عودة الحريري إلى… الطائفة !


جو حمورة

بعد غياب “مشبوه” دام عدة أشهر، ها إنّ الوسط السياسي والشعبي اللبناني يترقّب عودة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إلى بيروت، في حين يواجه بعض الحياديّون والمناوئون هذه العودة بفتور ولامبالاة كون حضوره، بالنسبة لهم، كما غيابه لا يقدّم ولا يؤخّر كثيراً بالنسبة لمجريات الواقع السياسي اللبناني، يعيش البعض الآخر حالة تلهّف عاطفية موروثة، أو مصطنعة، لملاقاته نظرًاً لما يمثله لهم من زعامةٍ يعوّلون على فاعليّتها. وإن كان سبب غيابه لا يزال لغزاً يلفه الغموض، يبرره مناصريه إلى تلقيه عدد من التهديدات، يرى آخرون أكثر واقعية سبب غيابه هو بعده عن السلطة التنفيذية وحالة الركود السياسية العامّة التي يعيشها لبنان بانتظار سقوط النظام السوري، فيما غيرهم يقولون، بما أنّه من أبرز مكافحي الهدر، فها هو ينتهز وقته الثمين للإهتمام بشركاته ومصالحه المالية في الخارج!

وتيمناً بمقولة أنك لا تعرف قيمة الشيئ إلا حين تفقده، يبقى السؤال الجدّي الذي يطرح نفسه: ما الذي تغيّر إبّان غياب سعد الحريري، وما هو تأثير هذا الغياب على الوطن بشكل عام، وعلى الطائفة السنية بشكل خاص؟ تلك التي تمثل قاعدته الشعبية الشبه وحيدة في لبنان.

قبل الهزيمة السياسية التي حلّت به وبحلفائه أمام قوى الثامن من آذار عبر “تنصيب” نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة، كان سعد الحريري يعتبر الأقوى من دون أدنى شكّ، وربما الأوحد، في صفوف الطائفة السنية على الصعيد الشعبي وفي تمثيله لها في النظام السياسي، مدعوماً بتكتل نيابي “ضخم”، وبمناصرين يمتدون من صيدا وإقليم الخروب وعرسال الى بيروت وطرابلس وعكار…

إلا أن غيابه، وإزدياد وقع التعاطف الشعبي السني مع الثورة السورية، قد أدّى إلى بدء سحب البساط من تحت جلباب “آل الحريري” ونوابه في بعض المناطق، لصالح عدد من الجماعات المتشددة التي تغذي وتوازن معدّل التعاطف المتطرف والمستجد لدى الشارع السُني، نتيجةً لتحول الصراع في سوريا الى شبه حرب سنية – علوية، يضاف عليه أصلاً شعوراً مغذى بالتوتر السني – الشيعي في لبنان والمنطقة دون إغفال الخلفية التاريخية والذاكرة الجماعية لسنة الشمال تحديداً وارتباطهم الاجتماعي والتاريخي مع الشعب السوري والإمتداد الطبيعي والجغرافي شمالاً.

فباتت المظاهرات “السلفية” المنظمة في طرابلس وغيرها والداعمة للحراك الشعبي في سوريا تستهوي الشباب السني، المتأرجح أصلا بين التزامه المعنوي مع تيار المستقبل بما يرمز إليه من زعامة سياسية بارزة على الصعيد الوطني، ومشاعره الدفينة ذات الأبعاد الطائفية المتدينة التى ترقى إلى مستوى الانتماء إلى “الأمة”، انتماءٌ عقائدي مُستتر لا يبرز في العلن. وتشكّل اليوم عاصمة لبنان الثانية مسرحاً ومقياساً غير مباشر لارتفاع رصيد الحركة المتشددة في لبنان، والتي تحتلّ الصدارة بفعاليتها على المسرح السياسي والشعبي في الشمال. بالإضافة الى تنشّق بعض المنتمين إلى كتلة المستقبل نَفَسَ هذا الشارع “المستجد”، وإطلاق مواقف سياسية تدوس السقف السياسي الذي يقف عنده الحريري في “منفاه” المؤقت.

مناصري رئيس الحكومة اللبنانية السابق سعد الحريري وتيار المستقبل – طريق الجديدة

ومنذ أشهر حتى اليوم، ارتكز السقف والخطاب السياسي لسعد الحريري وتيار المستقبل على ثلاثة دعائم أساسية: الدعم المعنوي للثورة السورية، التمسك بالمحكمة الدولية وأطرها القانونية الشرعية، التهجم وانتقاد حزب الله سياسياً وشعبياً والسعي الى إظهار الحكومة مرتهنة للحزب “الإلهي”.

لكن، هذا الخطاب المثلث الأعمدة ما عاد يُلبي الشارع السني المحقون طائفياً، وما عاد يروي ظمأ طائفة تشعر “بالتهميش” سياسياً لبعدها عن السلطة! فالدعم المعنوي للثورة السورية لا يتجاوز كونه معنويّاً ولا يغير في الواقع شيء، وهذا ما أظهرته الوقائع منذ بداية الثورة، كما أن استنزاف الكلام عن المحكمة لم يعد يثير الإستقطاب الشعبي، نظراً إلى أنها باتت “تكافح” في لاهاي في مسيرة قانونية طويلة، كما أن إنتقاد حزب الله لا يتخطى بحدّته خطاب باقي أقطاب 14 آذار بكثير، وإلى أن يهوي النظام السوري نهائياً، يبقى الإنتقاد اللاذع مجرد ردّة فعل لا تغير شروط اللعبة السياسية في لبنان وموازينها، لذا يبرز خطاب تيار المستقبل جامداً مكرراً ويعيد نفسه لدرجة الملل.

وخلافاً لتيّار المستقبل، يؤثر خطاب الحركة المتشددة والسلفية السنية أكثر في استقطاب شارعها، من دون كشف اللثام عن أي نيّة بالسلطة على عكس المستقبل.

من ناحية أخرى وفي جنوب البلاد “يتألق” الشيخ احمد الاسير (إمام وخطيب مسجد بلال بن رباح – عبرا) في صيدا وفي زحام الجنوب السنّي، وهو ظاهرة بحدّ ذاته طرأت حديثا على الواقع السياسي ليقف على مسافة محايدة ومتمايزة بين تيار المستقبل وغيره، آخذاً دور “المستقل” عن كل طرف، في حين يلتف حوله تيار شعبي في تزايد مضطرد، وقد انتهج لنفسه خطاباً ممنهجاً معادياً للشيعة، مدعماً بنظرة دينية – فلسفية تصل أحياناً الى حد تكفيرهم ملهباً النفوس بالمزيد من النعرات الطائفيّة، في ظل تراجع نسبيّ لدور ووجود تيار المستقبل فيها لصالح الحركة الأسيرية الناشئة.

وتبعاً للحركات الإسلامية المتشددة التي بدأ يقوى عودها في رحاب الطائفة السنية في لبنان، يمكننا الإستدلال على أبرز أسبابها ومنها: اعتكاف الحريري عن “الشاشة” والسلطة وخدماتها، وتراجع أداء تيار المستقبل بشكل عام عن تقديم أي جديد موازٍ للحالة السنية المستجدة نتيجة لتطور الثورة السورية الى إقتتال بين السنة والعلويين.

وعليه، وإن كان غير محدد تاريخ عودة الحريري، خصوصاً بعد كسر رجله، إلا أن الواقع يضيىء على بعض المهام الأساسية التي سيسعى الى القيام بها ومنها إعادة لملمة شتات صفوف تياره وشد أزره وضخ الحركة فيه، والظهور كحامي الطائفة والمهتم بشؤونها والمعبّرعن آمالها وشجونها، أي عملياً إسترداد ما سُلب منه شعبياً، وإلا سيصِمه التاريخ بخطيئة إنتقال الشارع السني من حمل لواء ” لبنان أولاً ” بكل ما يرمز من إنتماء وهوية الى حمل لواء ” السنة أولاً “، فينطفئ حلم من هلّل لانتقال الطائفة السنية الى تقديم الإنتماء اللبناني على الإنتماء العروبي في السنوات القليلة الماضية، ليستيقظ على واقع تقديمها الإنتماء الإسلامي ومصالح “الأمة” على الانتماء والمصالح اللبنانية.

بالإضافة الى ذلك تغدو نتائج “مغامرة” الحريري هذه خارج البلاد عاملأً ضعيفاً لم يطل بأبعاده سوى أبناء الطائفة، مما يؤكّد أنه كما غيره من قيادات الحلفاء والأخصام مجرد “زعماء” طوائف لا زعماء على الصعيد الوطني العام.

وفي إنتظار مغادرته شبكة “التويتر” الإفتراضية والعودة الى رحاب الوطن الحقيقي ليدشن بداية معركة إسقاط حكومة غريمه السياسي، يبقى موضوع دراسة حالة الطائفة السنية في لبنان والرهان على احتمال تقلبها من قبضة المدني – اللبناني الى قبضة السلفي – الإسلامي وتفاعلها مع محيطها السوري أولويةٌ يجب استدراكها قبل فوات الأوان، بما لسرعة ومضمون تقلباتها هذه من تردّدات ونتائج مدمرة على لبنان.

————————————-

يمكن الإطلاع على النص بصيغته الأصلية على موقع: جريدة الديار اللبنانية

العودة الى الصفحة الأساسية

Advertisements

4 thoughts on “عودة الحريري إلى… الطائفة !

  1. آخر فقرة بالنص كتير واقعية، ولكن فيما يتعلق بـ”التفادي”، بعتقد وصلت الامور لنقطة اللاعودة، خصوصاً بعد 7 ايار، واثارها على التوتر الطائفي، و”الشعور بالغبن” لدى الطائفة السنيّة، اللي واضح انها انتقلت من مرحلة “المدني -اللبناني” للمرحلة الاكتر “تديّناً”.. من ناحية، تيار المستقبل، بنظرهم، ما دافع عنهم، وما سلحهم، وكل هيدي الاسطوانة، ومن ناحية تانية، في هيدا الشعور بالضعف نتيجة قوة حزب الله وفرضه لقواعده السياسية بقوة السلاح..

    يمكن وصلنا لنقطة اللاعودة كجو

    • صراحة لا دخل لي بأمه ولا علاقة بيننا، ولكن المقصود من كلمة تكفير ليس البعد الفقهي والديني لها إنما إنتقاده الشيعة لحد التكفير والرفض العام، ما يؤدي بخطابه الى بث الفرقة بين الجنوبيين واللبنانيين والتكلم بمنطق طائفي يثير النعرات ويلهب النفوس

      مع العلم أن هذا الأمر لا ينطبق عليه حصراً فالمناوئين للشيخ الأسير يمارسون نفس الأمر إنما بصورة غير علنية جداً

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s