سندريلا الألفيّة الثالثة


جاكلين رزق

ها هي عقارب الساعة اللاذعة، تحطُّ رِحالَها السامّة عند المحطّة الثانية عشرة إلا ثلاث دقائق…

هرعت إلى الخارج وتدحرجت فوق عتبات الدرج يتآكلها الاضطراب، فترنّح حذاؤُها وهو لا يزال مُنتشياً من الخًطى الراقصة المجنونة التي أفرغ فيها كلّ طاقاتِه فأبدع، و تسلّل بحذرٍ مُتراجعاً إلى الوراء. فبعد أن تلذذ من فجورِ الحياة وطابت لياليه المظلمة بالسهراتِ الماجنة، أبت عزّة نفسه أن يبقى مُداساً تحت الأقدام ومُسيّراً، ولا أن تقوده خطواتُها مجدّداً إلى ذلك القبوِ المُدقع…

لكأنّ الشعور كان متبادلاً ناحَه، فقد أتلف شموخُه وعنجهيّته قدميها المُتواضعتين فانزلقت بسعادةٍ لتُلامسَ حصى الشارع مُحتقرةً كعبيّاته المعتبرة، وانهمرت كالسيل دون أن تذكره حتّى بالتفاتة !

وعند منتصف الليل، استعادت تلك الفتاة سُحنتها الرقيقة الهادئة وقد خلعَت عنها قناع المرأة الخلابة البركانيّة، وعرّاها الخجلُ من ثوبها المخمليّ الفاحش، ليصقل جسدها الفخّاريّ صقيع الخارج…

ومن ضوضاء تلك الردهة الصاخبة، إلى تلك الزنزانة الصامتة .. ضجيج الصمت جعلها صمّاء، و صراخُها الأبكم لم  يتمكّن من اختراق حاجز الصمت المُستبدّ …فهربت من بهرجة القصر الملكيّ العريق والمظاهر الخدّاعة التي علت أثاثه، والبريق المتكلّف المُنبعث من ثريّاته ليضيىء بظلمته وجوه المدعوّين، عادت الصغيرة إلى كوخها المهجور، إلى زاويتها الحزينة، إلى أنقاض السقيفة وقد  تراكم غبارها فراشاً دافئاً اندثرت فوقه متجنّبة جليد الأرضيّة العارية.

هناك حيث يخيّم الظلام الرهيب ليضيء ظلماتها، ووحشة الموت التي  تُغلّف جدرانه، تنبض بالحياة …

شعرت أنّ هبّات الرياح السماويّة المنبعثة من رطوبة السقف، لا تزال أكثر دفئاً من وسائل تدفئتهم الأرستقراطية… تلك التي تُبخّر جليد الأمطار بدفئها الاصطناعي، لكنّها تحوّل ما يسري في عروقهم إلى جليدِ لا يذوب.

من نتوءات ذلك المعطف المهترىء الممزّق، راحت تتسرّب إشعاعاتٌ هوائيّة مُثلجة، فبدا جنون العراء  أرحم، إذ أنّ معاركه المُتوازية مع كافّة أنحاء جسدها أخفّ وطأة من المداعباتِ الموضعيّة  التي تهاجمها من سراديب  معطفها ” المنخور” !

أكملت عقاربُ الساعة رقصتَها الدائريّة بامتهان وخطّ الزمن مُحيطَ عينيّ جلالةِ الأمير بمستنقعاتٍ مظلمة،

وها هو يُسامرُ حذاءَ حبيبتِه الضائعة تحت ضوء القمر وقد نبذه النوم.. ولم يفلح في رحلة بحثه المضنية عن  الفاتنة  التي راقصته منذ أيامٍ خَلَت ولا زال ظلّها يتراقصُ في خياله …

 وقد أقسم أن يبحث بين كلّ نساءِ المملكة على أملٍ يهديه إلى فتاته، فتكرّم بزيارة كلّ القصور المُترامية هنا وهناك وجاب أقطار المعمورة بحثاً عن ضالّته المنشودة، فتراه يهرول خارج أسوارها تعلو ملامحه الخيبة تلو الخيبة، خيبةٌ لا تخفّ وطأةً عن تلك التي كانت تعتري وجوه الِأميرات الحانقات وهنّ تُحاولن عبثاً عصر أقدامهنّ لتتجانس مع الحذاء البلّوريّ …

لم يتبقّ إلا تلك الأنقاض التي تشبه إسطبلاً عتيقاً مرذولاً في طرف الغابة، فراح الأمير يتلوّى ليرثو على أطلالها ذكرى تلك الأمسية…… وإذ تلمح عيناه طيف فتاةٍ تقبّل “الناي” بحبّ، فثارت أحاسيسه على وقع ألحانِه الخافتة، وتلاشت أعصاب يديه، فوقع الحذاء من منهما وارتطم أرضاً، فتيقّظت الفتاة وذعِرت.. لتعود وتختطفه سكينة نظراتِها في رحلة عبر الزمن القريب، ودفقٌ من المشاعر راشق العقارب الزمنيّة فأرداها جثثَ حيّة في حاضره للحظات…

صُعِق سموّه حين رأى ذلك المئزرالرخيص يتأبّط خصر أميرته الأنيقة، ورفض الإستسلام للمشهديّة الخدّاعة، فانتشل الحذاء كما انتشل أنفاسه، و قدّمه للفتاة كي لا يبدو سخيفاً أمام حاشيته، وكأنّه يرجو الحذاء ضمنيّاً أن يُكذب ما رأته عيناه…ولمّا عانق الحذاء رجليها بتؤدة وانسجام، شُلُّت نظراتُ الأمير وخذلته عزيمته، فاشمأزّت نفسها من الإحباط الذي كان يرمقها به، ونفرت قدَماها من الحذاء المُتعالي فلفظته وتنهّدت بارتياح !

لتعود وتنهض بدلالٍ راقٍ: “أستأذنك قليلاً يا وليّ العهد” ،

واتّجهت إلى الحديقة بمرح.

ظنّ الأمير أنّ عينيه احولّتا  لمّا أسكرته لحظات الانتظار الشاقّة، حين تهيّأ له أنّ ظلّي قدميها المُتواريتين قد ازدوجتا في طريق الإياب إلى أربعة ظِلال..
إلى أن رأى ذلك الشابّ ذي البشرة السوداء ينتصب أمامه، وعرقه المُتصبّب ينزف عزّةَ نفسٍ ورجولة !

إنّه البستانيّ الذي ارتوت ورودُه الذابلة من قطراتِ أناملِه السحريّة، فاستحال يباسُها شذىً يعبق في باحات قصره الخاوية، وقد قرّحت يديه مداعبةُ الأشواك إثر تشذيب حدائقِه الملوكيّة،

ها هي الممرّات التي تفصل أصابعَه قد اقتحمتها أصابعها الثائرة لترطّبها بأنوثتها وتفترشَ منها ساحاتٍ لمُظاهراتِها  السلميّة، وأغلالُ قبضته ميادين حرّيتها !!

ابتسم الشابُ بدماثة ، وبرزت اللآلىء المرصّعة  تزيّن ابتسامته، حتى كادت تطغى ببريقها على فصّ الزمرّد الساطع الذي يحتجز إصبع الأمير بأساطير الخلافة، وخجلت الجواهر المُندثرة حول عنقه وقد افترستها أنيابُ العبد الثمينة..

ولشدّة اضطرابه، تنشّق الأمير زفيره فاختنق به.. وابتلع عنوةً لُعابه المُقزّز، ودماء العنصريّة المُحتقنة كآبار النفط تفجّرت وأضرمت عروقه بنيران غيرته:

ها هي فتاة أحلام سموّ الأمير تهجر غفوته، لتزيّن واقعَ عبده الذليل.

** * **

 مراعاةً لمشاعرهم البريئة، تتحاشى أقاصيص الأطفال أن تذكر أنّ النهايات السعيدة بالنسبة للبعض هي نهاياتٌ تعيسة للبعض الآخر !

لقد حقنوا عقول أطفالنا بأساطير الأميرات والأنسجة الحريريّة والقصور الفخمة… غافلين أنّ التاج والصولجان ليسا من يملكان زمام القرار والحكم والسعادة الحقيقية… الوداع “لساندريلا” العصور الوسطى وأهلاً “بساندريلا” المعاصرة، تلك التي تهجر القصور الباردة الفخمة لتتربّع فوق عرش الحب الدافئ وترمي صولجان الحكم سلوى لوحدة صاحبه، لتعانق يدَ الحبيب الحقيقي…………….. فهكذا تكون الأميرات !

———————–

هذ النصّ بقلم جاكلين رزق

العودة الى الصفحة الأساسية

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s