الى المدخنين فقط


لمناسبة البدء بتطبيق قانون الحد من التدخين في الأماكن العامة في لبنان، ونظراً لأنني من المدخنين وأن القانون هذا لا يعنيني ولن أطبقه بكل بساطة، لن أتطرق في هذا النص إلى القانون وأبعاده، ومصلحة التجار والسياحة… وكل هذا الكلام المكرر البليد.

 ***

إذا كنت سأعبد بشرا يوما ما،  فسأعبد شعوب المايا، سكان أمريكا وسطى، لأنهم أول من إستعمل نبتة التبغ لتدخينها في حضارتهم منذ 2500 عام. عندما اكتشف المستعمرون الأوروبيون أمريكا لأول مرة على يد كريستوفر كولومبس عام 1492، لاحظوا إن الهنود الحمر، سكان أميركا الشمالية الأصليين، يحرقون نوعًا من النباتات ثم يجتمعون حوله ويبدءون باستنشاق دخانه بشغف وتلذذ، بينما البعض الآخر منهم يمضغ أوراق هذه النبتة التي سميت فيها بعد التبغ.

دخل الدخان أوروبا عام 1559 حين استورد البحار الفرنسي وسفير فرنسا في البرتغال “جان نيكوت” هذه النبتة ليرسلها إلى ملكة فرنسا لعلاجها من صداع كانت تشكو منه، وأصبحت المادة الرئيسية في هذه النبتة تسمى “نيكوتين” نسبة إليه. في حين تمّ الاستيراد التجاري الأول إلى أوروبا من قبل طبيب أسباني، أرسله الملك الإسباني فيلب الثاني في رحلة استطلاعية للمكسيك، فعاد ومعه نبات التبغ، ليبدأ الأوروبيين بزرعها لتعود وتنتشر في جميع أقطار العالم.

ما اسم أول إنسان مشى على كوكب الأرض؟ متى نشأ أول دينٍ قديم وما كانت مميزاته؟  كيف بنى المصريون الأهرامات؟ كيف مات محمد حقاً ؟ كيف استطاع  نوستراداموس النجاح في التنبؤ ؟ هل مات الفيس بريسلي فعلا؟ من قتل جون كينيدي؟ بشير الجميّل؟ رفيق الحريري؟ وماذا عن توباك ؟…

هذه الأسئلة المختلفة تحيرني فعلا ولا أجد لها إجابات شافية…ولكن السؤال الأهم الذي لم ولن أجد له إجابة والذي يثير حيرتي إلى ابعد الحدود هو:

كيف يعيش الناس بدون تدخين ؟

– في أيام الشتاء لا غنى عنها، فسيجارة حمراء ملتهبة مع كوب شاي ساخن وأنت تحاول تدفئة قدميك الباردتين مشاهدا مسلسلا ممل أو فيلما تافه تعطيك دفئا أكيد…قدمها حلاً للباردين.

– السيجارة تخفف ضغط الدم وتعطينا انتعاش يدوم ويدوم، وتنقذنا غالبا من ثرثارات أصدقائنا في الجامعة والعمل. فنتناولها باردةً من علبة كرتونية ونحرقها كما يحرق النار الهشيم  ونحن نتظاهر بالاهتمام بحديثهم، ويا حبذا لو أقرناها ببعض من المشروبات الغازية لنتذوق أجمل نكهة في الحياة، فما علينا إلا أن نسحب نفسًا عميقًا منها ثم وبسرعة نقرنّها برشفة من المشروبات الغازية الباردة فنذهب إلى عالم آخر…قدمها حلا للحالمين.

– لو أردت المذاكرة أو الكتابة أو المطالعة…فأسرع إلى علبتك، وضع إحدى بناتها في فمك، فيمتزج العلم مع السيجارة، امتزاج عناصر الحياة الحقيقية…قدمها حلا للجهل.

– أما إذا شعرت بالجوع بانتظار انتهاء الإعداد لوجبة ما، فضع منها حول ثغرك، فأشعلها لهيب أحمر فتؤنسك خلال انتظارك الطويل وتسد جوعك لبرهة… قدمها حلاً للمجاعات.

– هذه القطعة الظريفة والقصيرة التي نشربها غالبًا بعد وجبة طعام دسمة لنحبس فيها الطعام ونعلن نهاية معركة من اللذة تحضيرا لمعركة أخرى، لا غنى عنها بعد وجبة الإفطار صباحا، مع السمك المقلي ظهرا أو قبل الذهاب إلى أعمالنا الكئيبة…فهي من تروي تعب أوقاتنا وكفاف يومنا… قدمها حلا لنروي غريزتنا.

 

– رائحتها العبقة المتسربة إلى كل مكان، في ثيابك وجلدك، في أريكتك وفضائك…فحين يصبح كل ما من حولك رائحته متشابه لها، ستعرف معنى الرائحة الذكية، وستلعن عندها الورود والعطور والزهور، وستسأل نفسك لماذا لا تعبّأ رائحة الدخان في قوارير وتباع كعطور…قدمها حلا للروائح الكريهة.

– أحيانا بعد انتهائك من عملك الكئيب المليء بالخبث والنذالة مِن مَن يعملون معك، تشعر انك تفتقد إلى شيء ما، ما عليك إلا أن تبحث عن اقرب مقهى لتطلب كوباً من القهوة الساخنة وترشفه مع سيجارة جبارة شهباء تعيد لك الروح  وتنزع عنك الحذاء بحركة لا يلاحظها أحد لتشعر براحة عجيبة بعد يوم عمل شاق… قدمها حلا للمتعبين في هذا العالم. (لا تنسى أن تترك بقشيشًا للنادل)

– إذا أصابك الزكام، فلا تقلق، فالحل بسيط جدًا، أحضر سيجارة على طعم النعناع وأشرفها كأنها آخر عمل تقوم به في حياتك، فتتفتح خياشيمك كما تتفتح الورود عند إقبال الربيع، فتلعن حينها الأدوية العقيمة…قدمها حلا للمرضى.

– كم من مرة رافقت التعصيب وهمومك الخاصة وهموم الآخرين بقبلات حارة شاركت السيجارة بها، كم من مرة عند فرحك بإنجاز عظيم أو بتحقيق ذاتك في أمر ما حملتها إلى فمك متمنيا لها الموت بسلام لتتمم النصر المعنوي الذي حققته…قدمها حلا للمشاكل والتجارب والصعاب.

– في الدفن والعرس والمناسبات الاجتماعية والدينية…كم من مرة تمنى الحاضرون في نفوسهم شرب سيجارة وعدم الاستماع إلى الأبله الذي يتكلم في مسائل الدين أو يبكي وينوح…قدمها حلا للأوقات والأرواح الضائعة.

– يجلس المشرد وحيدًا تحت جسرٍ ما، في نفسه الكثير وقد عرف زواريب الطرقات ومشاقّها كما زواريب الحياة ومشاقها، فيرجع آخر الليل إلى سكونه في قلب المدينة، بعيدًا عن المدينة، ليمج سيجارة آخر النهار في الليل متأملاً بواقعه ولا إنسانية هذا العالم…قدمها حلا للمشردين.

– عند سماع الأخبار والسياسيين، لا تستطيع إلا أن تأخذ من عطر سيجارتك شرابا متسمّرا أمام الشاشة متفرجا على سخافة البشر وعبوديتهم للسياسيين نائيا بنفسك عن مثل هذا الأمر متحررًا من سلطتهم بواسطة السيجارة…قدمها حلا للمستعبدين.

– بعد ليلة مليئة بالحب والجنس والسوائل على أنواعها، شغف وحب ومشاعر ولذة، تأخذ سيجارة آخر الليل ناظرًا إلى امرأتك كيف تغط في نومها بعد التعب، مشتهيها من جديد ولكن تكتفي بسيجارتك وتفجر شبقك فيها، قاتلا محولاً إياها إلى رماد…قدمها بخورا على نية العذارى.

*** 

أرجوكم إذا كنتم من الأشخاص الذين يفضلون النرجيلة بسماجتها وشكلها المعدني الغريب وصوتها المتكرر المزعج وصعوبة تحضيرها، ناهيك عن ثقل دمها المعهود وتاريخها المقرون بالتنبؤ والسحر والشعوذة، فقد حان الوقت لتغير حياتك بتغيير دخانك إلى السيجارة.

رجاء أخير: كلما دخنت سيجارة من اليوم إلى الأبد في الأماكن العامة أو الخاصة…أرجو منك تذكّر هذا الشعب العبقري الذي اكتشفها منذ آلاف السنين.

 —————-

إقرأ أيضاً :

الإنتحار
الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

Advertisements

4 thoughts on “الى المدخنين فقط

    • طبعاً، أنا مع تشجيع لتدخين وبرهنت بالنص فوق شو فوائدها. هي الحل لكل الأمور المستعصية في هذه الدنيا. ولولا “جمالها” لما راجت بين الناس 🙂

  1. كنت مفكّر حالي بحب التدخين, طلعت بتعبيني بجيبتك الزغيرة… may the invisible pink unicorn (peace be upon its hooves) bless you for this article 🙂

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s