ماذا يجري في تركيا: ميدان “تقسيم” طريق إلى صندوق الانتخابات المبكرة؟


جو حمورة

بعد تسوية المسألة الكردية، لم يكن “رجب طيب أردوغان” ليتوقع أن معارضة شعبية ستنطلق ضده تحت عناوين بيئية واجتماعية، بعد أن أقدمت  بلاده على وثبات جدية، سياسية اقتصادية واجتماعية، خلال فترات حكمه من العام 2002 إلى اليوم.

قبل أشهر، وضعت الحكومة التركية خطة من أجل بناء مجمع تجاري على النمط العثماني في منطقة “تقسيم” وسط اسطنبول. من أجل تنفيذ المشروع، كان لا بد من هدم منتزه بيئي يدعى “غازي”.

هذا القرار لم يرقَ لمجموعة من المناصرين للبيئة، الأناركيين، وبعض الفنانين الأتراك، فنظموا اعتصاماً في المنتزه مانعين هدمه. بعد أيام من بدء الاعتصام، انضم إليهم بعضاً من الكماليين الأتراك مدفوعين بحماسٍ للدفاع عن المنتزه ذات الرمزية للعلمانية التركية. هذه الرمزية متأتية من أن المنتزه كان مركزاً عسكرياً ضخماً للقوات العثمانية قبل أن يقوم “أتاتورك” بهدمه في إطار حملته لقطع حاضر تركيا العلماني عن تاريخها العثماني-الإسلامي الذي كان يصفه بالتخلف.

بعد دخول اعتصام “منتزه غازي” يومه الرابع، قامت الشرطة التركية بتنفيذ حملة لإخلائه تحضيراً لهدمه. اتسمت هذه الحملة بالعنف مقارنة عن ما كانت تمارسه الشرطة التركية في حالات مماثلة.

على أثر مشاهدة القمع من قبل الأتراك والعالم، بدأت المعارضة التركية تسعى للاستفادة من الأمر في محاولة لتقويض حكم “أردوغان”، لذا دعا حزب المعارضة الأساسي “الشعب الجمهوري – CHP” أنصاره والأتراك للمشاركة في المظاهرات التي احتلت لاحقاً ميدان “تقسيم”.

كمعظم تجارب الحركات البيئية، الأناركية والشعبية العفوية، تقع هذه الحركات، لحظة ممارستها لفعلها النضالي، بين سندان عنف وقمع أجهزة السلطة من جهة، ومطرقة انتهازية المعارضة الساعية لاستغلال حراكها بوجه الحكم من ناحية أخرى.

حزب المعارضة الأساس "الشعب الجمهوري - CHP" مشارك في إلإعتصام في ميدان تقسيم

حزب المعارضة الأساس “الشعب الجمهوري – CHP” مشارك في إلإعتصام في ميدان تقسيم

سقطت الحركة الاجتماعية-البيئية التركية باكراً ضحية المعارضة التركية التقليدية. فعدى عن مشاركة بعض القوى المدنية في المظاهرات في ميدان “تقسيم” في أول يومين من الحراك الشعبي، كان  لدخول أحزاب المعارضة أن أدى إلى إفراغها من مضمونها الأساسي، وحولها، بعد أن بات أنصار المعارضة التقليدية الجمهور الأكبر في الميدان، إلى صراع تقليدي بين معارضة التركية والحكومة.

إلى جانب حزب المعارضة الأساسي، شارك في اعتصام “منتزه غازي” ومظاهرات “ميدان تقسيم” والمسيرات في المدن التركية الأخرى كلٌ من:

– أنصار البيئة والحركات البيئية ومنظماتها.
– الأناركيين الأتراك.
– حركة LGBT أي من يملكون هوية جنسية مختلفة يطالبون باحترامها في تركيا. (أصحاب الأعلام  ذات الألوان الستة)
– المعارضون لقرار البرلمان التركي بتخفيف استهلاك الكحول والحد من ترويجه، الصادر منذ أقل من أسبوع.

– الحركات والأحزاب اليسارية والشيوعية الراديكالية، وهي بمعظمها محلولة قانونياً وممنوعة من العمل.

– مجموعة من الفنانين المستقلين من ذوي الميول العلمانية.

أما عن إمكانية تحول الاعتصام في ميدان “تقسيم” إلى ميدان تحرير القاهرة، فهذا أمرٌ مستبعد. فبعد استغلال المعارضة التركية سريعاً للحراك من دون أن يتعدى مطلبها الرسمي حد “مطالبة أردوغان بالاعتذار من ممارسات الشرطة”، سيتحول الحراك سريعاً إلى “بازار” سياسي وشدّ حبال أوضح بين المعارضين والموالين للحكومة التركية، ما ينتج عنه فشل سريع للمعارضين في تحقيق أي إنجاز، خاصة وأن “اردوغان” لديه من الإنجازات والأدوات ما يجعل أمر استقالته الآن أمر شبه مستحيل.

من ناحية الإنجازات، حقق “أردوغان” خلال عشرة أعوام ما لم يحققه أحد منذ تأسيس الجمهورية التركية الحديثة، أكان عبر النمو الاقتصادي التركي الضخم، أم على صعيد تحجيم الدور السياسي للجيش التركي، كما حل المسألة الكردية، وإعطاء تركيا دوراً كبيراً في محيطها الإقليمي ما خلق اعتزازاً تركياً لدور دولته المتعاظم.

أما أدوات “أردوغان” التي يرتكز عليها في حكمه، فهي الشركات الاقتصادية الضخمة الممثلة بتجمع MUSIAD (جمعية رجال الأعمال والصناعيين المستقلين التركية) والمسيطِرة على مجموعات وسائل الإنتاج المحليّة. كذلك يرتكز على جهاز الاستخبارات التركية MIT، الجهاز الأقوى بين الأجهزة الأمنية التركية، وجماعة “فتح الله كولن”، الداعية الإسلامي المعتدل الأشهر في تركيا الذي يدير أكثر من 1000 مدرسة في تركيا، آسيا الوسطى والعالم، كما عشرات الجامعات والمحطات الإعلامية والصحفية.

وما يساعد أردوغان على تحصين حكمه هو علاقة حكوماته الخارجية التي نسجتها، جاعلةً من نفسها، بسياستها الخارجية، حاجة للقوى الدولية كالإتحاد الأوروبي وأميركا. بالإضافة إلى شعبية حزب “العدالة والتنمية” الحاكم، هذه الشعبية التي استطاعت إيصال أعضاء الحزب إلى السلطات التركية الثلاث الأولى، لثلاث مرات.

من الإعتصام في ميدان تقسيم في اسطنبول

من الإعتصام في ميدان تقسيم في اسطنبول

أمام هذا الواقع، لن يكون لتجربة المتظاهرين، الذين باتوا الآن يناضلون ضد تعسف الحكومة، الكثير من الحظوظ في خرق المشهد التركي. فالحكم قوي ومدعوم خارجياً وشعبياً، ومحصن بدائرة من المؤسسات العامة والخاصة التي ربطت وجودها فيه. أما في المقلب الآخر، لا تبدو المعارضات في ميدان “تقسيم” متفقة حتى الآن على مطلبٍ واحد، أو حتى ذات خلفية فكريةٍ واحدة أو فيها حزبٌ أو قائدٌ طليعي واحد يوجّهها سياسياً.

هذا الواقع يجعل حركة المعارضة التركية أمام ثلاث احتمالات: أولها، فشل وضمور الحركة سريعاً. أما الثاني، فاعتذارٌ رسمي من “أردوغان” نتيجة عنف الشرطة وتراجع عن بناء المجمع التجاري. أما ثالثها، وفي أحسن الأحوال، وعد بانتخاباتٍ نيابيةٍ مبكرة، لتعود تركيا إلى ممارسة حياتها السياسية الديمقراطية في صناديق الانتخابات لا في ميادين الشغب.

——————————

إقرأ مقالات أخرى عن الشؤون التركية

عشر ملاحظات في الثورات العربية

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

 صور نادرة للشخصيات اللبنانية

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s