عيد النيروز: ربيع المسألة الكرديّة؟


جو حمورة

الأمن يزيح متظاهر حاملاً صورة لزعم حزب العمال الكردستاني "عبدالله أوجلان"

الأمن يزيح متظاهر حاملاً صورة لزعم حزب العمال الكردستاني “عبدالله أوجلان”

تحت شعار “الحرية لأوجلان، الإعتبار للأكراد”، ينظم أكراد تركيا، إحتفالاً مليونياً في عيد “النيروز”، في مدينة “دياربكر” التركية، ويمثّل هذا الحدث الإمتحان الرابع لمحادثات السّلام القائمة منذ ثلاثة أشهر، بين الحكومة التركيّة وزعيم حزب العمال الكردستاني، للتوصل لتسوية دائمة للمسألة الكرديّة.

بالنّسبة للشعب الكردي، لـ21 آذار من كل سنة أهمية كبرى، فعيد “النيروز” يعني لهم بداية الرّبيع كما رأس السنة الكرديّة. عيدٌ قد يجلب معه هذه السّنة ربيعاً كردياً طال إنتظاره، كما فرصةً للسّلام مع الدولة التركيّة.

منذ الإعلان الرّسمي عن بدء محادثات السّلام، ثلاثة إمتحانات حقيقيّة كادت أن تطيح بها: الإمتحان الاول كان إغتيال ثلاث ناشطات كرديّات في باريس في 9 كانون الثّاني عام 2013، الثّاني كان دفنهنّ في تركيا في 17 من الشّهر نفسه. حيث تحاشى زعيم حزب العمال الكردستاني “عبدالله أوجلان”، المسجون في تركيا، إتّهام الدولة التركيّة بالحدث الأوّل، وأظهر رئيس حكومتها رجب طيب أردوغان تعاطفه خلال الحدث الثّاني، فاجتاز الرّجلان الإمتحانين بنجاح.

أمّا الإمتحان الثّالث، والأخطر، فكان تسريب مضمون المحادثات في 28 شباط في جريدة “ميلليت” التركيّة. لكنّ أردوغان تنبّه لخطورة هذا الأمر. لذا، قصد فتح نقاش في مسألة الحريّات الإعلاميّة على مصراعيها في البلاد. وإستطاع بذلك صرف نظر الرّأي العام التّركي عن مضمون التّسريبات الّتي كشفت وقائع غافلة عن الجمهور: موافقة أوجلان على تغيير الدّستور التّركي بحيث يجعل تركيا ذات نظامٍ رئاسيّ يتولّى فيها اردوغان رئاسة الجمهوريّة، ووعد الآخير له بعفوٍ يخرجه من السجن. كذلك تضمّنت التّسريبات معلوماتٍ عن الصراعات الخفيّة في تركيا بين كل من حزب “العدالة والتّنمية” الحاكم، جهاز الإستخبارات العامّة وجماعة “فتح الله غولن”، الدّاعية الإسلاميّ الأقوى في تركيا والمدعوم أميركيّاً.

من ناحيةٍ أخرى، ساعد حزب “السّلام والديمقراطيّة الكردي”(BDP) المقرّب من أوجلان بالتخفيف من حدّة تأثير تسريب مضمون المحادثات، عبر طرد مسؤولين منه بعد إعلانهم عن مسؤولية التّسريب. هكذا إستطاع أردوغان وحزب الـ”BDP” من تأمين مخرج لمسّألة التسريب هذه من دون أن “يجرؤ” أحد في تركيا على مناقشة مضمونه.

عرقلت الحوادث الثّلاث محادثات السّلام لبعض الوقت، لكنّها لم تلغيها. فإطلاق حزب “العمّال الكردستاني”، في 13 آذار، لثمانية أتراك كان قد إختطفهم منذ سنة دليل على ذلك. خطوة حسن النيّة هذه، كان قد ألمح إليها أوجلان في رسالة وجّهها من سجنه الى مقاتلي حزبه في شمال العراق، مكان تمركز معظم مقاتليه.

لأنّ الحوادث المتلاحقة تشير كلّها الى ذلك، يبدو أنّ 21 آذار 2013 سيكون يوماً مميّزاً لأكراد تركيا. قبله بأيّام سيزور وفد من حزب “السّلام والدّيمقراطية” أوجلان في سجنه، حاملاً ردّاً من جناح الحزب في شمال العراق على مقترح السّلام مع الدولة التركيّة كان قد عرضه أوجلان عليهم سابقاً. لا يبدو مضمون ردّهم سلبياً كما كان في السّابق، خصوصاً بعد إطلاقهم للأتراك الثّمانية، كما تصريح زعيمهم مورات كاراليان، في 15 آذار، الذي إعتبر “أن أعضاء حزب “العمّال الكردستاني” في شمال العراق، موافقون على نظرة قائدهم أوجلان بشأن محادثات السلام مع الدولة التركيّة”.

حين يخرج وفد حزب “السّلام والدّيمقراطية” من زيارة أوجلان في سجنه، يُنتظر أن يوجّهوا رسالةً علنيّةًّ منه الى مقاتلي حزب “العمّال الكردستاني” تتضمّن، على الأقلّ، إعلاناً لوقف إطلاق النّار من جانبٍ واحد على الدولة التركية، يبدأ تطبيقه في 21 آذار، في عيد “النيروز”. وربما قد يتعدّى الإعلان ذلك، ويُفصح عن التّوصل لتسويةٍ نهائيّةٍ بين الحكومة التركيّة وحزب “العمّال الكردستاني” تنصّ على سحب مقاتلي الحزب الى خارج تركيا بعد إلقائهم السلاح، مقابل قيام تركيا بالإفراج عن الآلاف من المسجونين منهم في تركيا، كما تعديل الدّستور لجعل الأتراك والأكراد متساوين. فيأتي احتفال عيد الرّبيع هذه السّنة مكلّلاً باتّفاق سلامٍ بين الأكراد والأتراك بعد حربٍ مستمرة منذ العام 1984.

أمام هذا التفاؤل الموضوعيّ، قسم من الأتراك متشائم. فالإختبار الحقيقيّ سيكون بشأن كيفيّة ضبط المتظاهرين الأكراد في الإحتفال المليونيّ في “دياربكر”، وسط معارضة بعض الراديكاليين منهم لمحادثات السّلام لعدم تضمينها إستقلالاً ذاتيّاً. كما صعود أصوات بعض القوميين الأتراك، في المعارضة والدولة، ضد السّلام مع من يصنّفهم القانون التركي بالإرهابيين. فخطوةٌ غير محسوبة من أحد الأطراف، في ذلك اليوم، قد تؤدّي الى انهيار كل ما تمّ العمل عليه، ويتحوّل سريعاً ربيع المسألة الكرديّة الى شتاءٍ دامٍ.

إحتمالات عرقلة محادثات السّلام المتوقّعة لا تزال قائمة وإن كانت مستبعدة. ذلك لأنّ انهيارها مؤذٍ لتركيا كما للأكراد. من الناحية التركيّة، سيؤدّي إلغاء محادثات السّلام إلى وضعها أمام امتحانٍ جديٍّ، داخلي وخارجي، لضبط ردّة الفعل الكرديّة. فالأكراد يستطيعون شنّ الهجمات على تركيا من داخلها، كما من العراق وسوريا، ما يؤدّي إلى تعطيل مسيرة أردوغان الهادئة لإقرار دستورٍ رئاسي جديدٍ للبلاد يكون هو أوّل رئيسٍ في ظلّه. أما من ناحية الأكراد، فستُصعّد تركيا ردّة فعلها العسكريّة المباشرة ضدّهم في العراق، كما في سوريا، عبر إمتداد نفوذها الإقليميّ الجديد: الجيش السوري الحرّ.

عيد النيروز في 21 آذار 2012 في جبال قنديل - شمال العراق

عيد النيروز في 21 آذار 2012 في جبال قنديل – شمال العراق

—————————————–

مقالات آخرى عن تركيا:
المشروع الدستوري لـ”الرئيس” رجب طيب أردوغان

أكراد تركيا: حلٌ حان وقته

تفاحة آدم في الحلق التركي

أردوغان: ثلاثة أو اكثر

المرأة التركية في زمن أردوغان

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s