آخر أحفاد “أتاتورك”.. ينشق!


جو حمورة

بدأت نتائج قرب التوصل إلى حلٍ سلميّ، بين الحكومة التركيّة والأكراد، تلقي بأوزارها على الحياة السياسيّة التركيّة بشكلٍ مؤثر. على الصعيد الحزبيّ، إحدى هذه النتائج كانت بدء انهيار حزب مصطفى كمال “أتاتورك”: حزب “الشعب الجمهوري”.

مثّل هذا الحزب، الذي أنشأه مصطفى كمال عام 1923، النخبة الحاكمة لتركيا حتى تاريخ أول انتخابات تعدديّة عام 1950. من حينها، أصبحت مشاركة الحزب في السلطة متقطّعة وغالباً ما يتقاسمها مع أحزابٍ أخرى، ليعود ويخرج منها بشكلٍ نهائي، مع وصول حزب “العدالة والتنميّة” إلى الحكم، عام 2002.

مصطفى كمال أتاتورك

مصطفى كمال أتاتورك

يؤمن حزب “الشعب الجمهوري” الآن، حسب برنامجه الرسمي، بالعلمانيّة. هذه العلمانيّة، على الطريقة التركيّة، تتوافق مع مفهوم العلمانيّة الفرنسيّة التي أرساها “أتاتورك”، والقائمة على فصل الدين عن الدولة، لكن تختلف معها عبر جعل الدين ومؤسساته أداة في يد السلطة. يؤمن الحزب أيضاً بالقوميّة المعتدلة، بعد أن سلب منه، حليفه اللدود حزب “الحركة القوميّة”، الشعبيّة بين المتطرفين القوميين. كذلك يتبنى الحزب الأفكار اليساريّة، وسط غياب أحزاب اليسار التقليدي داخل البرلمان أو في الحياة السياسيّة المؤثرة في تركيا.

بدأت الخلافات بين أعضاء حزب “الشعب الجمهوري” تظهر إلى العلن، منذ إعلان الحكومة التركيّة بدء محادثات السلام مع الأكراد، لتعود وتزداد مع تقدمها. أولى الخلافات تمثلّت باستقالة نائبٍ من الحزب يدعى “صالح فرات”، رداً على تصريحٍ عنصري لزميلةٍ له اعتبرت فيه “أن الأكراد والأتراك لا هم متساوون ولا يمكن أن يكونوا كذلك”. بعد الاستقالة، أصبح عديد نواب الحزب في البرلمان 135، ليبقى في المرتبة الثانيّة، كحزب المعارضة الأساس لحزب “العدالة والتنمية”، الذي يملك 326 مقعداً من أصل 550.

تتابعت الأزمات داخل “الحزب”، عبر استقالة مسؤولة العلاقات العامة فيه، “غولسرين أونانتش”، بعد تعرضها لانتقادات من رفاقها، على أثر تسريبها للإعلام نتيجة استطلاعٍ للرأي، أجري داخل الحزب، يبرز أن 65% من أعضائه يؤيدون محادثات السلام وجهود الحكومة التركيّة. كذلك لم يسلم نائب رئيس الحزب “سزغين تانريكولو”، من الانتقادات نتيجة تأييده لمحادثات السلام، فوصفه رفاقه، مثلما يحب القوميين التوصيف في كل مكان، بالـ “خيانة” وبـ”العمالة للاستخبارات الأميركيّة”.

عدى عن أنهم يؤيدون حلاً سلمياً للمسألة الكرديّة، يتشارك هؤلاء الثلاث بقاسمٍ مشترك: ينتموا جميعاً للجناح الإصلاحي في الحزب. هذا الجناح، الضعيف نسبياً، يقابله جناح آخر ذات توجهاتٍ قوميّةٍ متشددة. وما كانت محادثات السلام مع الأكراد سوى الحدث الذي جعل الغراء الذي يجمع جناحي حزب أحفاد “أتاتورك” يتحلل.

يمثل الجناح القومي داخل الحزب بقايا النخبة “الأتاتوركيّة” الناشئة نتيجة تأثرها بحكم الحزب وحيداً حتى عام 1950، كما نخبة المتأثرين بالجيش التركي يوم كان الجيش لاعباً أساسياً في الحياة السياسيّة التركيّة قبل عام 2004. أما الجناح الإصلاحي، ذات التوجهات اليساريّة، فيمثل المتحدّرين من قطاع العمال ونقاباتهم ومن الطائفة العلويّة. أما رئيسه، “كمال كيلتشدار أوغلو”، فيمثل الخط الفكري المتلاقي بين الجناحين، فهو علوي وقومي تركي متشدد في آن.

استطاع “كيلتشدار” سابقاً إبقاء جناحيّ حزبه تحت سقفٍ واحد، نتيجة توافق أعضائه على بُعدين فكريين يؤمنون بهما: محاربة الإمبرياليّة والدفاع عن العلمانيّة. أما اليوم، وبعد طرح المسألة الكرديّة للبحث والجدال في عموم البلاد، لم يعد “كيلتشدار” قادراً على ضبط أجنحة حزبه من التنازع فيما بينها، لدرجة أنها بدأت تؤثر على سياساته.

محاولاً التماهي مع غالبية الأتراك، أيّد “كيلتشدار” محادثات السلام بين الحكومة التركيّة والأكراد، لكنه عاد وتراجع عن موافقته عليها. فانتقدها أولاً، ثم سحب نواب حزبه من اللجنة البرلمانيّة المشرفة عليها لاحقاً. إحدى أسباب التراجع هذا، مردّه عودة رئيس الحزب السابق “دنيز بايكال” إلى حضور اجتماعات لجان الحزب، وتصدره سريعاً جناح القوميين فيه، ما أنبأ بقرب سحب البساط من تحت قدميّ رئيسه، فتخلى “كيلتشدار” عن تأييد المحادثات، خوفاً من انقلابٍ عليه من الجناح القومي الرافض لتسويّةٍ سلميّةٍ مع الأكراد.

عدى عن الخلافات بين أجنحته، يعود فشل الحزب المعارض الأساس، إلى عدم مواكبته التغييرات الاقتصاديّة، الاجتماعيّة والفكريّة التي حدثت في تركيا خلال السنوات العشرين الأخيرة. فحزب يساري ذات خطابٍ تقليدي قديم ما عاد يؤثر كثيراً بالجمهور التركي. كذلك كان لوقوف الحزب مع الدور السياسي للجيش التركي، في لحظة تراجع سطوة العسكر، أن أدى إلى خسارته المعركة معه.

لن يصمد حزب “أتاتورك” الهرم طويلاً، وربما سينشق في القريب العاجل، أو في أبعد تقدير، ستكون الصدمة التي ستؤدي إلى الانشقاق النهائي، في آذار عام 2014. في هذا التاريخ، ستبرز صناديق اقتراع الانتخابات البلديّة تراجع “الشعب الجمهوري”، فيُلام “كيلتشدار” من الجناح القومي داخل حزبه ويجري تحميله المسؤوليّة. يتبعها انشقاق، أو إقصاء، الجناح الإصلاحي من الحزب، فينتهي حزب “أتاتورك” مقطع الأوصال بين أيادي من تبقى من أحفاده.

—————————-

يمكن الإطلاع على المقالة بصيغتها الأصلية هنا

إقرأ أيضاً: 

المصالحة التركية – الإسرائيلية: نصرٌ ثلاثي

الكتائب اللبنانية: حزبٌ مريض

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

عشر ملاحظات في الثورات العربية

Advertisements

One thought on “آخر أحفاد “أتاتورك”.. ينشق!

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s