الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية -1-


جو حمورة

القسم الثاني من الأمثال الشعبية اللبنانية الطائفية موجود هـنـا

قد يظن العديد منّا أن الطائفية والإحساس بها أمر مُستجد في تفكير وأقوال الشعب اللبناني، إلّا أنّه عند محاولة الاطلاع على مضمون الأمثال الشعبية اللبنانية القديمة مثلاً، والتي تعود لمئات السنين، نكتشف العكس.

إنّ مضمون الأمثال الشعبية لخير دليل على واقع شعبٍ مُعيّن، وعلى أسلوب عيشه ونمط تفكيره الاجتماعيّ والسياسيّ والثقافيّ. والأمثال، كتراثٍ شعبيّ، نابعة من تجربة حيّة لأناس أطلقوها وشاعت لصِحتها، كما ساهمت في تشكيل الوعي الجماعيّ لكل طائفة في لبنان. والأهم، أنها تسلّط الضوء على هويّة الناس الحقيقية، خصوصاً أنها راجت بينهم وكانت نتيجة تفكيرهم ولم تُفرض من الخارج عليهم.

village_in_mount_lebanon-1208817358

الأمثال الشعبية إذاً ليست مجرد كلمات سهلة الترداد وفيها نوع من القافية، بل هي مرآة صادقة لتجارب تاريخيّة، فرديّة وجماعيّة، تفسّر ما حدث وما زال يحدث على المستوى الفرديّ والجماعيّ.

ولبنان، كما غيره من الدول، يَكثر في تاريخه القديم أمثال لا يزال بعضها يُستعمل حتى اليوم، ومنها ما يدلّ على واقع وإحساس طائفيّ عُبّر عنه من خلالها. أورد بعضَها هنا، مع تفسير موجز عنها:

–  اللّي أَخَد من غير مِلّتو مات بعلّتو!  (وتعني أن الذي تزوج من غير طائفته، سيواجه مصاعب جمّة في حياته)

–  موراني وخَيّر؟ شي بـ حَيّر! (وتعني أن المارونيّ لا يمكن أن يكون خيراً ومعطاءاً، وقد يكون المقصود بها أن الماروني بخيل)

–  البَدَوي إذا غسّلتو بـ يموت! (البدوي، أو أبناء البدو، هي الصفة التي كان يطلقها المسيحيون في جبل لبنان على المسلمين، دلالةً منهم على أن المسلمين أتوا من الصحراء وينتمون لحضارة البدو، ودلالة على رائحتهم النتنة)

–  إذا كانت الكنافة بيدخّلا توم، الماروني بيحب الروم! (دليل على “الحب” المستحيل بين الموارنة والروم الأرثوذكس)

–  الروم ما بيكسّر راسو القدوم! ( يُقصد بها أن الروم الأرثوذكس متعصّبون وكثيري العِناد)

–  جازة نصرانية: لا فرّاق الا بالخنّاق! (مثل يقوله المسلمون، إذ يَعتبرون أن الزواج المسيحي لا ينتهي سوى بأن يقتل أحد الزوجين الآخر، لأن طلاق المتزوجين مسيحياً صعب وشبه ممنوع)

–  التِّركي ولا بكركي! (بكركي هي مقر البطريركية المارونية. حين أراد الموارنة إقامة دولة لبنان الكبير، ظهر هذا المَثل عند العديد من الطوائف الأخرى، رفضاً منهم للدولة ذات الغلبة المارونيّة وتفضيلهم الحكم العثمانيّ – التركي عليها)

–  الخوري مارون ومن أميون! (بلدة أميون كان يسكنها الروم الأرثوذكس فقط، بينما اسم “مارون” هو خاص بالموارنة، فالمثل هذا مقصود به التقاء المستحيل)

–  صلّي عند الروم، وقدّس عند الموارنة! (الصلاة عند الروم الأرثوذكس قصيرة بينما قداسهم طويل، أما الموارنة فبالعكس)

–  صباح إبليس ولا صباح القسيس. صباح الشيطان ولا صباح الرهبان. صباح النوري ولا صباح الخوري! (هذه الأمثال الشعبية تقال عن رجال الدين المسيحيين)

–  رَيتو حمار المُوراني يشخّ بديارك! (كان طبيب ماروني من البترون يأتي إلى قرى منطقة الكورة على حماره ليعالج الناس الأرثوذكسيين هناك. هذا القول هو دعاء على الآخر لكي يَمرض)

– تعشّى عند الدرزي ونام عند المسيحي! (أصل هذا المثل يعود إلى صفة الغدر التي كان المسيحيون والمسلمون ينسبوها للدروز، وفي هذا المثل خوف من أن يطعن الدرزي ضيفه في الليل)

***

الأمثال إذاً، جزءٌ من حياة الشعوب وتاريخها، تتضمن الموروث التاريخي وتعبّر عن مضامين الفكر والثقافة العامة. وهي صوت الشعب العادي، والأصدق، بعيداً عن زيف الخطابات الطّنانة والكتب النظرية والنظريات الأجنبية.

بعد هذه اللمحة من الأمثال الطائفية الرائجة في حينها والتي لا يزال بعضها يُستعمل لليوم، لا نستطيع القول أن الطائفية في ما بين الشعوب التي شكلّت دولة لبنان لاحقاً دخلت من الخارج على لبنان، إنما الطائفية هي في صلب الهوية المكونة للبنانيين.

يقول إبن عبد ربه الأندلسي في كتابه “العقد الفردي” عن الأمثال: ” إن الأمثال أبقى من الشِعر وأشرق من الخِطابة”، يبدو أيضاً أن الطائفية هي أبقى عند اللبنانيين من كل إحساس أو إنتماء آخر.

—————

المراجع:‏

أنيس فريحة، “معجم الأمثال اللبنانية الحديثة”

سعد الدين فروخ، “قاموس الأمثال البيروتية”

————————

إقرأ أيضاً :

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية (القسم الثاني)

Advertisements

19 thoughts on “الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية -1-

  1. هاهاهاها,,, حلوين هيدول الامتال,,, ,الموضوع احلى,,, فعلا ما في متل جايي من فراغ,, كل متل قله حكاية ورواية,,, ضلت منعكسة آثارها على اجيال

  2. التنبيهات: le confessionalisme dans les adages libanais…. « Ritachemaly's Blog

  3. تدوينة مميزة فعلا.و لكن من المؤسف أن الطائفية معششة فينا نحن اللبنانيين منذ قديم الزمان.

    • صحيح يا نور, إن الشعب اللبناني، كما شعوب الشرق كلهاـ هو طائفي في هويته وفكره وممارسته. وهذه الصفة لن يلغيها شيئ.

  4. التنبيهات: صور قديمة للشخصيات اللبنانية -5- | نقد بنّاء

  5. التنبيهات: صحافيو تركيا: إلى السجن دُر! | نـقـد بـنـّـاء

  6. التنبيهات: قد صمد أردوغان، ماذا عن الاقتصاد التركي؟ | نـقـد بـنـّـاء

  7. التنبيهات: صراع “أردوغان” و”غولن”.. و”الحليف” اللدود | نـقـد بـنـّـاء

  8. التنبيهات: الطَيب والداعيّة: صراع الإسلاميين في تركيا | نـقـد بـنـّـاء

  9. التنبيهات: الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية 2 | نـقـد بـنـّـاء

  10. التنبيهات: الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية -3- | نـقـد بـنـّـاء

  11. التنبيهات: الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية -4- | نـقـد بـنـّـاء

  12. التنبيهات: الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية -5- | نـقـد بـنـّـاء

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s