سوريا.. الثورة والحرب


جو حمورة

هناك، على بعد كيلومترات بسيطة خلف الحدود الضائعة، ينتفض أشخاصٌ فقراء بُسطاء على شخصٍ ونظام مستبد حكمهم زوراً 40 عامٍ ونيف بإسم العروبة والممانعة والصراع العربي الإسرائيلي. يرفعون الراية الجديدة المخضرّة سلاحاً سلميّاً في وجه بنادق الغدر، تصرخ حناجرهم مدويّة لتغطي على أزيز رصاص عسكر النظام، تعلو قبضاتُهم عالياً فوق صولجانات الحاكم لتكسر ركود سنين من الجمود السياسي، يرون الموتى أمام أعينهم، يعاينون الجرحى، يصرّحون للإعلام أو ما تيسر منه عن الظلم اللاحق بهم، يناشدون العالم المتخاذل ليرزقهم أي عطاءٍ ولو مشروط، يتضرعون إلى الله ليجنّبهم صعوبة الموت علّه يستجيب، يحملون نعوش أهلهم ورفاقهم إلى القبور، ثم يتقمصون دور الضحايا في جنازات موت أحبائهم لينضموا إلى من سبقهم في مسيرات حزنٍ ودرب جلجلة تكاد لا تنتهي.

 ***

اليوم، وقد بلغ عمر طفل الثورة السوريّة  حوالي الـ 11 شهراّ ، والتي بدأت بكتابة أطفال البراءة شعاراتٍ مناوئة لنظام حكم البعث على جدران مدرسة في مدينة درعا مهد الثورة، تُستكمل الحركة الثورية متنقلةً بين المدن والقرى، النفوس والقبضات، الأروقة والاجتماعات وسط تخاذلِ من النظام الدوليّ الذي أعلن عجزه عن مواكبة مشاكل الشعوب قاطبة، وإصرارٍ شجاع مِمّن يؤمنون بكرامة الموت ويلحدون بذلّ الحياة، فيسقطون يومياً الواحد تلو الآخر رافضين الانصياع والتواني “حتى إسقاط النظام”.

في قراءةٍ سريعة على واقع الأمور والقوّة الفاعلة على الأرض السوريّة اليوم، وإن استثنينا الدول الغربية ومصالحها وتدخلاتها المتشعّبة، نلحظ وجود: النظام وزبانيته من جيشٍ و”شبّيحة” وقوى أمن وبعض المرتزقة من الدول المجاورة بقيادة الأخوان بشار وماهر الأسد، الجيش السوري الحر بقيادة العقيد “رياض الأسعد “المتحالف ظرفياًً مع المجلس الوطني السوري المعارض، قوى الجمهور المتمثلة بالمتظاهرين ويتراوح انتماءهم بين المجلس الوطني السوري المعارض برئاسة “برهان غليون” وأقليّة أخرى موالية لهيئة التنسيق (في حين ينأى  معظم المتظاهرون بأنفسهم عن إبراز الولاء لأيّ طرف منهما)، القوى الإسلامية من إخوان وغيرهم  من المنضوين في المجلس الوطني المعارض، بالإضافة إلى المجلس العسكري الثوري الناشئ حديثاً برئاسة العميد الركن “مصطفى أحمد الشيخ” والذي يُعتبر الأعلى رتبة  بين المنشقين وصديق تركيا المقرّب والمُطالب “بانصياع” الجيش السوري الحرّ لإمرته هادفاً إلى تولّي قيادة تحالفٍ عسكريّ جديد يُنهي حكم “آل الأسد”.

يأخذ العميد السوري الأعلى رتبةً دور المُصعّد والراديكالي، ففي بيان إعلانه عن تشكيل مجلسه العسكري، يبرز منحى تصعيدي إلى أقصى الحدود يناقض تصرّف العقيد “الأسعد” الذي يُهادن حيناً ويصعّد عملياته حيناً آخر، نظراً للظرف السياسي – التكتيكي الراهن والقدرة العسكرية المتواضعة التي يملكها مقارنة مع عديد وإمكانيات القوى العسكرية الرسميّة. إذ يقول ” نعلن تأسيس هذا المجلس تمهيداً لإعلان النفير العام” كما لم يغب عن كلامه دعوة السوريين المدنييّن للتطوّعفي جيش مجلسه العسكري الجديد، مّما يُنذر، تبعاً لتعاقب الأحداث، بعسكرة الثورة وبنشوب المعارك العسكرية الجديّة بين جميع الأطراف المتحالفة “ظرفياً” ضد قوى النظام الرسمي، والمُختلفة ضمنيّاً على منهجيّة وأسلوب هذه الحرب وتركيبة السلطة التي سترمّم أركان الدولة على أنقاض النظام المنهار. إنّه تحالف الثعالب على اصطياد الفريسة المُستعصية، تتخلله معارك دامية للاستئثار بغنائم الفريسة كلٌّ على حدة.

وكذلك، ولأن الوطنية عملة نادرة في سوق التسلّط والسلطة، والسلاح لعبة “الثوار” المفضلّة، والعسكري لا يتبع سوى منطق القوة وأعداد الضحايا التي تحصي معدّله العامّ لارتفاع نسبة احتمال إنتصاره، يتوجّه الوضع السوري اليوم إلى إمكانية نشوء صدامٍ بين مختلف قطاعات العسكريين المنشّقين أنفسهم.

الثورة السورية – الجيش السوري الحر

قد لا يبدو الأمر هذا قريباً ولكن ليس بمستحيلٍ أيضاً، فهو مرتبط بنسبة سرعة انهيار نظام “بشار الأسد” السياسي والعسكري، فكلما زادت الانشقاقات العسكرية في صفوفه وضعفت سلطته على الأرض (دون أن يخسر السلطة بشكل نهائي) كلما بات إقتراب إندلاع المواجهات بين المنشقين أنفسهم وشيكاً.

خاصةً، وان النظام السوري العسكري المَرِن في تحركاته الميدانية، وسطوة مخابراته العسكرية وقدرتها، وتمايزه في العزف على وتر الطائفية وشعار “فرِّق تسُد” لن يبقى مجرد مُتفرّج يراقب إنشاء المجالس والفرق العسكرية من حوله لتتقاسم السلطة الميدانية معه، بل سيعمد إلى ضربها ببعضها بغية إضعافها وبثّ الروح الانهزاميّة في صفوف معارضيه، على إعتبار أن المعارضة السورية تسعى باستماتة منذ فترة إلى انتصارٍ سياسي أو عسكري تستهلكه حجةً ودليل قوّة على النظام لتقنع الدول الكبرى بصحّة رهانها على اندحار الأسد وقدرتها على إتمام المهمة، نظراً لأن منطق وقانون المصالح في السياسات الدولية لا يقدّم الدعم سوى للقويّ على حساب الضعيف.

 ***

…هناك، على بعد كيلومترات بسيطة خلف الآفاق اللبنانية، ينتفض رجالٌ أشاوس يرتدون بزّاتٍ مرقّطة، حاملين سلاحهم في وجه أفرادٍ ونظام مُستبد حكَمَهم زوراً 40 عاماً ونيّف معتمداً حكم الحزب الأوحد، وتُرتهن الترقيات العسكرية فيه لمصلحة طائفةٍ واحدة دون سواها.  يرفعون السلاح راية فتّاكة مدمّرة، ليصطادَ طلقُ رصاصها ما تبقّى من معالم الثورة السلميّة، ترتفع قبضاتهم عالياً فوق جسور الحياة والموت لتهدمها و تكسر ركود سنين من الأحاديّة السلطوية – العسكرية، يناظرون أشلاء رفاقهم أمامهم في الجبهات، يعاينون الجرحى ليقتلوا المزيد إنتقاماً لهم ، يصرّحون للإعلام أو ما تيسر منه عن مطالبهم وشروطهم، يناشدون تجار العالم الوسخ لدعمهم بالسلاح، ويتضرعون إلى آلهة جبّارة علّها تصوّب رميهم، يحملون نعوش رفاقهم إلى جنّات الخلد في مآتم عسكريّة، ثم يُرفعون بدورهم في جنازاتهم لينضمّوا إلى من سبقهم في مسيرات موتٍ متسارعة تكاد لا تنتهي..

لماذا تنقلب كل الثورات الإنسانية إلى حروبٌ عبثية دامية، هل أن النظام لم يربِ فينا الوطنية بشكل كافٍ، أم إن المصالح الخاصة للإنسان دائماً تعلو على مصالح الوطن، أم أن الوطنية بحد ذاتها مجرد كذبة؟

——————————–

العودة الى الصفحة الأساسية

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s