لبنان في عيون تركية


جو حمورة

ليس حدث إختطاف الطيارين التركيين في لبنان، حدثاً واحداً في تركيا. لكل صحيفة قراءتها المختلفة للقضية، وتحليلها الموسع الذي يتناول الخبر من موقعها كإعلام معارض أو موالٍ لسياسة السلطة الحاكمة في تركيا. هكذا جاءت حادثة إختطاف الطيار التركي مراد اكنيبار، ومساعده مراد اغجا، لدى خروجهما من مطار رفيق الحريري في بيروت، “فرصة” لإدانة سياسة “حزب العدالة والتنمية” الحاكم، أو للثناء على خياراته وطريقة معالجته للأزمة.

بشكل عام لا تصنف الصحف التركية، الموالية أو المعارضة، حزب الله أو الخاطفين بالـ”إرهابيين”، لكن الموالية منها تؤكد أن تركيا لا تتفاوض مع الخاطفين، “وهذا ما لم تفعله مع 158 مخطوفاً منذ العام 2002 إلى اليوم”. أما الأهم، فبروز موضوع الخطف كفرصة لانقضاض المعارضة على سياسة تركيا الخارجية، ومناسبة لتحريك الرأي العام، ولا تبدو، في هذه الحالة، الصحافة التركية مختلفة كثيراً عن نظيرتها اللبنانية، فعدا مصيبة المخطوفين من كلا البلدين، تجمعهما الآن مصيبة “الصحافة”.

turky-beirut

لجريدة “زمان” أولوية في الحصول على “سبق صحافي” من السفير التركي في لبنان. فعدا كونها أشهر الصحف التركية وأكثرها مبيعاً، فلسياستها الموالية للحكومة تقدير من السفير إينان أوزيلديز. وتفرد الصحيفة حيزاً كبيراً لتصريح السفير المُطمئن لأهالي المخطوفين، كما لرفض التهم التي تربط بلاده بملف مخطوفي أعزاز. من ناحية أخرى، تقول “زمان” المملوكة من الداعية الاسلامي فتح الله غولن، إن عملية الخطف هذه ليست الأولى بحق الأتراك في لبنان. كما ولا تنسى التأكيد على قرب الإفراج عن المخطوفين وسلامة مصالح بلادهم في لبنان. فبالنسبة إلى “زمان” السياسة الشرق-أوسطية لتركيا بألف خير.

على عكس زميلتها لا تبرز صحيفة “حرييت” أي طمأنة لحال المخطوفين أو المصالح التركية في لبنان. إنما “تستغل” فرصة الخطف للوم سياسة تركيا الخارجية وتحميلها كل ما يحصل للأتراك في العالم.هذا الموقف نابع من أن الصحيفة، ذات الميول الأتاتوركية، تعبّر عن موقف حزب “الشعب الجمهوري” المعارض، وترى، حسبما تنشره، أن الحدث يؤكد تصاعد العداء تجاه الأتراك وذلك نتيجة السياسة التركية الخارجية، التي يبدو أنها خرجت عن “سياسة الصفر مشاكل” المعلنة. كذلك لا تنسى “حرييت” خبر “تذلل” تركيا لإيران لدخولها بوساطة للإفراج عن المخطوفين الأتراك والإشادة بالدور الإيراني “الإيجابي” في لبنان وقضية المخطوفين. أما مواقف الحاجة حياة عوالي، في متابعة قضية المخطوفين، فلها قيمة في الصحيفة أكبر من عمل وزير الخارجية التركي أحمد داوود أوغلو، إذ تتابع الصحيفة تصريحات الحاجة حياة وتنقلها كما لو أنها مصدر يوازي المصادر الرسمية.

وكونها مملوكة من حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، لمضمون صحيفة “صباح” إشارات لمعرفة الموقف التركي الرسمي في أي موضوع. عمدت الصحيفة، عند مقاربة موضوع المخطوفين الأتراك، بالإكتفاء بنقل ما تبثه وكالة انباء الأناضول “شبه” الرسمية، ما يعني أن الموقف الرسمي التركي غير ناضج إلى الآن. من ناحية أخرى تركز “صباح” على جدية الحكومة التركية في معالجة مسألة المخطوفين، كما على جدية عمل سفير تركيا في لبنان وعلاقاته “المميزة” مع القوى السياسية فيه. أما تصريحات الرسميين اللبنانيين فلها الحيز الأكبر في الصحيفة ذات الميول الإسلامية، فمواقف الرئيسين نجيب ميقاتي ونبيه بري ووزير الخارجية عدنان منصور، بارزة بشكل كبير، وهم “حزينون لأن الخطف تزامن مع عيد الفطر”.

ولأنها “مشغولة” بمحاولة إعادة الأتراك إلى ساحة تقسيم، لم تتداول صحيفة “جمهورييت” اليسارية خبايا موضوع الخطف، ربما لصعوبة فهم الواقع اللبناني في عيون بعض الأتراك. هذا الواقع تفهمه الصحف الأخرى، التي تصف اللبنانيين بأنهم “منقسمون طائفياً في ما بينهم على خلفية الاحداث السورية”، وتعرّف عنهم من دون مواربة: حزبٌ الله “الشيعي”، رئيس الحكومة “السني”…

خلال الأسبوع الماضي، وتزامناً مع حادثة إختطاف الطيارين التركيين، لم تغب سيرة لبنان عن الصحف وسائر وسائل الإعلام في تركيا. بات هذا البلد في عيون الأتراك، بؤرة غير آمنة، يتحول فيها الزائر التركي إلى طريدة قد يسهل الإنقضاض عليها.

تشوهت صورة لبنان في تركيا، البلد الذي يجمعنا به أكثر بكثير من المصالح السياحية التي تسير غالباً في إتجاه واحد، من لبنان إلى تركيا وليس العكس. أما الخوف على صورة لبنان السياحية فلا ينبع من حادثة إختطاف الطياريين، إذ دُمّرت هذه الصورة من قبل، مع إختطاف اللبنانيين والسوريين والخليجيين.. في قصة باتت يومية.

نشرت هذه المقالة في جريدة المدن الالكترونية

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s