المرشد في المعاملتين !


جو حمورة

كأغلب شباب لبنان، كان صديقي يعمل في وظيفة لا علاقة لها بالمؤهل الدراسي، فقد اختار لنفسه مهنة صعبة تحتاج إلى لباقة، سرعة بديهة، مظهرٍ حسن وكلام منمق: مندوب مبيعات.

بالرغم من دراسته بمدرسة للراهبات، ومن ثم في إحدى الجامعات التابعة لإحدى الرهبانيات المارونية في جبل لبنان، إلا انه كان بعيد كل البعد عن الدين، فكان يهتم بمظهره بشكل مبالغ فيه، ويسعى جاهداً إلى احتلال أكبر قدر من قلوب الآنسات والبغايا على حد سواء، يدخن بشراهة، يتناول المخدرات على فترات متقطعة، لا يصلي إلا أيام الأحد مرتين أو ثلاث في السنة، ولديه ذكاء ودهاء وشخصية مكنوه من العيش في مستوى مادي لا بأس به.

إلى هنا تتشابه قصته مع نصف قصص شباب لبنان…إلى أن أتت الفترة التي تغيرت فيها حياته، وهي فترة “طبيعية” جدا تمر بأي شخص بعيد عن الدين: نصيحة من صديق يهديه إلى “الطريق”، ثم هدية شريط ممغنط لقديسٍ إيطالي أو أميركي لاتيني ما، الذي يبكي ويخدم الفقراء طوال الفيلم، ثم يبتسم ابتسامة بلهاء على فراش الموت في نهايته، من دون أن ننسى أنه مشى عاري القدمين في الصحراء والجبال والوديان طوال حياته من دون أن يجرح نفسه ليحث الناس على الصلاة والإيمان.
من بعدها تطور الأمر فأصبح صديقي يهوى قراءة الكتب المعنونة كالتالي: “التائبون”،  “عودة الإبن الضال”، “كيف تعود إلى حضن الرب”، “فرح التوبة”… ثم زيارات أسبوعية إلى حريصا ودير عنايا…. فالتزم بعض الوقت وواظب على الصلاة والإيمان،  وكان يستمع خلال هذه الفترة إلى تلفزيون الـ Tele lumière بكثرة، وبات يستمتع مثلاً بفيديو كليب “البابا مبارك” الذي حول الموارنة إلى راقصي هوا و”مياعة”، بعدما كانوا قد حولوا وديان لبنان الى مغاور صلاة، وحفروا صخورها بذنودهم وحولوها إلى أجلال ليزرعوها.

إلى هنا أيضا تكاد تكون القصة معقولة وشبه مقبولة… لكن مع الوقت بدأ يحتك ببعض المسيحيين المختلفين ويصاحبهم ويجالسهم ويلازمهم كلما ذهبوا إلى مكان أو فعلوا أمرٍ ما…فبدأ بتربية لحيته، ووضع السلاسل الخشبية حول رقبته، ثم وضع خيط حريري في معصمه، ومن بعدها ترك التدخين والمخدرات، ثم بات يذهب كل ليلة أربعاء إلى سهرات إنجيلية، والجمعة إلى دير عنايا وبات يصلي كل نهار أحد في كنيسة الرعية.

أصبح لديه أصدقاء أمثال بعض التائبين الذين شاركوا في الحرب اللبنانية وفاتهم القطار دون أن يؤسسوا عائلة تقيهم شر الوحدة، بالإضافة إلى عدد كبير من الشباب الشاذين جنسيًا والفتيات الممتلئات سمنة، ثم تعّرف إلى أحد الكهنة وأخذه مرشدا له دون علمه.. وأخيرا، وبعد فترة وجيزة، وجد انه اكتفى بذلك وانه قد حصل على كل المعرفة الفلسفية واللاهوتية بالدنيا والآخرة والوجود، وألم بجميع الروحانية، فراح يوعظ ويبشر وينصح الناس في كل مكان وزمان، لكأن الأمر أشبه برسالة وواجب عليه القيام به .

كما تتوقعون، فقد أهمل وظيفته لأن مجد هذه الدنيا باطل، ثم أهمل دراسته العلمية لأنها بعيدة عن الدين وعجائبه. أصبح حاد المزاج وزادت عصبيته لدرجة بات يتقاتل مع أشخاص لا يعرفهم إن رأى منهم ما لا يعجبه، ولو اقسم على شخص ٍلصفعه…كذلك أهمل مظهره، فبات ذقنه طويل وشعره أشعث وثيابه شبه بالية، خاصة بعدما خف وزنه ليصبح 55 كلج بعد أن كان حوالي الـ 80 .

أما الفاجعة الكبرى، فهي أن ذكاءه ودهاءه تبخرا وظهر مكانهما كمية من البلاهة والغباء لم أرى لهما مثيل من قبل. فقد انخفض مستوى ذكاءه إلى معدل خطير ما عاد قابل للقياس، فلكي تشرح له أي أمر فلا بد أن تعيد مرارًا وتكرارًا حتى يفهم، دعك من انه لا يستطيع أن يبحث في مسألة واحدة في الدين أو الحياة دون الرجوع إلى كاهنه المرشد، فكل ما يقوله ويبشر به ما هو إلا كلمات محفوظة يرددها بطريقة ببغائية… كما بات لديه عادة الاستهزاء بالمذاهب المسيحية الغير مارونية بعدما كان يكره المسلمين فقط، أما إن قلت له أن هذا الرجل مثلاً قد أصبح ملحداً بعدما كان مسيحياً ثار غضبه لدرجة رأيت علامات الانتقام واضحة في عينيه. أما الأغرب فهو أنه بات يظل مستيقظاً لساعات طويلة يقضيها في الصلاة وتلاوة الآيات والأسفار من الكتاب المقدس والتراتيل ويبكي وينوح طوال الليل كما لو انه يحمل كل ذنوب الأرض ومن عليها… ومئات المرات التي يجالسنا فيها أنا وأصدقائنا المشتركين لينصحنا بالعودة إلى الدين والله والصلاة… فنبتسم له بسخرية كعادتنا ونقول له جملتنا الخالدة: رايحين أنا والشباب على المعاملتين، يمكن نتلاقى بمرشدك هونيك، بترّوح معنا؟

———————
إقرأ أيضاً:
مقارنة بين طُرق إختيار بطريرك الموارنة وبابا الأقباط 
إجتماعات الوطنيين الأحرار ومميزاتهم
عودة الحريري الى.. الطائفة !

Advertisements

9 thoughts on “المرشد في المعاملتين !

  1. khotwe oula na7wa salafyeh masi7yeh…wel habal huwi el sifa el asesiyeh wel moushtarike la kel anwe3 el salafyeh.

    laziz Hal blog …min yawmen falashto kello

  2. صراحة، كان أشرف لو بقي متل ما كان على إنو يصير مسيحي ومفكر حالو بيفهم بالدين وأهبل أحمق.
    خلّي يرجع ع حياتو القديمة، مندوب مبيعات، يتعاطى مخدرات، مهتم بشكله الخارجي لجذب البنات، بعيد عن الدين، وزكي..!! احسن ما يحصل على ابتسامة سخرية من أصدقائه، مقابل كلام ببغاء سبق وسمعو من احد رجال الدين.

  3. دائما نفس القصة على مدار تاريخ البشرية . اصابه الملل من وضعه الحالي فقرر ان يبحث عن معاني جديده واجوبة وهمية فلم يجد غير الدين لكي يعود له . الانسان دائما يبحث عن اجوبة ومعاني جديده وحياة جديدة لكن المشكلة في العالم العربي ما في مكان جديد تغير فيه حياتك غير الدين. الدين لم يخترعه الانسان من عبث بل كان حل سحري وجميل لمشاكل انية كثيره مع انه حل وهمي لكنه سحري لمن كان جاهلا …..

  4. التنبيهات: صور قديمة للشخصيات اللبنانية -8- | نـقـد بـنـّـاء

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s