فلنحارب الطائفية بالطائفية !


جو حمورة

في لبنان توجد حقيقة ثابتة تتقدم بصحتها على باقي “الحقائق” والآراء العامة وهي: إن الانتماء الأولي لمعظم الأفراد اللبنانيين هو لطوائفهم. وهذا الانتماء العميق، في وجدان أصحابه، يأتي قبل انتماءهم للدولة أو الوطن أو أي شيء آخر. فالطائفية في لبنان ليست حالة شاذة، غريبة أو نادرة وليست كذلك نتيجة النظام السياسي، بل إن النظام السياسي هو على شاكلة الناس: طائفي الهوى والإنتماء شكلاً ومضموناً.

ففي الواقع “نحن طوائف، ليس في لبنان وحسب، بل في الشرق برمته، من شواطئ الأطلسي حتى آخر جزيرة في اندونيسية. وهذه الطوائف ليست فرقاً دينية بالمعنى الحصري للكلمة، إنما هي مجتمعات تاريخية. وكلٍ منها جسم مجتمعي تاريخي متلاحم، تداخلت فيه وتشابكت، في فعل جدلي، مواقف ومفاهيم دينية بمواقف وخيارات سياسية. وقد تبلور هذا الجسم، عبر الأجيال، على الأصعدة المختلفة مما أفرز واقعاً مجتمعياً ومادياً ومعنوياً وروحياً وطقسياً وثقافياً وسياسياً عرفت وتعرف به الطائفة” (1).

فالإقرار بالتمايز بين الطوائف اللبنانية ليس فيه أي تعصبٍ طائفي أعمى إنما هو مجرد معاينة لواقع الشعوب اللبنانية وهو قول الأمور كما هي بعيداً عن المثاليات النظرية والفلسفات الشوفينية اللبنانية التي تدعي وحدة الشعب اللبناني، غير إن ما يميز الطوائف اللبنانية، عدا كون كلٍ منها مجتمعاً تاريخياً وسياسياً قائم بذاته، هو تطورها الداخلي (الثقافي والسياسي والاقتصادي.. ) الخاص بها بمعزل عن غيرها. في حين تتشارك كل الطوائف – الشعوب الموجودة في لبنان بعاملان مشتركان هما:

– الخوف الوجودي من الآخر

– السعي للمحافظة على الوجود السياسي والطائفي والسلطوي على حساب الآخر

وضمن هذا السياق إن كل تعايش في لبنان بين الطوائف حالياً ما هو إلا تعايشٌ مُصطنع، لأن التعايش المبني على الخوف ما هو إلا تعايش قسري ينتظر أصحابه الفرصة للانقلاب عليه حسب موازين القوى السياسة والديمغرافية… ولا شك أن الخلافات الطائفية والصراعات المذهبية والتعصب الطائفي في لبنان، منذ مئات السنين حتى اليوم، لخير دليل على إن كل محاولات الانصهار والتلاقي والتعايش قد باءت بالفشل.

وهكذا يبقى الحل العملي المفيد، لدرء مضار الطائفية هو إقامة نظاماً سياسياً جديداً يؤمن شرطان أساسيان:

– إلغاء لدى كل أتباع طائفةٍ الشعور بالخوف الوجودي من الآخر

– المحافظة على الهوية المجتمعية التعددية، الثقافية والسياسية الخاصة بكل طائفة من الطوائف اللبنانية

 وطبعاً لن يكون النظام المثالي، رغم كونه نظرياً مثالياً، النظام العلماني، لأنه وبكل بساطة يخالف هوية الشعب اللبناني الطوائفية، ولأن القاعدة العلمية الأولى في عملية إقرار الأنظمة السياسية ودراسة علاقتها الجدلية مع الشعوب هي قاعدة أن يكون النظام مشابهاً لهوية الشعب لكي يؤمن الاستقرار في المجتمع، لا أن يكون النظام مثالياً ولكن يتناقض مع هوية الشعب.

لذا، ولأن الشعب اللبناني تعددي وهويته طائفية ، ولأن الانتماء الأولي للبناني هو لطائفته، فالنظام السياسي الأمثل له هو النظام الطائفي التعددي. وطبعاً ليس هذا النظام النتن القائم حالياً في لبنان، لأنه كرس الطائفية فقط في تقاسم الصلاحيات السلطوية في الدولة ولم يتعداها إلى الإقرار بالهوية المجتمعية الخاصة لكل طائفة من الطوائف المكونة للوطن وإقرار حمايتها سياسياً ودستورياً واجتماعياً من الآخر.

وضمن هذا الإطار ولأن كل بلوى هذا الشعب هو تحالف السياسيين – رجال الدين – الإنتلجنسيا اللبنانية حول تقاسم خيرات بلده ومستقبل أبناءه، وإن بدوا مختلفين إلا أنهم متفقين تماما على إبعاد هذه الحقيقة المذكورة سابقاً (التعددية المجتمعية في لبنان) عن معرفة الناس، والعمل يومياً على إنكارها والتمسك بنظريات أخرى تمنع اللبناني من الحلم والعمل لنظامٍ سياسي أفضل…  لذا نسمع بين الحين والآخر نظريات ودعوات وتصاريح من سياسيين عجزة مستغلين للوطن يدّعون أنهم ضد النظام التعددي والفدرالي، ومن حججهم أن مساحة لبنان صغيرة ولا تسمح بإقامة هكذا نظام، لذا نورد بعضاً من الإحصاءات العلمية للدول الفدرالية القائمة حالياً في العالم ومساحاتها وكيف تعيش حياة إستقرار تتناقض مع حياتنا المليئة بالصراعات.

من الدول ذات النظام الفدرالي هناك: الأرجنتين، أستراليا، النمسا، بلجيكا، البوسنة والهرسك، البرازيل، كندا، جزر القمر، إثيوبيا، ألمانيا، الهند، ماليزيا، المكسيك، ولايات ميكرونيزيا الموحدة، نيجيريا، باكستان، روسيا، سان كيتس ونيفيس، جنوب أفريقيا، إسبانيا، سويسرا، الإمارات العربية المتحدة، الولايات المتحدة الأميركية، فنزويلا، النبال… (2)

– يشكل سكان الدول ذات الأنظمة الفدرالية حوالي 41% من سكان العالم (3) وهي بمعظمها دولٌ مستقرة ولا تعيش صراعات بين مكوناتها وشعوبها على عكس سكان لبنان، وبعض هذه الدول ذات تركيبة تشبه التركيبة اللبنانية (دينان أساسيان ومذاهب متفرعة منهما ولكل مذهب هوية خاصة به)

– بعض هذه الدول تبلغ من المساحة ما يقل عن مساحة لبنان أو يوازيها أو يزيد قليلاً: كجزر القمر (1862 كلم2 )، ولايات ميكرونيزيا الموحدة ( 702 كلم2 )، سان كيتس ونيفيس (261 كلم2 )، سويسرا (41284 كلم2 )، بلجيكا (30528 كلم2 )

– بعض المقاطعات الفدرالية في هذه الدول تصل مساحتها إلى 415 كلم2 في النمسا، و162 كلم2 في بلجيكا، في حين مثلاً تبلغ مساحة قضاء جبيل في لبنان حوالي 380 كلم2 .

– يوجد بَلدان عربيان ذات نظام فدرالي وهما الدولتان الأكثر استقرارا: الإمارات العربية المتحدة وجزر القمر، بإنتظار أن يتحول العراق إلى ثلاث مقاطعات على أساس طائفي بدلاً من إثنان على أساس اثني ليتخلص العراق من حروبه الدموية ونزاعاته الطائفية.

وبعد، ولأن التجربة التاريخية “للتعايش” بين مسلمي لبنان ومسيحييه أثبتت فشلها، ولأن الطائفية عميقة في نفوس أبناء الوطن عمق الإيمان ولن يلغيها شيء، لا حل للبنان إلا بإقرار نظامٍ سياسي يشبه اللبنانيين يقر بالتعددية المجتمعية اللبنانية ويهدئ روع الشعوب اللبنانية المتناحرة ويخفف من حدة ذعرها من الآخر وخوفها على دورها ووجودها الفاعل. فعندما يسود نظام سياسي يقر بحقوق الهويات المجتمعية اللبنانية ويحميها يخف التوتر بين الطوائف اللبنانية المتناحرة حول كل شيء، فيقل حُكماً تعصب كل طائفةٍ تجاه الأخرى وانغلاقها على نفسها ويخف منسوب الطائفية في نفوس أتباعها.

لذا، وحقناً لدماء اللبنانيين المتناثرة بإسم الطائفية والحفاظ على الهوية المجتمعية والوجود الفاعل، ومنعاً للمزيد من الحروب والصراعات الطائفية فلنقر نظاماً سياسياً يشبه هوية اللبنانيين، لا حباً بالطائفية ولكن إقراراً بالواقع، فلنحارب الطائفية بالطائفية !

—————————-

1- أنطوان نجم، الطائفية السياسية ومشروعيتها، بيروت، 2010، ص. 10.

2- Handbook of Federal Countries, 2005 – edited by Ann L. Griffiths; coordinated by the Forum of Federations by Karl Nerenberg. McGill-Queen’s University Press.

3- Lijphart Arend, Patterns of Democracy: Government Forms & Performance in Thirty-six Countries. New Haven: Yale University Press, 1999

يمكن الإطلاع على المقال بصيغته الأصلية على موقع الجريدة 

إقرأ أيضاً ضمن نفس الموضوع:

الثنائية اللبنانية: السياسية – التاريخية والهويات المجتمعية. 

مقارنة بين المنطلقات النظرية لطرحين للبنان: النظام العلماني والنظام الفدرالي 

Advertisements

5 thoughts on “فلنحارب الطائفية بالطائفية !

    • زهنا نقول إنو شعب لبنان واحد، لاء منو واحد. نحنا شعوب وحاج نكذب على بعض.
      أما عن التوقيت فالتوقيت حـ يوديني في داهية هههه وعلى الأرجح سأنحر وأرمى بشي قناية تابعة لشي حزب “علماني” 🙂

  1. ما الاحظه هو ان مؤدي الفدرالية في لبنان كثر لكن لا صوت لهم فلماذا يا اخ جو لا نفكر في تجمع معين يجمع الفدراليين المقتنعين بفشل النظام الحالي ليتم وضع مبادئ وخطة عمل معينة لايصال هذه الافكار.

    • شكرا على الفكرة، لكن يمكنك من خلال معاينة ما حالة الأحزاب التي تبنت يوماً الطرح الفدرالي كبديل عن النظام القائم، فالقوات تخلت عنها والكتائب باتت كما كانت دوماً إقطاعية عائلية هرمة، حتى كمال جنبلاط عندما كان مؤيداً للنظام الفدرالي في لبنان حتى العام 1956 تخلى عنها بعد هذا التاريخ… فهذا يؤكد أن التجربة الحزبية لهذه الفكرة كانت فاشلة جداً لذا أي محاولة جديدة قد لا يرسم لها النجاح.
      أما السبب الثاني فهو لأن تنظيم أي حزب في هذا الوطن اللعين سينتهي حاله الى المشاركة في النظام ويشكل دعما له من حيث لا يدري. تماما كالأحزاب “العلمانية” اللبنانية التي تدعي محاربة النظام وهي مشاركة فيه !

      كما أن نشر الوعي حول فكرة الفدرالية برأي المتواضع حالياً أفضل من تنظيم حزبٍ قد لا يلقى موافقة عموم الناس.

      شكرا على المرور سيد ضو

  2. يا جو سؤال واحد يحيرني: لماذا يشغل فكرك لبنان وانت فلسطيني؟ وتتمتع بتجريحه (او برأيك وصف مشاكله دون مواربة)؟
    أتحداك ان تنشرها.

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s