رسالة مفتوحة إلى مسيحيي سوريا


إلى الإخوة المُضطَهَدين في سوريا الحبيبة سلام…

أَرَدتُ في عنوان هذه الرسالة أن أُصَحِّح الخطاب المعهود إليكم، فكلّ من يتكلَّم عنكم يستخدم تعبير “المسيحيون في سوريا” وليس “مسيحيو سوريا”، وفي ذلك إنتقاص كبير من دوركم ومن رسالتكم في هذا الوطن المَشرِقيّ الكريم. فأنتم لستم بجالية أجنبية تسكن في بعض المناطق السورية، ولستُم بقطعة أثرية تجذب السيّاح لمعاينة بقايا المسيحية على تنوعها في بلاد الشام، والأهم أنّكم لستم بخزّانٍ بشري لدعمِ النظام على الثورة أو لدعمِ الثورة على النظام.

هذا ما هو في المبدأ، وهذا ما يُنتَظر منكم أن لا تكونوه، أمَّا إذا أردنا التَمَعُّن في السلوك المسيحي السوريّ، فهذا ما هو الحديث الأخر، وهذا ما هو كل ما قيلَ فيكم، وهذا ما يؤكِّد أنكم “المسيحون في سوريا” ولستم على الإطلاق “مسيحيو سوريا”، سامحوني على وقاحتي ولكن فظاعة اللحظة الحاضرة في وطنكم لا تحتمل اللطافة، ولا تحتمل مراعاة الخواطر.

وطالما تَكَلَّمنا عن مراعاة الخواطر، فهذا ما أنتم به تبرعون، وهذا ما برعتم فيه طوال تاريخكم الطويل، منذ أن فتحتم أبواب دمشق أمام الفتح العربي، إلى العصر الأموي ومعاهداتكم المسمومة مع خلفاء هذا العصر، وأخيراً على أمل الإنتهاء مع النظام البعثي في دياركم.

دير مارجرجس في حمص

دير مارجرجس في حمص

 إرتضيتم بالحكم الإسلامي ودخلتم في الذميّةِ أفواجاً، مُفَضِّلين العيش في العبودية على الموت في الحريّة، وإن حياة العبد هيَ الموت بذاته يتكرر يومياً على إمتداد التاريخ، وإن موت الحرّ هو الحياة المكللة بالشهادة الحقّة التي لا تساوِمُ على القناعات ولا على الحرّية. لقد كنتم الأدوات الطيّعة في بلاط الخلفاء، كنتم العملاء الذين كرهوا أن يتمتّع الموارنة بالحرية فشكيتموهم إلى سلاطينكم وأبوبكم العالية، كنتم التُجّار الذين قايضوا كنيسة يوحنّا المعمدان على القليل من الفضّة ومن الحرّية، وبفعلتكم هذه قضيتم على آخرِ شعلة نبوية كان المعمدان لا يزال يحملها لكم، فقطعتم رأس اخر الأنبياء وهديتموه إلى قصر هيرودوس على طبقٍ من الذلّ.

عِشتم في الذلّ والإضطهاد طوال تاريخٍ طويل، هذا ما أرتضيتم به وهذا ما أضحى قابعاً في عروقكم، وهذا ما أصبح الهواء الذي تستنشقوه يومياً، إلى أن لاحَت لكم نجمة البعث في الأفق فتبعتموها كما دخلتم في الذميّة، لقد إعتقدتم أن الحلف الأقلّوي سيَحميكم وسيضمن لكم الحقوق التي تُحسَدون عليها، لقد إعتقدتم أن العلوي والمسيحي يستطيعان أن يقبعا الملايين السنيّة تحت شعار العلمانية والتقدُّمية والمساواة… فبالله عليكم ماذا حصدتم؟ وأيّ مسيحية أنتم تعيشون ؟

ما هي هذه المسيحية التي ترتضي بالمجازر الوحشية في حماة وغيرها ضدّ الأخوان المسلمين لأنهم من أهل السنّة؟ ما هي هذه المسيحية التي ترتضي بأن لا تُبَشِّر وبأن لا تتمتع بحريّة الضمير وحريّة إيصال المسيح إلى كلّ قلب؟

أي مسيحية ترتضي أن يتوقف التاريخ في لحظة طمأنينة غادرة؟ وأي مسيحية هي التي تُكَرِّسُ رقاب الشعب لسيف السلطان؟ ما هي هذه المسيحية التي تتحالف مع الأقلية السنية في العراق بهدف الوجود وتتحالف مع الأقليّة العلوية في سوريا للهدف ذاته؟ ما هي هذه المسيحية التي تتناسى الحقّ، وتغُضّ النظر عن معاناة الشعوبِ بهدف وجودها؟

أي مسيحية تجعل من الإضطهاد قميصاً جديداً لعثمان، وتَقتُل لتفادي الإضطهاد في الوقت الذي لا يزال صوت يسوع يُدَويّ في أروقة التاريخ :”طوبى لكم إذا إضطهدوكم”

أي مسيحية ترتضي أن تصبح الذبيحة الإلهية مبخرةً مرفوعةً إلى جلالة الحاكم، وترتضي بأن تمُرّ عِظة الكاهن على مكاتب المخابرات قبل أن تُلقى من على منبر الكنيسة؟

ما هي هذه المسيحية التي تكره المُسلم السنّي؟ بل ما هي هذه المسيحية التي تعرف أن تكره؟ وما هي هذه المسيحيّة التي تكره الحريّة وتعشقُ الخوف؟

أيّ مسيحية هي التي تهرب من الكأس لتتجرّع الخيانة في ظلام الطمأنينة؟ ألا تعرفون أن تينة يهوذا لا تزال صلبة الأغصان، وأن حبل المشنقة لا يزال مُعَلَّقاً بإنتظار المجرم التالي؟

لقد تخيَّلتُم أن الدول تصنع الشعوب ونسيتم أن الشعوب تصنع الدول، لقد خُيَّلَ لكم أن المسيح بَشَّركم بالخوف والخيانة، لقد جعلتم من المسيح جباناً! لقد صنعتم منه مجرماً! إرفعوا أيديكم عن المسيح يا أيها الجبناء أو إقبلوا دعوته إلى البطولة والمحبّة.

 كفى تشويهاً لوجه رَبّي! كفى تخويفاً من يسوع المصلوب! أوقفوا الجرائم التي ترتكبونها بإسمه!

لقد أمضيتم القرون تزرعون الهواءَ سموماً، وقد حان وقت حصادكم لعواصف السموم. لقد عاكستم التاريخَ دوماً، فها ان التاريخ يصفعكم ويرميكم على هوامشه التي تشبه الجحيم. لقد أجَّلتُم ميعاد الكأسِ قروناً، ها هي آتية إليكم، فإما أن تقبلوها بالمحبّة والشجاعة التي أعطاكم المسيح، وإما أن تنسحبوا من تاريخ الخلاص نهائياً.

في النهاية يبقى لي أن أذكركم بأن الله لا يحبّ الفاتر المريض بل يتقيأهُ من فمه، يبقى عليكم أن تحترّوا، أن تشتعلوا بنار المحبّة المسيحية. هذا هو خياركم، هذه هي المسيحية، هذا هو حضوركم، ودون هذا الحضور لا يسعني القول إلا : على المسيحيّة السلام، وعلى شرقنا السلام، والسلام عليكم ورحمة البعث وبركاته.

———————-

إقرأ أيضاً:
عشر ملاحظات في الثورات العربية

ماذا يجري في تركيا: ميدان “تقسيم” طريق الى صندوق الإنتخابات المبكرة؟

Advertisements

10 thoughts on “رسالة مفتوحة إلى مسيحيي سوريا

    • يقول أن المسيحيين في سوريا كانوا ولا زالوا يعيشون كذميين وعليهم أن يتحرروا. حولوا المسيح بمواقفهم الى جبان بإسترضائهم لبقية الطوائف وخوفهم من كل تغيير وهم غير فاعلون بمجتمعهم…

    • مسيحيي لبنان لديهم واقع خاص وتاريخ نضالي قيادات سياسية مستقلة وهوية خاصة وسيطرة على بعض مقدرات الدولة وحقوق دستورية وليسوا أهل ذمة.. بينما مسيحيو سوريا فالواقع مختلف تماماً.

  1. اكيد اكوو فرق بين مسيحيي العراق وسوريا عن المسيحيين في لبنان
    لبنان اساسا موو دولة .. اي دولة اللي ابنائها ما يشعرون باي انتماء الا لطوائفهم واديانهم
    اي دولة اللي من تاسيسها لحد الان ما تولى الحكم انسان وطني واحد
    تاريخ طوووويل من العمالة والخنووغ للعثمانيين تارة ومن بعدهم للفرنسيين ومن ثم الامريكان
    اتكلم عن القيادات السياسية طبعا ..
    معاناة مسيحيي العراق وسوريا مؤقتة .. مرتبطة بمعاناة العراق وسوريا كبلدان عانت ما عانت ولا زالت ضحية للارهاب وللجماعات المتطرفة والتدخلات الخارجية

    • من غير الحكمة رد الشبهة عن مسيحية سوريا بالتهجم على لبنان. الفرق يا عزيزي أن مسيحيو لبنان يعيشون ذاتهم، بينهم مسيحيو سوريا يعيشون ذميين.

  2. يا حضرة ال A.H إن النهضة العربية في وجه العثمانيين قادها وأرسى قواعدها رجال موارنة، إن من أنقذ اللغة العربية من التتريك هم الموارنة وليس أحد غيرهم…إن البقعة الوحيدة التي بقيت مستعصية على العثمانيين هي جبل الموارنة، إن الهوية اللبنانية يا جاهل هي هوية مارونية وقد شاركها الموارنة مع أبناء حدودهم، أما بالنسبة للخضوع للفرنسيين والأمريكان فحين تستطيع أن تكنِّس زعماء العرب عن أبواب سفاراتهم حينها فقط تستطيع أن تتهم الموارنة بالعمالة يا جاهل، إذا كان الموارنة عملاء لأحد، فهم عملاء الحرّية الوحيدين في هذا الشرق

    • ya reit kinit bitwa7id bi jawebak lmassi7iyin ka orthodox w marouniyet w catholics w ghayroun bi ti3bir l massi7iyin bi libnein 7erabo mich lmarouniyet bass yimkin heik bikoun artab w afdal, merci ktir la illak bass kamein tekhadit l comments la matra7 abad min lpost bi ktir ya reit mnirja3 mna3ti 7a2o lal pst w mich kil ma 7adan stafazna min nott 3ala gheir matra7, li cheyif l massi7iyet bi libnein joubana w nesiyin ouwit massi7oun fiyoun hani2an la illo wla massi7iyit balado. bishkour lkil 3ala wa2toun w nchalla ma koun deya2it 7adan,
      .

  3. التنبيهات: قانون 5651 وبيت الطاعة الأردوغاني | نـقـد بـنـّـاء

  4. حقيقة إتّهامات هذه الرسالة المغلقة، فضيعة ومضيعة للوقت !
    يعني اللي يقول أنهم دخلو في الذّمية، هم نفسهم كانو تحت الحماية الفارسية أو الرومانية، وكان الرومان الوثنيون رغم إدعائهم غير ذلك يعتبرونهم عبيداً ويأخذون منهم التبرّعات والصدقات لبناء الإمبراطورية المستبدة وحتى أن التاريخ يروي خيانات الرومان لهم !

    ثم إن المسيحيون العرب يجدون أن العرب ولو في دين الإسلام أو الأوثان أو اليهودية أحسن إليهم من غيرهم (هاذا زمااااان طبعاً) لكن اليوم طبيعة العرب إندثرت كلياً ، يعني خلاص ماعادات المنطقة عربية بالأساس، كلهم هجناء وكلهم خليط غير متناسق وكثرة المذاهب في كل مكان حتى بين الملحدين والعلمانيين لهم مذاهبهم وحروبهم الدموية فالإنسانية في الإنسان المشرقي كلياً إنتهت !

    ولا فرق هنا بين العربي وغيره وبين المسيحي والمسلم وغيرهما، وخصوصاً بتكوين دولة الصهيون السرطانية التي تعبث في السلام العالمي كلّه!

    أنا أرى أن كل شخص يلّـم حالو! وبلاش رسالة إلى الأفاضل الكرماء الخائنون أو رسالة إلى عزيزي الخانع الذي يحن إليك قلبي ! بلاش حكي فاضي وتضييع الوقت وشكراً .

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s