قانون الإنتخابات والتمثيل المستحيل


جو حمورة

مما لا شك فيه أن أي إصلاح حقيقي في لبنان، للنظام والدولة والمؤسسات، لا بد وأن يمر أولاً بوضع قانون إنتخابي يكون هدفه التمثيل الصحيح للبنانيين.

ومن خلال مراقبة ودراسة جميع العمليات الإنتخابية السابقة، وخصوصاُ النيابية منها (1)، يتضح بما لا يقبل الشك أن المقترعين يقومون بإدلاء أصواتهم على أساس خيارات طائفية، فمثلاً ينتخب قسم من المسيحيين هذا الحزب المسيحي لأن دافعهم هو الخوف من أحد الأطراف المسلمة ويعتقدون في قرارة نفسهم أن هذا الحزب الذين ينتخبون، إن كان قويا،ً فسيقف في مواجهة الفريق المسلم القوي (تصح هذه النظرة على معظم الأحزاب المسيحية، التي تستعين بخطاب طائفي محرض ضد الطوائف الأخرى مموهة بشعارات شكلية لكسب أصوات المسيحيين) كذلك الأمر بالنسبة لمعظم الأطراف المسلمة التي تقوم بالأمر عينه ضد بعضها البعض أو ضد الأطراف المسيحية الأخرى.

لذا، فعملياً يقترع معظم المواطنين نواباً عبر خيارٍ طائفي هدفه وقوفهم في وجه الطوائف الأخرى، معبرين بذلك عن حالة الهلع الطائفية التي تتملكهم فيكون المواطن اللبناني محكوم بالإنتقاء بين مرشح سيء وآخر أسوأ، لذلك تعود الطبقة السياسية عينها كل مرة إلى المجلس ولا أمل للوجوه الجديدة والأحزاب الصغيرة ببلوغ مقاعده.

أما وإن إنطلقنا من المسلمتين الدستوريتين التي لا يستطيع أي قانون للانتخابات النيابية الهروب منهما وهم:

– توزيع المقاعد النيابية بالتساوي بين المسلمين والمسيحيين (المادة 24 الفقرة أ)

– إلغاء الطائفية السياسية عبر تشكيل هيئة وطنية مهمتها دراسة واقتراح الطرق الكفيلة بإلغاء الطائفية ليتم في المرحلة الانتقالية إلغاء قاعدة التمثيل الطائفي واعتماد الكفاءة. (من الفقرة “ز” من وثيقة الوفاق الوطني – إتفاق الطائف)

فإنه وبالرغم من تناقض هاتان المادتان في حال مقاربتهما مع موضوع وضع قانون للإنتخابات النيابية في لبنان من حيث دعوة البعض إلى إعتماد النسبية خارج القيد الطائفي في التمثيل، إلا أن هذا الطرح لا يبقى سوى صرخة صبيانية من بعض الناشطين بعيدة عن الواقع ومخالفة أصلاً للدستور في المادة الأولى التي ذكرناها.
كما إن المسلمة الأولى لا مفر من تطبيقها بينما الثانية لم يُعمد إلى تطبيقها يوماً، وعدم تطبيق الأولى سيكون أشبه بانتحار لبناني جماعي! 

أما عن المشاريع المطروحة والتي سنوردها تباعاً مع شوائبها التمثيلية، يجب، لكي تؤمن التمثيل الصحيح، أن تراعي ثلاثة شروط مبدئية:

الأول: التمثيل الصحيح لجميع الطوائف اللبنانية

الثاني: تساوي الأفراد من حيث عدد النواب الذين يحق لهم الإقتراع لهم

الثالث: المناصفة بين المسلمين والمسيحيين تطبيقاً للمادة 24 من الدستور اللبناني

– لبنان دائرة واحدة على أساس أكثري:

هذا القانون سيؤدي إلى طغيان الفريق المسلم على جميع المذاهب المسيحية فينسف الشرط الأول وهو التمثيل الصحيح لجميع الطوائف اللبنانية، ويؤدي حُكماً إلى تبعية سياسية من المسيحيين للمسلمين لحاجتهم لأصواتهم لضمان الفوز.

– لبنان دائرة واحدة على أساس نسبي خارج القيد الطائفي:

كما قلنا سابقاً، فهذه حركات وأطروحات صبيانية من بعض الناشطين مخالفة للدستور تضرب الشرط الثالث الذي ينصّ على المناصفة بين المسلمين والمسيحيين وسيلغي حتماً أي تمثيل للمذاهب الصغيرة.

– لبنان دائرة واحدة على أساس نسبي ضمن مراعاة القيد الطائفي:

هذا القانون سيؤدي إلى طغيان الفريق المسلم على جميع المذاهب المسيحية فينسف الشرط الأول وهو التمثيل الصحيح لجميع الطوائف اللبنانية ويؤدي إلى تبعية سياسية من المسيحيين للمسلمين لحاجتهم لأصواتهم لضمان الفوز.

***

– لبنان دائرة متوسطة (2) على أساس أكثري:

هذا القانون ينسف الشرط الثاني فيكون للفرد في محافظة النبطية مثلاً الحق بالاقتراع لـ 12 مرشحاً، بينما من هو من محافظة جبل لبنان فيحق له الاقتراع لـ 35 مرشحاً. كما يؤدي هذا القانون أيضا إلى نسف التمثيل الطائفي الصحيح، فالمقعد الشيعي في جبيل سيأتي به موارنة جبل لبنان كما مقعد الأقليات في بيروت سيأتي به السنة…إلخ

– لبنان دائرة متوسطة على أساس نسبي:

ينطبق لهذه الصيغة نفس التعليل لمشروع القانون السابق، زد على ذلك فإن المرشحين على المقعد الوحيد لطائفة معينة سيتم انتقاءهم على أساس أكثري أما البقية من رفقاءهم ومنافسيهم على اللائحة الأخرى فسيتم انتقائهم على أساس نسبي.

***

– لبنان دائرة صغيرة (3) :

هذا يؤدي حُكماً إلى عدم صحة التمثيل لطغيان بعض الطوائف على غيرها، كما يؤدي إلى حصول السلطة المقررة لقانون الانتخابات على سلطة إستنسابية في تقسيم المناطق والأقضية، فمثلاً هل يكون قضاء الكورة مع أقضية البترون وزغرتا أو مع أقضية زغرتا وطرابلس والمنية، أو مع قضاء بشري والبترون والضنية…إلخ

– لبنان حسب قانون الستين (الأقضية)

هذا يؤدي إلى عدم مراعاة الشرطان الأولان عبر طغيان بعض الطوائف على غيرها في معظم الأقضية وإمكانية من هو من دائرة بيروت الثالثة مثلاً بالاقتراع لـ 10 مرشحين في حين من هو من قضاء بشري فيقترع لمرشحان فقط.

– لبنان حسب قانون اللقاء الأرثوذوكسي ( كل طائفة تنتخب نوابها)

هذا يؤدي إلى تمثيل صحيح لجميع الطوائف اللبنانية لكن ينسف الشرط الثاني فيكون للعلويين مثلاً الحق بالاقتراع لشخصان منهم ليمثلوهم في حين يحق للموارنة الاقتراع لـ 34 مرشحاًً.

– لبنان حسب نظام الدائرة الفردية ( One man one vote)

بعد أن يتم قسم عدد الذين يحق لهم الإنتخاب على عدد المقاعد نحصل على العدد المتوسط للمقترعين للمقعد الواحد، فإن كان خمسون ألفاً مثلاً، فيكون لبعلبك نائبان في حين يكون لأبناء بشري، الكورة، زغرتا مجتمعين نائب واحد. ناهيك عن صعوبة إقتسام والتوفيق بين: المساحة الجغرافية وعدد السكان وعدد المقترعين وعدد النواب…

لذا، وبعد معاينة جميع القوانين الإنتخابية المطروحة يتضح أنها كلها لا تؤدي إلى تمثيل صحيح، فهنيئاً للمجلس النيابي القادم، وهنيئاً لشعب وأحزابٍ ومفكرين ودولة لا يستطيع أحدٌ فيها استنباط قانون انتخابي يؤمن شرط أساسي وهو صحة التمثيل.

———————–

1- حتى الانتخابات البلدية التي ليست محصورة قانونياً بأي شكل من أشكال التقاسم بين الطوائف للمقاعد، نرى أن اللبنانيين يعتمدون إلى إقتسام هذه المقاعد بصفقات فيما بينهم على أساس طائفي، ما يؤكد أن الطائفية ليست في النصوص فقط بل في النفوس وهي المحرك الأساس لكل عمل سياسي في لبنان.

2- قد تعني دمج بعض الأقضية مع بعضها البعض لكن المقصود فيها هنا هو اقتسام كل محافظة إلى دائرتان.

3- أي دمج بعض الأقضية مع بعضها البعض لتشكل دائرة واحدة.

يمكن قراءة النص هذا بصيغته الأصلية على موقع الكلمة أون لاين

العودة الى الصفحة الأساسية

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s