“أتراك الجبال” يعودون أكراداً؟


جو حمورة

منذ أن امتشق حزب “العمال الكردستاني” أسلحته، عام 1984، مقرراً قتال الدولة التركيّة إلى اليوم، كثير من الأمور تغيرت. اليوم، ما عادت قواعد الاشتباك بين الطرفين، التركي والكردي، هي ذاتها. الحزب تغير وتركيا كذلك.

بمبادئ اليسار اللينيني، كان الحزب يقود صراعه. فكرٌ كان رائجاً في ثمانينيات القرن الماضي، اليوم أصبح من مخلفات الحرب الباردة. تضعضعت المنطلقات الفكريّة لحزب “العمال الكردستاني”، بعد أن بدأت النزعة الإسلاميّة تنتشر في صفوفه وإن بشكل متواضع.

ما عاد وضع أكراد الشرق الأوسط، في العراق وسوريا، كما كان. انتهى أكراد العراق من قمع النظام السابق، وأنشؤوا حكماً ذاتياً لهم في شمال العراق. أما اليوم فيقودون، وبشكلٍ متصاعد، سياسات جريئة تنم عن تحدي حكومة بغداد المركزيّة في أكثر من موضوع ومناسبة.

لأكراد سوريا قصة مماثلة. هؤلاء ما عادوا يتلقون أعقاب البنادق من النظام السوري لوحدهم إن عبّروا عن انتماء إثني غير الانتماء العربي، إنما باتوا يتشاركون مع بقية صدور السوريين الرصاص ذاته.

أما الحرب السوريّة فأدت إلى سيطرة المنظمات الموالية لحزب “العمال الكردستاني” على عدة مدن وأرياف سورية يقطنها أكراد. تم ذلك بعد أن نقلوا سلاحهم من كتف مؤازرة النظام إلى كتف مؤازرة “الثورة”، وإن بشكلٍ محدود. ما عاد أكراد سوريا أداة في يد النظام السوري بوجه تركيا كما كانوا قبل الحرب، ولا يبدون مستعدين للمزيد من المراهنة على حصانٍ خاسر.

كما تغير حال الأكراد، تغيرت تركيا نفسها. إذ لم يعد حكامها متشددين في معتقداتهم القوميّة ورافضين لأي اعتراف بإثنيّة أخرى غير التركيّة. يحكم تركيا اليوم، حزبٌ يزاوج بين انتماءه الوطني وانتماءه الإسلامي المعتدل.

على مدى عقود، كانت السلطات التركيّة ترى أن الأكراد هم أتراكاً في الإثنيّة، سكنوا الجبال ونسوا هويتهم الحقيقية، فأخذت على عاتقها إعادة تتريكهم. أما اليوم فترى السلطة الرسميّة التركيّة الأكراد ذات هوية وقوميّة مختلفة عن القوميّة التركيّة. ما عاد الأكراد “أتراك الجبال” في عهد “أردوغان”، بل عادوا أكراداً.

إنسحاب مقاتلي حزب العمال الكردستاني من تركيا الى العراق

إنسحاب مقاتلي حزب العمال الكردستاني من تركيا الى العراق

كل هذه التغيرات وغيرها، منذ العام 1984 إلى اليوم، أدت إلى تغيير أهداف حزب “العمال الكردستاني” وتركيا. الأول بات عقلاني في مطالبه، ما عاد يطالب بوهم دولة كردستان الكبرى بل اكتفى بحلم الحكم الذاتي والاعتراف الإثني. أما تركيا، فتريد تحويل الأكراد من مشكلة أمنيّة وديمغرافيّة دائمة لها، إلى قوة إستراتيجيّة خارجيّة، عبر استغلال تواجدهم الجغرافي في دول الجوار تبعاً لسياساتها القائمة على ربط الشعوب والدول بها اقتصادياً وثقافياً وحتى دينياً.

عدا عن الأهداف المستجدة لهما، للطرفين خوف متبادل من استمرار نزاعهما بشكلٍ يضرهما سوياً. فلا تركيا تريد أن يتأثر اقتصادها سلباً بسبب تجدد الصراع مع الأكراد، ولا الأكراد يريدون استمرار الصراع مع دولة لن يسلموا من ردها وهي تعيش نشوة القوة أكثر من أي يومٍ مضى.

توازن الأهداف والخوف بين الطرفين، جعل التسوية بينهما أمراً طبيعياً. فعدا عن 40 ألف ضحية، لم تؤدِ حروب الاستنزاف بينهما، منذ عام 1984 إلى اليوم، إلى أي نتيجة تذكر.

رست التسوية شبه النهائيّة بين الحكومة التركيّة وحزب “العمال الكردستاني” على أربعة مراحل: أولها، وقف لإطلاق النار من قبل الحزب. ثانيها، انسحاب للمقاتلين الأكراد من تركيا، مع أسلحتهم، نحو العراق.

أما ثالثها، فقيام تركيا بتغير دستورها عبر إعطاء الأكراد حقوقاً متساوية للأتراك، من ناحية شروط المواطنة والحقوق الثقافيّة واللغويّة. كذلك تضمين الدستور توسيع صلاحيّات الهيئات المحليّة في أماكن تواجد الأكراد شرق تركيا، كما تعديل قانون الإرهاب التركي ما يسمح بإخلاء سبيل آلاف الأكراد من السجون التركيّة.

رابع المراحل تتكلم عن إلقاء المقاتلين الأكراد في العراق لأسلحتهم، مقابل إمكانيّة الإفراج عن زعيم حزب “العمال الكردستاني” المسجون في تركيا، وهذه المرحلة لم يتم تسريب تفاصيلها بشكلٍ كامل بعد.

أعلن حزب “العمال الكردستاني” وقفاً لإطلاق النار في الشهر المنصرم، منهياً المرحلة الأولى من اتفاق السلام. تبع وقف إطلاق النار، إعلان الحزب بدء سحب مقاتليه من الأراضي التركيّة، تنفيذاً للمرحلة الثانية من الاتفاق. وبالفعل بدأ الانسحاب ووصلت أول دفعةٍ من مقاتلي الحزب، في 14 أيار، إلى جبال قنديل شمال العراق. هؤلاء لن يمكثوا طويلاً في معقل الحزب، فكثير من التقارير تتكلم عن إمكانيّة انتقال بعضهم إلى سوريا لمؤازرة إخوانهم هناك.

حوالي 2000 مقاتل سيغادرون تركيا خلال الفترة القادمة، عمليّة ستستمر ثلاثة أشهر على الأقل حسب رئيس حزب “السلام والديمقراطيّة” الكردي “صلاح الدين دميرتاش”. فانسحاب هذا العدد مِن مَن لا يملكون سوى أقدامهم للتنقل، وإن رافقهم تسهيل تركي وغض طرف عن تحركاتهم، يتطلب وقتاً.

قبيل اختتام الأكراد لانسحابهم العسكري من تركيا، على الأخيرة تنفذ حصتها من الاتفاق. لن يكون تعديل الدستور التركي بالأمر السهل، فحزب “أردوغان”، يفتقد للعدد الكافي من النواب في البرلمان لتعديل الدستور. هذا الواقع يلزمه طرح تعديلاته على الاستفتاء الشعبي، فتصبح الكرة في ملعب الجمهور التركي ليكون الحكم في مسار التسويّة التركيّة-الكرديّة، لنرى إن كان الشعب التركي بات يرى، كحكومته، “أتراك الجبال” أكراداً.

—————————————

يمكن الإطلاع على المقالة بصيغتها الأصلية هنا

إقرأ مقالات أخرى عن الشؤون التركية

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s