا أمام العالم خلال هذه الأحداث. لذلك اعتمدت أسلوباً مغايراً لإسكات الصحافيين، يبدأ بالضغط على أصحاب المؤسسات الصحافية لينتهي بطرد الصحافي. وهذا ما تعرض له 72 منهم منذ ستة أشهر الى اليوم.

تتعدد الأسباب والنتيجة واحدة: حرية الصحافة التركية في خطر. وردّ الحكومة الوحيد حول القضية يتلخص بالتالي: “هؤلاء ليسوا صحافيين بل متواطئون مع الإرهاب، ولا يريدون خيراً لتركيا”.

أمام تبرير السلطة هذا، تضمحل حريات العمل الصحافي والحريات العامة الى حدودها الدنيا. ويتحول الصحافيون الأتراك اليوم الى أدواتٍ للإشتباك السياسي، على أثر الصراع الحالي بين أردوغان وجماعة الداعية الإسلامي “فتح الله غولن”، ذات النفوذ القوي في القطاع التربوي والإعلامي.

فكانت أولى ضحايا الإشتباك هذا، الصحافية في جريدة “صباح” الموالية، نازلي إيليجالك. إذ تم طردها من الصحيفة بسبب تأييدها للجماعة، فأنهت مسيرتها بتغريدها على التويتر: “بدلاً من التنازل عن قناعاتي، تنازلت عن وظيفتي”. وهذا ما دفع رئيس قسم الإعلام في جامعة إسطنبول، آصلي تونك، إلى إعتبار وسائل الإعلام التركية مخدوعة بالحرية التي تمتلكها، فاتصال واحد من مكتب أردوغان يلقي بأي موظف في الشارع.

ضحية أخرى ولن تكون الأخيرة: الصحافي في جريدة “طرف” اليسارية، محمد برانسو. وذلك بعدما سرب وثيقة تؤكد طلب الحزب الحاكم من الأمن محاربة مدارس جماعة “غولن” والتنصت عليهم من دون سندٍ قانوني. لم ينتهِ برانسو في الشارع كزملائه، بل في مكاتب التحقيق، ليواجه دعوى قضائية من الحزب. ومما يدعو للسخرية أن الحزب لم يبرر المعلومات المسربّة والممهورة بإمضاء رسمي.

وتنديداً بتصرفات السلطة التركية مع الصحافيين، تتعالى من حين إلى آخر أصوات الجمعيات المحلية والأوروبية، لكن من دون صدى. ولا يوفر رئيس إتحاد الصحافيين الأوروبيين، موغنز بلشر، جهداً في شكوى تركيا الى مؤسسات الاتحاد الاوروبي، حيث يعتبر “أن الأحكام على الصحافيين مخزية لجهاز تركيا القضائي، وتعبير عن سلطة الحكومة المطلقة، وعدم تقبلها لأي شكل من أشكال الإنتقاد”.

هذه المواقف لا تغير الكثير في مشهد حرية الصحافة التركية. فالصحافي “المُضطهد” لا يحتاج الى خطابات، بل الى من يحميه من نظام حديدي، يرى بقاءه فترة الأزمات مرتبطاً بقدرته على إسكات صحافيي بلاده النقديين.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

———————-

إقرأ أيضاً:

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

مقالات عن تركيا 

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s