ميشال عون..من نجاح الى فشل


جو حمورة

إن ذويّ الأفكار السخيفة يظنون دائماً بأن منصب الرئاسة مركزه الرئيس بذاته، في بدلته الرسمية وكرسيه ومنابره، ولكن فعلياً إن منصب أي رئيس هو تلك العلاقات المتبادلة بين الناس، هو ذاك العرض الفردي المتناسب مع الطلب الجماعي، وهو رئيس فقط لأن مصالح وأضرار آلاف الناس مرآة في شخصه. وعندما يطيح مدّ نجاح غيره عليّق الأوضاع المهترئة ويُحدث أي إنجاز، يظهر الرئيس كرجل منبوذ، كثير السخط والصراخ وذو شفةٍ سفلية متدلية من أثار الخيبة. والمدعو “الرئيس ميشال عون” لخير دليلٍ على ذلك.

إن الجدال حول شخصية “الرئيس ميشال عون” وأساليب ممارسته للعمل السياسي وقيمها يصبح خاطئاً بالمعنى العلمي إذا ما تمّ البحث عن سر فشله في شخصه بالذات ذلك لأن المستور منه يبقى أكثر من الواضح فيه. كذلك فإنه من المستحيل توافر شخصية سياسية غريبةٍ أخرى لها المواصفات نفسها لتشكل معه أداةً للمقارنة. لذا فلا نستطيع أن نحكم سوى على ما نرى، وهذا ما نراه:

– نجح “الرئيس ميشال عون” في تدعيم تياره بمدٍ بشري مُلتزم ومتعاطف بشكل متضاعف عقب عودته من منفاه الباريسي بصفقة مشبوهة، كما عمد إلى استخدام ثلاث دعائم أساسية مكّنوه من التهيؤ للعب دورٍ أكبر على الساحة السياسية اللبنانية، وهي: رفضه القاطع لكل السياسات السابقة وما أنتجته من فشلٍ ذريع مِن مَن حكموا لبنان قبل العام 2005 وهذا ما يروق للبنانيين سماعه وهم المحبين عادةً إلى إلقاء اللوم على أي فاشل وعدم الاكتراث بتهنئة أي ناجح. الوقوف وحيداً بوجه تحالفٍ كبير عقب الانتخابات البرلمانية التي تلّت عودته من الخارج ما أفرز عطفاً كبيراً نحوه مكّنه من الفوز بحصةٍ كبيرة من المقاعد النيابية جعلته شريكاً في النظام السياسي ولاعباً أساسياً فيه وإن كان في بعض الأحيان خارج السلطة. اعتماده خطاباً طائفياً مستتراً يعمد إلى شد العصب المسيحي بشكل عام بإتجاه السنّة بشكل خاص، والظهور بمظهر الحامي لمصالح المسيحيين التواقين إلى أي زعيمٍ طائفي يكون معبراً عن آمالهم وحامي قطع الحلوى خاصتهم في لعبة السلطة اللبنانية ومكاسبها.

قد يكون هذا الرجل حينها داهية من الدواهي، ولا بد لي أن أنحني إحتراماً لمستشاريه الذين قد يكونون واضعي خطته هذه التي مكنته من الصعود العمودي في بورصة الزعامات اللبنانية في تلك المرحلة، ولو إنه جاء ليملئ مُشاعاً سببه فراغ الساحة المسيحية من زعيمٍ حقيقي بسبب إعتقال الدكتور سمير جعجع وعدم إمكان أيٍ من الزعامات التقليدية من لعب هذا الدور أبعد من مناطق نفوذها المناطقية الضيقة.

غير أن تفوقه في بورصة الزعامات الشعبويّة بدأ بالضمور كشمعةٍ ذابت ولم تعد صالحة لتنير ليالينا السوداء أصلاً بسبب أزمة التيار الكهربائي المدارة من تياره.

– فشل ميشال عون في الحفاظ على شعبيته التي حصل عليها في العام 2005 لعدة عوامل ومنها: تحالفه السياسي مع حزب الله والذي إن فاده في الوصول إلى السلطة وكسب المغانم الوضيعة فيها إلا أنه أخسره بعض أشكال التأييد النفيس من قبل المناصرين الجدد، كذلك مشاركته غير المعتادة في قطع الطرق وحرق الدواليب عليها في العام 2007 والتي لا تروق عادة لبعض ملتزمي التيار الوطني الحر المؤمنين بسلمية العمل السياسي، بالإضافة إلى المشاركة بالاعتصام الفاشل في وسط بيروت لمدة سنة من دون أي مغزى وطني واضح، ناهيك عن حب السلطة والكرسي ولهاث ميشال عون إلى منصب الرئاسة الأولى في البلاد حتى وصل الأمر إلى تحويل التيار الوطني الحر إلى دكانٍ عائلي يتقدم فيه الصهر وجماعته على باقي الزبائن…

إلى أن أتت اللحظة الفاصلة يوم مشاركة التيار الوطني الحر في الحكومة الحالية بنسبةٍ وازنة واكتشف عموم الناس بعد حين أن أحلام التغيير والإصلاح مجرد سراب وإن حسابات الحقل السياسي لم تتناسب مع تمنيات بيادر العونيين، فعمت خيبة الأمل واليأس قلوب كل من آمن بإصلاحٍ أو تغييرٍ ما. وها هو “الرئيس ميشال عون” الذي كان منذ بضعة سنواتٍ المنتقِد الأبرز لكل السياسات الحكومية أصبح اليوم المنتَقد الأول بسبب سياساتها وفشل وزرائه في أدائهم، زد على قيمة الانتقاد هذا أن لبنان لم يشهد أفشل من هكذا حكومة.

قد يكون الطرف المشارك في الحكومة في لبنان أو العالم معرض إلى خسارة قسم من شعبيته لأن طبع الإنسان هو كره ورفض السلطة في حين ميله الدائم هو نحوى المعارضة، ولكن بالرغم من أن هذه الحجة ليست بمبررٍ كافٍ لتراجع شعبية عون وفشله يبقى أن نقول إن مردها الحقيقي هو الفشل بالحكم بكل بساطة. وكل اللبنانيين يعرفون أنه لم تأتِ حكومةٍ أفشل من تلك الموجودة اليوم لا في الأمن ولا السياسة ولا الاقتصاد ولا الخدمة العامة… والأهم أن من بنّا كل ما لديه من شعبيةٍ عبر انتقاد سياسات غيره في الحكم منذ عشرين عامًا بات اليوم معرضاً للهجوم والانتقاد بالحجة نفسها.

في 13 تشرين الأول عام 1990 قال الرئيس ميشال عون لجنوده: “منعاً لإراقة الدماء وإنقاذاً لما تبقّى أدعوكم إلى تلقي الأوامر العسكرية من العماد إميل لحود”، أما اليوم فمنعاً للمزيد من الفشل الحكومي وإنقاذا لما تبقّى من شعبيتكم استقيلوا من الحكومة.

——————————-
يمكن مراجعة المقال بشكله الأساسي على موقع القوات اللبنانية

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s