الرب راعي بياخد كل خواريفو علـى الدبح


كان من المفترض أن أكتب تقريراً جدياً بعد اجتماعٍ ما، لكني استعضت عنه بهذا النص، الذي لن يفهمه إلا من شارك فيه، فنرجو منكم عدم القراءة وتضييع وقتكم بأمورٍ مفيدةٍ أخرى. نضع على المدونة لاحقاً مقالات ذات مغزى أفضل ومواضيع مهمة أكثر.

***

تدخل “ضومط” قاعة الاجتماع، محمّلة ببضعة أوراقٍ بيض وضحكتها الاعتيادية، تجلس على مقربة من مترأس الجلسة، في محاولة تعويض معنوية عن خسارة مؤقتة لما كانت تديره في عملها هناك، وفرصة أخرى للجلوس قرب المكان الذي من المفترض أن يسند إليه “كرم” قفاه، فقرب أماكن الجلوس لخير دليل على قرب القلوب. لكن قفا هذا الشاب الطموح لا تهدأ، كذلك فمه: صراخ وفوضى لا مثيل لها تعززت بعد أن أصبح مديراً. إذ يتراءى لعارفيه مدى قوة “وصلاحية” صوته لقيادة جمهور “مارس” فريقه كرة السلة، فلا خوف مثلاً بعد اليوم من اعتزال “باشو” من قيادة جمهور الحكمة، فبعض الحناجر صوتها أعلى من قرع الطبول.

في المقلب الآخر من الطاولة، يجلس “الشهوان” متأبطاً النكتة، لكأنه “وُلد” ليسلي غيره، وقد زاد إنتاجه “الفكري” هذه الأيام بعد دعمٍ معنوي وإجماع شبه وطني حصده في خلوة “سياسكرية” في إحدى الجبال منذ مدة، ركزت المجموعة خلال يومين فيها وخلصت، بعد حوارات عديدة وأخذ ورد واجتماعات مصغرة، إلى حقيقة واحدة: “الشهوان” رجلٌ مرح! كيف لا وهو من نكح مازحاً “الياس” في دبره في مفتاح خلال الليل! وهذا الأمر نتيجة طبيعية بعد كلام النهار المُطول حول مقاصد النكاح عند “إبن تيمية” وأصول المضاجعة واللواط في السيرة النبوية. من يدري، ربما تركيز المجتمعين على موضوعٍ ما لخير دليل على نقصانه عندهم وحاجتهم إليه، فكلام النهار لا يمحوه دائماً الليل.

قرب “شهوان” المرِح، تجلس “الخوري”، وقد تكّون أمامها جبل من الأوراق يكفي لتغطية سوق النحاسين في حلب. بعض الأوراق هذه مصيرها النسيان، فالعمل الإداري لا يلقى صداً هنا ويسعى الجميع إلى تفاديه. بعد تدقيقها بمن وقّع ورقة الحضور، والتأكد بأن أكثر من الربع قد تغيبوا كالعادة، تهم بأسئلتها العملية الجدية التي لا تلتقي مع نزعات معظم الحاضرين الاستهزائية في وقت متأخر من الليل، ليجيبها مترأس الجلسة بما يريد، وذلك بعد أن يناشد أمه بالأجنبية لمرات عديدة، ويكرر نظريته العامة التي تربط جدلياً بين الدين وتربية المواشي وحتمية صيرورة الخراف إلى الرفيق الأعلى (عقيدة “الرب راعي بياخد كل خواريفو على الدبح”). ولا تنتهي الجلسة عادة إلا بعد أن تكون “الخوري” قد كونت مجموعة أخرى من الأوراق الكافية لتغطية السوق نفسه من جديد. كما لا يغفل المتابع لأسرار كلام البنات في الأماكن العلنية، الانتباه إلى الحرب الباردة التي تصوبها “ضومط” نحو “الخوري”، فتواجهها الأخيرة بكلام منمق مع ابتسامات كاذبة، وكل ذلك لخير دليل أن قفا “كرم” سعرها في ازدياد في المزاد العلني.

على يمين “الخوري” فتاة أخرى: “زحلة الفتاة”، والتي تنضح بنوستالجيا لعاصمة الكثلكة في لبنان كل عشر دقائق، منهية كل شتيمة عامة توجهها باعتذار صادق، ناسية أنه في زمن الربيع العربي وفوضى الاجتماعات، لا مكان لكم الأفواه، فالحرية مطلقة والشتم شغال وكلنا أبناء المسيح ولا ضرورة للاعتذارات، سوى من “الأخ الأكبر”. في الجلسة أيضاً، نظرات علم نفسية تطلقها من فترة إلى أخرى، لما لا، فحفلة الجنون ابتدأت والجميع مدعو.

في المقلب الآخر منها، شابٌ أسود الشعر ذو وجه مكفهر لكأنه يحمل مشاكل الدنيا ومن عليها، جديّ لدرجة الملل ولو أقسمت عليه لصفعته. وإن ركزت على عبوسته لتراءى لك اللحم يتساقط من على وجهه. جدية شبه مطلقة فهكذا اجتماعات تحضيرية وتعليمية لا بد من أن يكون فيها على حسن الآمال التي وضعها لنفسه، وحسبما يقول، فإن الوقت يمر والقوارب انطلقت من مرافئ الإسكندرونة ورست في مرافئ البحر الأسود، ونحن نلازم مكاننا على رصيف جونية في سفينةٍ من دون شراع.

يجلس قربه رجل المهمات الخارقة، تخيلوا أن “رحمة” يعمل في كل شيء: من قراءة ومتابعة يومية إلى أمورٍ إدارية ولوجيستية واجتماعات عمل وصيانة… لكن على قدر كُثر العمل يأتي كثر الكلام، ففي المرحلة الأخيرة بات يسعل بين كل جملةٍ وأخرى، لدرجة تشعر بأن في حنجرته “شمعة” على وشك الزوبان. وعندما يُسأل سؤالاً ما خلال الاجتماع، إن توفق أحدهم به قبل أن ينطق جواله بالسويدية، يجول ببصره على الجماهير مقسما ضحكته البلهاء عليهم بالتساوي، يستمر الأمر كذلك إلى أن يقرصه “شهوان” في رجله أو تلتقي عيونه مع عيون “كرم” فتبتان أسنان الثلاثة.

أما البقية، فواحد ٌ “حبيب” تقمص شيخٌ شيعي من دون عمامة، وآخر جهبذ يُدعى “الياس”!

على رأس الجلسة رجلٌ من طينةٍ أخرى، تمرس النضال السياسي وخلق المؤسسات الحزبية، وقد خبر العمل السري والعلني، كما العسكري والمدني، فخلق له حفنةً من الأتباع والمريدين. مسيّسٌ حد النخاع وحزبي حتى أخمس قدميه، يحمل “بطيخات” مؤسساته معاً، فيسلم إدارة بعضها لبعض المجتمعين في حضرته، في مسيرة مكللة بالنجاحات السريعة حيناً والتراجعات البنيوية أحياناً أخرى. في عقله المشاريع الكبرى وفي عينيه شوقٌ بأن يخرج “التلاميذ” من هذه الاجتماعات ويتفوقون على أستاذهم، ليعلن نجاح برنامجه. لكن غياب جدية الاجتماعات تؤدي حتماً إلى وهن عزيمتهم، وما التعلم سوى معنويات وعزيمة وإصرار مستدام.

بعد ساعتين من الكلام والضحك، ينتهي الاجتماع كما بدأ: واحدة تقضم أظافرها، وآخر يمارس الجنس مع سيجارته. هذا يفكر بجدوى الاجتماعات، وأخرى تفكر كيف ستكتب تقارير الاجتماع الإداري الطويل، وذاك يصرخ بصوتٍ عالٍ، وآخر ينظر إلى ورقة الملاحظات التي وضعت أمام الجميع ليرى معظمها فارغة، وآخر ينظر إلى الجميع بعد نهار متعب ويقول في قرارة نفسه ” يا عيني عليكون وعلى هل اجتماع”، لك، “يا عيني عليك وعل سبق” !

—————————

إقرأ أيضاً:

ميشال عون..من نجاح الى فشل

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

عودة الحريري إلى… الطائفة !

مجموعة من الصور النادرة والقديمة عن بيروت

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s