بشير في قريةٍ وجبل


جو حمورة

مبتعداً عن آفة المدينة وضجيجها أتوجه شمالاً كل شهرين، علني أجد سكوناً ما في حضرة أغصان الصنوبر والزيتون..

رغم مكانها النائي، وبعدها المقبول عن ما حولها، أجد قريتي في كل زيارة لها مختلفة عن سابقاتها. تتغير القرية التقليدية اللبنانية بسرعة، في ناسها وأفكارها وأسلوب عيش أهلها: بعضهم هاجر، وبعضهم نزح. بعضهم قتله الطمع، وآخرون قتلهم الفقر أو الكفر أو غيبهم القدر.

ككل مرة، يرافق شعوري باكتشافي لعالمٍ جديد بإحساسٍ مزعج بالغربة، فلا شيء ثابت هنا سوى صورة مطبوعة لبشير الجميّل على حائطٍ مهجور.

غريب أمر سكان القرى، يا ترى ماذا طبع هذا الشاب في قلوبهم حتى يطبعوا وجهه على جدرانهم، مع إنهم لم يعرفوه؟ كيف يبقى صورة ثابتة في زوايا بيوتهم، وأغانيه تصدح دائماً على مسامعهم، وأقواله متداخلة في حواراتهم… وكل ما فيهم يتغير وعن حبه لا يتغيرون؟

استمر حبهم له، ربما لأنه مثّل كل ما فيهم.

لم يكن بشير سوى صورة فردية لحياة الألوف منهم. هم مثله، عاشوا ما عاشه، نزحوا من قراهم شباباً وصبية يوم دق الخطر على أبوابهم، مزجوا تقاليدهم بتقاليد المدينة وآفاتها. وحاربوا مثله التقليد والجمود بمساعدة قيم المدن المكتسبة، ثم ثاروا على فسادها وضجيجها وأغنياءها بقيم القرى المحفوظة، تمرد شباب ثائر، ردة فعل عفوية.

بشير الجميل في أحد أحياء بيروت عام 1975

بشير الجميل في أحد أحياء بيروت عام 1975

هم مثله، وككل ما فيهم، حازمون في الجواب والتصرف ويفتشون أبداً عن منقذهم. فسكان القرى لا يعرفون الماء الفاترة، فإما ثلج بارد أو شمس حارقة. هم قديسوا هذا الشرق وشياطينه، أو ربما كانوا، لكنهم لا يزالوا يحاربون أي خصم بشدة كمعارك أعمدة شجر الزيتون وحروبها الألفية مع الريح، أما تحالفاتهم فمرسومة بحنكة وبتواضع كأغصانها. هؤلاء لا يكترثون لكل ما يقال عنهم، فحلم المنقذ المطبوع في قلوبهم أقوى من أن تقتله الكلمات. وبشيرهم حلم الخلاص على بؤر الفساد وصوته صوت منقذهم مرعب الغرباء.

هم مثله، يعشقون امتشاق السلاح وأزيز رصاصه كما أصوات المدافع والمعاول. لم يكن بشير سوى فلاح شاب يرش جنوده بذوراً على الجبهات كما يرشون حبوب حصادهم السابق ليصبح بيادرهم الآتية. حصدوا خيرات الأرض وغلالها الوفيرة، أما هو فحصد بحيرات الدم، وأضحى منقذاً لهم ثم انحنى كسنبلة يوم الحصاد ومات بشجاعة.

هو كل ما هم عليه وما طبعه التاريخ في وجدانهم: ثورة فلاح على سلطة ما، رصاص بطولة على كل من يقف في وجههم، ردة فعل على قواعد جامدة، نقمة على سياسة جبانة، وشعور بخطر على التقاليد والطائفة ومكانتها. فالسياسة في هذا الشرق ليست سوى حروب على الوجود والنفوذ بين الطوائف، أو هدنات سلامٍ كاذب وتعايش خدّاع بينها. أما بشير ومن معه، فلم يكونوا إلا جنوداً للحفاظ على هذا الوجود الفاعل والحر. هزموا أحياناً وانتصروا أحياناً أخرى، في دورة صراعٍ لا ينتهي، لكنهم لم يعيشوا ذميين، ولن يعيشوا.. وانتصروا !

غداً نعود إلى قرانا، ليعود ويراود بعضنا ذاك الإحساس المزعج بالغربة، لكن شعوراً آخر بانتماء لمجتمعٍ أوسع لا يزال موجود بأعماقنا. فإننا وإن تركنا قرانا صوب المدينة والعالم، إلا أننا أبناء ذاك الجبل الذي لا يركع، وكل شيء قد يتغير في قرانا وجبالنا إلا صورة بشير، لتذكّرنا أننا وجدنا هنا.. لنبقى.

Advertisements

4 thoughts on “بشير في قريةٍ وجبل

  1. Yes; he was a great leader (I think he would have been the only politicians who would’ve understood libertarians & free market economists) – It’s sad that he dealt with Israel, and when he discovered their real intentions it was too late.

  2. Dear Joe, thank you for sharing us such an article in which you are trying to describe Bachir’s role during a specific era for a certain community. I just wanted to highlight on one of the comments above about the Israeli matter with the Lebanese Forces and the Lebanese Front in general. They were simply forced to go towards such a choice when all the west left them while the PLO with a Syrian cover were invading Christian regions due to the lack of weapons. President Chamoun said several times that we were ready to be the demon’s allies in order to save ourselves. Thank you again Joe.

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s