تفاحة آدم في الحلق التركي


جو حمورة

لم يعد سعي تركيا لدخول الإتحاد الأوروبي، مسّألة مصيرية لها كما كان في السابق. أدى توجه سياسة تركيا الخارجيّة صوب الشرق، كما اهتمامات أوروبا بأولوية أزمتهم الاقتصاديّة، أن أرخيا برودةً في مسيرة جمع تركيا والأوروبيون تحت سقفٍ واحد. بالمقابل، بقيت القضيّة القبرصيّة، والموقف التركي منها، حجر العثرة الأساس لدخولها النادي الأوروبي. إنما، في 17/02/2013، لاح بصيص أملٍ شحيح، لاستعادة تركيا طريقها القديم صوب أوروبا: انتخاب “نيكوس اناستاسيادس” رئيساً جديداً للجمهورية القبرصيّة.

جزيرة قبرص المقسمة بين جمهورية شمال قبرص التركية، وجمهورية قبرص اليونانية

جزيرة قبرص المقسمة بين جمهورية شمال قبرص التركية، وجمهورية قبرص اليونانية

محاولاً إعادة توحيد الجزيرة القبرصيّة، المقسّمة بين جزءٍ تركيّ وآخر يونانيّ، طرح الأمين العام السابق للأمم المتحدة عام 2004، خطة عرفت باسمه: “خطة أنان”. غصن زيتون السلام هذا، سرعان ما بُتر، بعد أن رفض القبارصة اليونانيين خطته باستفتاء شعبي عام. أما النتيجة، فكانت مكافئة جمهورية قبرص اليونانيّة بإدخالها إلى جنّة الإتحاد الأوروبي في العام نفسه، بينما أبقي جزءها الشمالي في جحيم الانتظار.

ردت تركيا بمنع السفن والطائرات القبرصيّة، كما اليونانيّة، بدخول موانئها ومطاراتها، مخلّةً بإحدى شروط الانتساب الأساسيّة لدخول الإتحاد الأوروبي. منذ ذلك الحين، أصبحت مفاوضات دخول تركيا إلى الإتحاد فاترة، لتعود وتجمد منذ حوالي الثلاث سنوات. أما جديد المسألة الآن، فهو أن الرئيس القبرصي الجديد، كان عام 2004، من القلائل الذين وافقوا على “خطة أنان” وصوت لها بـ “نعم”.

57.5% من الأصوات، ضمنت فوز زعيم اليمين الوسط برئاسة جمهورية قبرص اليونانيّة. فور إعلان “اناستاسيادس” رئيساً، اعتبر الوزير التركي المكلف بشؤون الإتحاد الأوروبي، “أن انتخاب رئيس جديد لقبرص اليونانيّة، قد يكون فرصة سانحة لحل القضيّة القبرصيّة”. لكنه بالمقابل، أكد أن تركيا لن تقبل بأي حلٍ على حساب جمهورية قبرص التركيّة “لأنها الطرف الأقوى سياسياً واقتصادياً”.

على عكس ما درجت عليه العادة، احتلّت المسّألة الاقتصاديّة، الحيز الأكبر في حملات المرشحين لرئاسة الجزيرة القبرصيّة. في حين كانت الأولويّة منذ العام 1974، تاريخ غزو الجيش التركي لشمالها، للعلاقات مع الشمال.

متأثرةً بأزمة اليونان الاقتصاديّة، أضحى الاقتصاد القبرصي على وشك الإفلاس: تراجع الناتج المحلي الإجمالي بحوالي 25%، خسارة البنوك لـ 4.5 مليار دولار… لذا، أصبحت قبرص الدولة الخامسة في منطقة اليورو، التي تطلب الإنقاذ من الإتحاد الأوروبي. في الجهة المقابلة، حال اقتصاد شمال قبرص التركيّة أفضل، بسبب قدرة تركيا على دعمها بما يلزم، لتمتّع الأخيرة بارتفاع نسب النمو مقارنةً مع تراجعها في معظم دول الإتحاد الأوروبي، وخاصة اليونان.

منذ سنواتٍ ثلاث، ومع تقارب السّياسة الأوروبيّة للدولتين الأقوى في الإتحاد: ألمانيا وفرنسا، توقفت مفاوضات الدخول بين تركيا والإتحاد الأوروبي.

فور انتخاب “اناستاسيادس” رئيساً، سارعت ألمانية لتهنئة الرئيس القبرصي الجديد. فعدى عن كونه مقرباً على الصعيد الشخصي من المستشارة الألمانية “انجلا ميركل”، إلا أن الاثنان ينضويان تحت جناح المجموعة البرلمانيّة الأكبر في الإتحاد الأوروبي، التابعة لليمين الوسط (EPP) والمؤلفة من 16 دولةٍ من أصل 27 في الإتحاد. في المقابل، لألمانية علاقة طيبة مع تركيا من الناحيّة الاقتصاديّة، الثقافيّة كما العسكريّة.

بعد فوز “حليفها” اليميني، استعجلت “ميركل” التعبير عن اهتمامها بدورٍ ما في القضيّة القبرصيّة. ففي زيارتها الأخيرة إلى تركيا – التي تصادفت زمنياً مع إعلان فوز الرئيس القبرصي الجديد –  عبرت عن تأيدها لاستئناف المحادثات المتوقفة مع تركيا بشأن علاقتها مع الاتحاد الأوروبي. كذلك اعتبرت “خلاف تركيا مع جزيرة قبرص المقسّمة، مشكلة أساسيّة لإمكانية قبول أعضاء الإتحاد الأوروبي بها عضواً”، من دون أن تنسى أن تحث الحكومة التركيّة للسعي الجديّ لحل القضيّة القبرصيّة.

استتبع تلميح “ميركل” لمعاودة إطلاق المفاوضات بين الاتحاد وتركيا، تصريح رسمي للمتحدث باسم مكتب توسيع الإتحاد الأوروبي، الذي اعتبر “أن الإتحاد يؤيد إعادة انطلاق المحادثات بين المكونين القبرصيين”.

أمام فتح الباب لإمكانية قيام مفاوضات جديّة لحل القضيّة القبرصيّة، ردّ وزير الخارجيّة التركي، بالإيجاب، لكن الخالي من الحماس. إذ أكد “أن وصول الرئيس القبرصي الجديد يمثل فرصة سانحة للسلام”، معتبراً أن استكمال المفاوضات بين جزئي الجزيرة مقبول فقط “على أساس العدالة السياسيّة والحقوق المتكافئة بين طرفي الجزيرة”، داعياً “اناستاسيادس” أن يستمر بموقفه الذي تبناه منذ العام 2004.

وسط كل هذه الضوضاء، لم يعلق الرئيس القبرصي الجديد بعد، وبشكلٍ واضح، على مسألة التفاوض بين جزئي الجزيرة أو العلاقات مع تركيا. ربما لأن اهتماماته الأساسيّة الآن، هي سعيه لإنقاذ اقتصاد بلاده من خطر انهياره، عبر إجراء إصلاحاتٍ ضرورية، تحضيراً لمفاوضاته القادمة مع الإتحاد الأوروبي على حزمة المساعدات الماليّة، المقدر أن تصل إلى 23 مليار دولار. بعدها، وعند تعافي الاقتصاد القبرصي يصبح “اناستاسيادس” جاهزاً للتفاوض مع الأتراك. فلا حكمة من التفاوض الآن واقتصاد بلاده على وشك الانهيار. فحل القضيّة القبرصيّة، ومفاوضات دخول تركيا إلى الإتحاد الأوروبي تطبخ، كما دائماً، على نارٍ هادئة.

—————————

يمكن الإطلاع على المقالة بصيغتها الأصلية هنا

مقالات آخرى عن تركيا:
المشروع الدستوري لـ”الرئيس” رجب طيب أردوغان
أكراد تركيا: حلٌ حان وقته

أردوغان: ثلاثة أو اكثر

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s