الوجوه الثلاث للإعلام التركي


جو حمورة

لمعرفة الأتراك المسّبقة أن الشعوب العربيّة قليلاً ما تقرأ، فضّلت الإدارة التركيّة استبدال ترجمة صحافتها للعربيّة، بمحطاتٍ إخباريّة ومسلّسلات مدبلجة، كأدواتٍ لتقديم نفسها نموذجاً يحتذى، والتقرب من شعوب دول الجوار، خاصةً العرب منهم.

أمام الغياب الكامل للّغة العربيّة، قلّة من مواقع الصحف التركيّة تعطي اللّغة الإنكليزيّة حيزاً فيها، وسط إتباع القائمين عليها سياسات متباينة تبعاً للّغة المعتمدة.

DSC_0200-629x418

مختلفةً عن تلك الأساسيّة باللّغة التركيّة، لصحيفة “زمان” الأشهر نسختها الإنكليزيّة، والتي تُظهر حريّة أكبر في انتقاد سياسات الحزب الحاكم ورئيسه “رجب طيب أردوغان”. فانتقادهما بقوة وفي اللّغة التركيّة، يخلق أزمة للطرف المنتقِد. أمرٌ لم يدركه مدير تحرير جريدة “طرف” اليساريّة ونائبته، اللذان استقالا من منصبيهما بعد انتقادهما لـ “أردوغان”، لظروفٍ بقيت “غامضة”.

لصحيفة “صباح” المحافِظة، نسختها الإنكليزيّة أيضاً، لكنها لا تقدم سوى مقالتين يومياً. الأولى تتضمن موقفاً لرئيس الحكومة والثانية لإنجازٍ تركيٍ ما. على عكسها، تتمتع صحيفة “حرييت” بقدرٍ أكبر من الموضوعيّة في نسختها الإنكليزيّة، فتركز على انتقاد جميع الأطراف بشكل متوازن، لكن متأني.

بعدما أسسها مصطفى كمال “أتاتورك” عام 1924، تقف صحيفة “جمهورييت” اليوم، في المقلب المعارض لسياسات الحكومة، والمسوِقة لحزب الشعب الجمهوري. بينما لا تبدي دعماً واضحاً للحزب المعارض في نسختها الإنكليزيّة، إلا عبر التقليل من أهميّة إنجازات “أردوغان”. فتبعاً للّغة المعتمدة، تختلف سياسات الصحف التركيّة نفسها حسبما تريد إظهاره للداخل والخارج.

“أخبار العالم”، “أخبار تركيا”، و”تركيا اليوم”… مواقع إلكترونيّة عربيّة “متخصّصة” في الشأن التركي، إنما منحازة للسّياسة الرسميّة، وتحصر اختصاصها في تسويق الإنجازات التركيّة. فورود خبر اعتقال متظاهرين ضد سياسة “أردوغان”، أو بث تقرير “للجنة حماية الصحافيين” للعام 2012 حول احتجاز تركيا لـ 49 صحافياً في سجونها، أمران مستحيلان على هذه المواقع.

دعا “أردوغان” في 18/12/2012 إلى جمع السلطات بدلاً من العمل على فصّلها، فردت الأحزاب المعارضة بقوةٍ عليه… أخبارٌ لا تُذكر على النسخة العربيّة من موقع التلفزيون التركي الرسميّ. هذا الموقع، الأشبه بدليلٍ سياحيّ، لا يقدم إلا ما يتلاءم مع الصورة المثاليّة عن تركيا، أما ترجمته للعربيّة لبعض المقالات من الصحافة التركيّة، فجلّها لكتّابٍ وصحفٍ مواليّة.

اعتقالات تعسّفية، احتجازات طويلة وتعذيب للمعارضين السياسيين. “خلافٌ” بين الرئيس التركيّ ورئيس حكومته بسبب طموحات الأخير للترشح لرئاسة الجمهوريّة… أحداث غائبة باللّغة العربيّة. فككل إعلام شبه موجه، يُضيء على الحدث الإيجابيّ الأساس لدرجة إعماء العيون عن معرفة أي تفصيلٍ سلبيّ آخر. كاهتمام الصحافة التركيّة، في أواخر شهر كانون الأول، بحدث إطلاق تركيا لقمرها الصناعيّ، فأفرد له حصة الأسد في التغطية الصحفيّة. بينما لم تلقَ المظاهرات المناوئة لزيارة “أردوغان” إلى حفل إطلاق القمر، والصدامات مع الشرطة واعتقال العشرات من المتظاهرين، أي صدى في الإعلام أبعد من ذكرها بشكلٍ هامشيّ.

للصحافة التركيّة ثلاثة وجوه إذاً. التركيّ منه، يتعرض للضغط وإمكانيّة تحرره القريب أمرٌ مستبعد. فالحزب الحاكم قويّ بسبب إنجازاته الاقتصاديّة والدبلوماسيّة، والأحزاب الأخرى شبه غائبة.

مقدّماً صورة يركّز فيها الموالي والمعارض على قوة تركيا وإنجازاتها، يبقى لهؤلاء، في الوجه الإنكليزيّ، حق الاختيار بين إعطاء الفضل لسياسة الحكومة، أو إلى ما زرعه “أتاتورك” في الماضي. أما الوجه العربيّ فغائبٌ، إلا في مواقعٍ قليلةٍ منحازة، وتفتقر للمصداقيّة.

لأن للغرب عشرات المراكز البحثيّة المتخصّصة في الشأن التركيّ، ولا طموحاً تركياً لتقديم نفسها نموذجاً له، فإخفاء الصحافة التركيّة في نسخها الإنكليزيّة لكل ما هو سلبيّ فيها، أمرٌ بالغ الصعوبة وغير مطلوب. أما العرب، فافتقارهم لمراكز أبحاث متخصّصة بالشأن التركي، يدفع تركيا نحو النجاح باستمرار إخفاء سلبيّاتهم الداخليّة والتركيز على إيجابيّاتها، وتحويلها لمادةٍ تساهم في تسويق النموذج التركيّ، القائم على التوليفة القوميّة – الإسلاميّة – “الديمقراطيّة”، بين الشعوب والأنظمة العربيّة.

————————————

يمكن الإطلاع على المقالة بصيغتها الأصلية على جريدة المدن الإلكترونية 

مقالات آخرى عن تركيا:

المشروع الدستوري لـ”الرئيس” رجب طيب أردوغان

أكراد تركيا: حلٌ حان وقته

تفاحة آدم في الحلق التركي

أردوغان: ثلاثة أو اكثر

المرأة التركية في زمن أردوغان

عيد النيروز: ربيع المسألة الكردية؟

حلّ في تركيا.. أزمة في إيران

المصالحة التركية – الإسرائيلية: نصرٌ ثلاثي

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s