النخب السياسية: تحالفها وتصادمها


جو حمورة

من أجل فهم العمليّات السياسيّة وإتجاهاتها، وشكل الأنظمة السياسية بذاتها، لا بد من فهم تكوينات المجموعات الاجتماعيّة التي تسيّر الأنظمة سواءً كانت طبقة أو نخبة… هذه المجموعات، التي تتشكل في النهاية من فئات محددة، تمارس الحكم والتأثير في السلطة مقابل مجموعاتٍ كبرى من غير المتمتعين بالقدرة أو المعرفة لممارسة السلطة في النظام السياسي.

لمفهوم النخبة أهميّة علميّة كبرى في مجال العلوم السياسيّة، وتبرز أهميته في عملية محاولة فهم واقع تركيب السلطة. منذ البدء إستمد أصحاب نظريّة النخبة قوتها “ومصداقيتها”، من إعتمادهم على تحليل واقع تركيبة وبنية السلطة، وكيفية تأليفها وليس على دراسة كيف يجب أن يكون، في رغبةٍ منهم للإجابة على التحليل الماركسيّ المرتكز على نظريّة الطبقة وحتميّة تغيير شكل السلطة ومالكي وسائل الإنتاج.

اما مضمونها، “فيركز على حقيقة إنتظام كل المجتمعات حول قيم وإمكانات معينة (الثروة، القوة، المكانة…)، تختلف من مجتمع الى آخر، ومن فرد الى آخر، ما يخلق عملية تصنيف تراتبي عامودي في كل مجتمع. هذا التصنيف يخلق في كل النظم السياسيّة شريحتان مختلفتان: المحكومين، والحكام. هذه الأخيرة هي النخبة، والأكثر أهمية في النظام السياسي لأنها تملك القوة السياسيّة” [1]، أكان من ناحية القدرة أم في درجة التأثير.

يعتبر “أرون” أن هناك مجموعة من النخب في كل مجتمع وليس فقط نخبة واحدة، “فيرى أن وجود نخبة واحدة موحّدة يعني نهاية الحرية، ووجود نخب متعددة متنوعة مشتتة يعني نهاية الدولة” [2]، معاكساً كارل ماركس الذي يعتبر “أن في السلطة، كل سلطة، يوجد نخبة حاكمة واحدة هي مالكي وسائل الإنتاج، والتي وإن قدمت نفسها للمحكومين على أنها مختلفة في ما بينها ومقسمة الى جماعات إلا أنها في الحقيقة واحدة.” [3]

elite

من ناحية أخرى، لا شك أنه في المجتمعات الحالية تتمركز السلطة في يد مجموعة مؤثرة تكون الأقلية عدداً، تقوم بالتحكم بالأغلبية العظمى من الشعب. إذ يمكن إعتبار النخبة والأكثرية  طرفيّ نقيض من الناحية المعرفية والقدرة، “فالنخبة ترى أن القوة في المجتمع مركّزة في جماعة واحدة لديها مستوى معرفي أكبر من عامة الشعب، بينما ترى الأكثرية القوة منتشرة ومشتتة بين أفرادها وسط إنسياقها وراء فكرة الإيمان بالمعرفة التي تتمتع بها النخبة. هذا التوزيع غير المتساوي، يَعدم فرص الأفراد في المجتمع من إمكانية التأثير على النظام السياسي، لأن قوتهم إن وجدت، حسب الأنظمة، فهي مشتتة.” [4]

أما النخب بذاتها فتقسم الى عدة أنواع: النخب الدينية، النخب العسكرية، النخب الإعلامية والإقتصادية، النخب المالية، والعائلية… وهي تختلف بقوتها، وقدرة تأثيرها، ومكانتها الإجتماعية حسب الأنظمة السياسية وأشكالها ومدى تطورها، في علاقة جدلية بين النخب وشكل الانظمة. أما عامة الناس، فتجد صعوبة في الوصول الى السلطة تبعاً لإحتكارها من نخبٍ معينة، تكون الباب الشبه الوحيد لدخول عالم السلطة والتأثير، وسط زحمة الطامحين وضئالة عدد الذين سيتمكنوا من الوصول. فما هي إذاً، أشكال النخب الحاكمة في الدول تبعاً لتنوع الأنظمة السياسيّة؟ وكيف تخلق النخب السلطة على مِثالها طمعاً بإستمرارها فيها، وتلد الأنظمة السياسية نخباً أخرى؟ وكيف يصل “النخبويّ” الى السلطة وتُسد أبواب الوصول في وجه أكثرية عامة الشعب؟

1-      العلاقة الجدلية بين النظام السياسي والنخبة الحاكمة

ترتبط النخب الحاكمة بعلاقة جدليّة مع شكل الأنظمة السياسيّة. فكل نخبةٍ وصلت الى السلطة، ولديها القدرة على فرض سياساتها، ميلٌ الى صبغ النظام السياسي “بهويتها” ذلك لكي تستمر هي في السلطة. فنخبة رجال الأعمال الليبراليين إن حكمت مثلاً، ستعمد الى جعل الدولة – النظام السياسي أكثر ليبراليةً، ذلك تحقيقاً لرؤية النخبة الفكرية ومصالحها، لتتمكن من إعادة إنتاج نفسها في السلطة بطريقة أسهل.

أما الأنظمة السياسيّة وحكّامهم، فبمجرد تطبيقهم لسياسات محددة يمكنهم التأثير على تقوية أو إضعاف نخبة معينة. فيوم وصلت النخب العسكريّة الى الحكم في البلاد العربية في أواسط القرن الماضي، عمدت الى “إستغلال” السلطة كأداة لمحاربة النخب المنافِسة الأخرى (النخب الإسلامية، واليسارالراديكالي…) وخلق مجموعة قيم وآراء وشبكة مصالح، إنتهت الى جعل إدارة الدولة وشكل النظام السياسي بيروقراطياً – عسكرياً – سلطوياً على مِثال النخبة العسكرية ومؤسساتها الأصليّة.

2-      انواع النخب والأنظمة السياسية

تنوع الأنظمة السياسية ناتج عن تنوع النخب الحاكمة والمؤثرة فيها، فلكل نظامٍ سياسي نخبته تقوى وتضعف تبعاً لقدرتها على كبح جماح النخب الأخرى، عبر محاربتها حيناً وتحالفها معها أحياناً أخرى.

النخب العسكرية:

يقوى هذا النوع من النخب في البلاد الدائمة الصراعات مع جيرانها أو فيما بين شعوبها، وتأتي الى السلطة غالباً بعد إنقلابٍ عسكري لإنقاذ الدولة حسب قولها، أو تبعاً لتطور تاريخي طبيعي جعل من عامة الناس يثقون بأبطال الحرب [5] على أنهم خير حاميين لهم من مخاطر الخارج.

الدولة التركية الحديثة، الناشئة عام 1923، كانت ذات نظامٍ عسكري بإمتياز، وهي التي إختارت عسكرياً هو مصطفى كمال، قائد حرب التحرير الوطنية (1920-1923)، ليحكمها للعام 1938، “تبعه عسكري آخر هو رفيق دربه “عصمت إينونو” الى العام 1950، حين تحول النظام السياسي التركي الى نظامٍ تعددي مدني الشكل كان ينتهي الى إنقلاب عسكري [6] من النخبة العسكرية الحاكمة حين ترى أن “المبادئ الأتاتوركية” تتعرض للمسّ. كان من نتيجة أداء الدولة الأتاتوركية السلطوية (1922-1950)، أن نشأت نخبة عسكرية لديها كيانها الخاص، مراقِبة للسلطة المدنية وتتدخل مباشرةً يوم تراها انحرفت عن مبادئ “الأمة” ” [7]. فكانت السلطة الفعلية في يد هذه النخبة الى العام 2004  [8] وكان الدخول الى جنّة السلطة يمر عبرها، الى أن أتت نخبة أخرى إسلامية الهوى (حزب العدالة والتنمية، سليل حزب الرفاه الإسلامي بقيادة نجم الدين أربكان) أزاحتها عن المشهد الداخلي العام، وحصرت إمكانية الدخول الى الحكم بالنخبة الإسلامية الجديدة الناشئة.

النخب العائلية:

لهذا النوع من النخب وجود كبير في الدول التي تكونت على أساس قبلي، وأنشأت أنظمة ملكيّة تشبهها من حيث التركيبة السلطوية (زعيم القبيلة أو العائلة هو الحاكم المطلق كالملك تماماً) أو من حيث الوراثة في السلطة (الإبن الأكبر سناً يخلف والده) وإن من حيث الطاعة القسرية والأبويّة للحاكم.

دول الخليج العربي مثلاً، كالسعودية، والبحرين وقطر والكويت والإمارات… هي محكومة من نخب عائلية. هذه العائلات تمكنت إما بسبب تحالفاتها مع الخارج، وإما بسبب حروبها في مطلع القرن الماضي (كالحالة السعودية…)، وإما بسبب إمكاناتها المعرفية والمادية، من السيطرة على بقعة من الأرض تحولت الى دولةٍ ملكيّة لاحقاً. ففي هذه الأنظمة الملكيّة، للملك الكلمة الفصل والسلطة الأبويّة على الشعب – الرعية، وخصوصية توزيع المناصب في الدولة ومؤسساتها على أفراد العائلة الحاكمة ونخبة من المنتفعين، في حين لا إمكانية لولوج السلطة في هذه الأنظمة إلا من خلال العائلة ذاتها أو عبر نسج شبكة من العلاقات النفعيّة الخاضعة لها.

النخب الدينية:

تقوى قوة النخب الدينية بقدر ما يقوى إيمان الأفراد الديني وتديّنهم، كما بقدر ما يفرض النظام السياسي التوجيه الديني العام بمنحى معين فيكبر دور نخبة رجال الدين في المجتمع والسلطة. ففي الأنظمة ذات الصبغة الدينية الواضحة، لرجال الدين تأثير كبير يجعلهم مالكي السلطة الزمنية كما الروحية.

في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي قامت على أثر ثورة إسلامية قادها رجل دين، حكمت النخبة الدينية منذ إنتصارها من العام 1979 الى يومنا هذا بالتعاون مع مدنيين ملحقين بها. وكانت كل أشكال السلطة ومؤسساتها (مجلس تشخيص مصلحة النظام، مجلس الشورى…) مستمدة من التأثير الفكري لنظرية قائد الثورة “الإمام الخميني” في كتابه  [9]. كذلك فقد كان حكّام إيران في هذه المؤسسات من سليلي عائلات لها رمزيتها الدينية في النسب أو مجرد رجال دين. أما إن وُجدت في الجمهورية الإسلامية الإيرانية عدة أشكالٍ من النخب السياسية (حزبين، أو معارضين تقليديين) إلا أنهم كانوا ملحقين بشخص القائد الروحي الأعلى الممثل بمرشد الجمهورية، فيما تمايزهم الفكري المحدود يبقى ضمن حدود مبادئ التوجهات العامة للنخبة الدينية الحاكمة. من ناحيةٍ أخرى يبقى في هذه الأنظمة، المحكومة من النخب الدينية، إمكانية بلوغ السلطة من أحد من خارجها أو غير موافق عليه منها أمر شبه مستحيل.

النخب المالية والإقتصادية والإعلامية:

لهذه النخب دورٌ كبير في الأنظمة السياسية الليبرالية والنيوليبرالية المعاصرة، بما لدور الحريات العامة المفترضة من مكانةٍ فيها، كما لأهمية دور التأثير بالرأي العام عامةً المنتج للسلطة والنخب الحاكمة. غالباً ما تتماهى هذه النخب الثلاث مع بعضها البعض، خاصة حين تكون النخبة الإقتصادية المؤثرة مهتمة بعالم السياسة، فتنشئ محطات إعلامية على أنواعها لتأليب الرأي العام لصالحها عبر نخبة إعلامية تهدف لخدمتها.

في الولايات المتحدة الأميركية للنخب الإقتصادية تأثير كبير كونهم يمتلكون القدرة المالية للتأثير بالإقتصاد وتوجهاته العامة، كما بإمتلاكهم لمؤسسات إعلامية ضخمة تكون مروجٍ بطريقةٍ أو أخرى لأفكارهم وتعمل لخدمة مصالحهم في أغلب الأحيان. في حين تبقى بعض المناصب القيادية المؤثرة في الدولة موكلة لرجال الأعمال والإعلام، بما لخبرتهم وكفاءتهم وصيتهم الذائع من مُسهِل لتوليهم مراكز في السلطة. أما إمكانية دخول السلطة الرئاسية مثلاً من قبل العامة فمحدود، بسبب تركيبة النظام الإنتخابي الأميركي نفسه، ما يمنع بشكل شبه فعلي وجود أي مرشح ثالث لموقع الرئاسة، فيما المرشحان الأساسيان يكونان من النخبة نفسها وإن إختلفا في إنتماءاتهم الحزبية.

3-      تحالف النخب وتصادمها

تتعدد النخب وأنواعها ومصالحها وطموحاتها السياسية، إلا أنها محكومة بشكل نمطيّ في العلاقة مع بعضها البعض، فهي إما متحالفة (النخب الدينية والعسكرية في إسرائيل)، وإما متصادمة (النخب الإسلامية والنخب العلمانية في دول ما بعد “الربيع العربي”)، أو هي تتراوح بين التحالف والتصادم تبعاً للموضوع والمصالح المتغيّرة، هذه التقلبات سنعالجها في مثلين عن لبنان، بعد عرض النخب الحاكمة فيه.

يبرز لبنان كحالة يمكن دراسة تعدد النخب الحاكمة فيه، ففيه النخب الدينية والعسكرية والسياسية والعائلية التقليدية والطائفية… وهي نخبٌ حُكم مسار صراعها وتحالفها مع بعضها البعض بتقلبات عديدة تبعاً لشكل النظام السياسي التوافقي فيه:

  • للنخبة الدينية في لبنان مكانة “مرموقة” في السياسة اللبنانية، فرؤساء الطوائف الدينيين غالباً ما يكونون لاعبين سياسيين كالساسة اللبنانيين: يُقيمون المبادرات السياسية، ويشنون الهجمات الكلامية بإتجاه “الأخصام”، ويفاوضون غالباً بإسم طوائفهم… هذه القوة نابعة من عدة عوامل أساسية: الخوف، المصطنع أو الحقيقي، من الطوائف الآخرى ما يجعل أبناء كل طائفة يسلّمون أمورهم السياسية كما الدينية لرأس السلطة فيها دون مساءلة أو محاسبة، على إعتبار أن رأس السلطة الدينية تحوم حوله هالة من القدسية لا يزال بعضها ظاهر في وجدان المؤمنين، كما أنظمة الطوائف الداخلية التي لا تسمح بالمحاسبة. بالإضافة الى المكانة الدستورية  [10] والقوة الإجتماعيّة والإقتصاديّة الكبرى التي تتمتع بها النخبة الدينية في المؤسسات البنيويّة في لبنان (المستشفيات، المدارس، الجامعات…).

  • للنخب العسكرية قوة في واقع السياسة اللبنانية، فهذه النخب لعبت دوراً كبيراُ في تاريخه، منذ تسلم الرئيس فؤاد شهاب رئاسة الجمهورية بين 1958-1964 وإرسائه نفوذاً واسعاً لأجهزة الدولة العسكرية من بعده. الى أن تعسكر المجتمع اللبناني خلال الحرب الأهلية وخلقت أحداثها تصاعد لنفوذ أصحاب الخبرة والمكانة العسكرية أو الميليشياوية على حساب النخب التقليدية، ثم تبعها وصول رئيسين للجمهورية اللبنانية بعد نهاية الحرب من النخبة العسكرية.

أما النخب العائلية فلها المكانة الأكبر، فبعض الأحزاب والتيارات السياسية لا تزال مقادة من قبل نفس العائلة منذ إنشاءها حتى اليوم مستفيدةً من شبكة العلاقات التي صنعتها العائلة. ويتصدر بعض الزعامات الإقطاعيين المشهد السياسي والنيابي في لبنان، لتحكّمهم بالتأييد الشعبي الموروث عن الأب والعائلة في دوائرهم الإنتخابية.

هذه النخب الثلاث، وغيرها، تتحالف فيما بينها وتتصادم تبعاً لمصالحها، وزوداً عن استمرار دورها في المعادلة السياسيّة اللبنانية ودرجة التأثير، ونبرز مثلين على ذلك:

  • خلال الحرب اللبنانية توسع نفوذ النخبة العسكرية – الميليشياوية على حساب النخب الدينية والعائلية، فبرز لدى كل طائفة زعامات عسكرية غير تقليدية راحت تضعف النخب الآخرى (ظهر لدى الموارنة نخب سياسية عسكرية جديدة كإفرازٍ من واقع الحرب، في حين حافظت بعض النخب العائلية على مكانتها وغيرها ضعِف جداً. أما عند الطائفة الشيعية فغلبت النخب العسكرية والدينية الجديدة على النخبة العائلية التقليدية قبل أن تتحول الى العمل السياسي التقليدي. عند الدروز جرى تزاوج بين النخبة العائلية التي انخرطت في العمل العسكري، فأنتجت نخبة عائلية متعسكرة حافظت على مكانتها في الطائفة…)

  • أما تحالف النخب، فيُبرز مشروع إقرار قانون يسمح بالزواج المدني الإختياري في لبنان خير مثالٍ ودليل، “وهو المشروع الذي طرحه رئيس الجمهورية اللبنانية الياس الهراوي على مجلس الوزراء عامي 1998-1999، فتصاعدت أصوات المعترضين على القانون” [11]، فجرى توافق بين النخب الدينية وبعض النخب السياسية والإعلامية المحافِظة وأجهضوا المشروع.

4-      النخبة باب الوصول الى السلطة

في معظم المجتمعات إذاً مجموعتان: الأولى، مجموعة صغيرة وهي النخبة، تمتلك مصادر القوة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، وتحدد القيّم وفق معايير خاصة تجعلها جديرة بقيادة المجتمع من خلال امكانتيها في تسخير العامة من الشعب لخدمة مصالحها. أما الثانية، فمجموعة كبيرة، تمثل عامة الشعب أو الأغلبية، هي الطبقة المحكومة من قبل النخبة والمحرومة من الأمساك بمصادر القوة السياسية.

هذه النخب التي أبرزنا أنها متنوعة، تسعى لإبقاء السلطة في يدها عبر إنتهازها الفرصة لإستخدامها كأداة للسعي لإعادة إنتاج نفسها، أو قد تفشل فتبرز نخبةٍ أخرى تقتنص السلطة منها. “فالسلطة إذاً تتداولها نخب معينة دورياً، في ظل عدم إمكانيّة الأكثرية من المواطنين من الدخول اليها من خارج باب النخبة.” [12]

كل النخب تحاول إحتكار دخول السلطة من خلالها، فيصبح أمل الفرد بدخول السلطة مرتبط بدخوله الى النخبة ذاتها، هذا الدخول الذي قد لا يكون متيسراً للجميع، كون النخبة التي تتميز بقيمٍ وآراءٍ معينة لن تسمح بدخول من يختلف معها إليها بسهولة، كما لن تسمح بزيادة عدد النخبة، لأن زيادة عديد النخبة – الحاكمين، سيخلق تنافس داخلها وتقاسم السلطة والتأثير بين أفرادها.

إن كانت النخبة تحتل المناصب الهامة في الحكومة، أو تملك القوة السياسية لتسيرها، فأنها تعمد أحياناً بالمناصب الثانوية الى أفراد من عامة الشعب (حملة الشهادات ومتخصصين، ناشطين إجتماعيين، النقابيين أو أعضاء مرموقين في الجمعيات…) تختارهم وفق مواصفات خاصة، إما بهدف أغرائهم أو استيعابهم وامتصاص حالة غضبهم أو لإضفاء مزيدا من الشرعيّة على النخبة ذاتها في عين الشعب. فقابلية النخبة للإستجابة المؤقتة لمتطلبات المرحلة بسبب بعض الضغوط من قبل الشعب، قد يدفعها لأخذ اجراءات مؤقتة، كتطعيم السلطة بأناس من خارجها، ووضع حلول تناسب الأوضاع الراهنة كي لا تفسح المجال لأستمرار النزاعات، أو النقمة، ما يؤدي بالنتيجة الى اضعاف جماعة النخبة وسلطتها.

يبقى العائق الأساس أمام عامة الشعب لدخول السلطة أو النخبة، إفتقار أفرادها للمعرفة السياسية الحقيقية بواقع تركيبة السلطة ومفاتيحها، كما بنقص مدّ شبكات العلاقات الشخصيّة والمصلحيّة مع القوى النخبويّة، بالإضافة الى المزاحمة الكبيرة بين الأفراد وإمكانية إلغاء بعضهم لحظوظ وقوة البعض الآخر.

في النهاية، ما يعيب نظرية النخبة وواقع التركيبة السلطوية المرتكزة على النخب لا الأكثرية، أنها تلغي رأي الأغلبية من الشعب ولا تراها مؤهلة لإدارة شؤونها، بل تعطي للنخبة الحق في أدارة شؤون البلاد وفق رؤيتها وقيّمها.

————————————————

1-      Albertoni, Ettore, “Mosca and the Theory of Elitism”, Oxford: Basil Blackwell, 1987.

2-      Raymond Aron, “Les étapes de la pensée sociologique”, Edition Gallimard, Paris, 1967.

3-      Jean-Louis Bergez, “Elites ou élite?”, CAPES de SES, 2005-2006.

4-      Paolo Zannoni, “The concept of Elite”, European Journal of Political Research, vol. 6 1978.

5-      يمكن أخذ النخب العسكرية في دولتي الجزائر وإسرائيل مثالاً.

6-      ثلاثة إنقلابات عسكرية دموية أعوام: 1960, 1971, 1980. وإنقلابٌ ما بعد حداثي عام 1997.

7-      Hamit Bozarislan, “Histoire de la Turquie contemporaine”, la découverte, 2004.

8-      تاريخ تحجيم صلاحيات “مجلس الأمن القومي التركي”، الذي كان مؤلفاً بأغلبه من القادة العسكريين وكانت نصائحه بمثابة أوامر تنفيذية للحكومة.

9-      كتاب الإمام الخميني الذي وضعه عام 1969 والمدعو: “الحكومة الإسلامية “، الذي يُعتبر اللبنة النظرية الأساسية في بناء النظام السياسي ومؤسساته في الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

10-      يسمح الدستور اللبناني في المادة 19 منه بقيام رؤساء الطوائف المعترف بها بتقديم الشكاوى للمجلس الدستوري لإلغاء القوانين  في مواضيع محددة.

11-      نادر عبد العزيز شافي، الزواج المدني في لبنان، مجلة الجيش، العدد 296، شباط 2010.

12-             Hans-Hermann Hoppe, “Natural Elites, Intellectuals, and the State”, Ludwig von Mises Institutes”, Alabama, 2007.

 

إقرأ أيضاً:

المرأة التركية في زمن أردوغان

حلّ في تركيا.. أزمة في إيران

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s