حين تلوّن ذرّاتُ العطر سماءَ الكفيف


سبعةٌ وأربعون دقيقة وهي لا تزال مسمّرة على الرصيف في انتظارِ “جحش الدولة”.

ها هي المحطّة قد ملّت من روتين الانتظار، لكنّها لم تُبدِ أيّ تأفّفٍ أو انزعاج  بل ابتسامةٌ هادئة رقيقة تعلو ثغرها، إلى أن صرعها صوتُ السائق الذي طغى على ضوضاء الزحمةِ وصوت فرامل العجلات: ” لوين يا مَدمُوزِيل؟”

“سوق البترون العتيق لو سمحت! “

صعدت بتؤدة، وابتسمت للجميع  بطفوليّةٍ رزينة، ولكنّ السائق لم يكترث لها بل تابع عمله مسرعاً ضاغطاً برجله اليمنى بهمجية تشبه الثور الذي يفلح في أرضٍ بائرة، فاضطرّت أن تقتضب ابتساماتِها لتبحث بسرعة عن مقعدٍ لها ..

 تبّاً ما من مقعدٍ خالٍ و مُعظمهم ذكورٌ من كلّ الجنسيات والأعراق، أجسادٌ مُبعثرة على المقاعد بعشوائيّة، خلا عجوزٌ حيّمريّة تحتلّ أحد المقاعد وإلى جانبها كومة حقائب مُكدّسة تفوح منها رائحة الجرد لتبعد كل راكبٍ غريب أراد مجاورتها…

راحت نظراتها تعبر عن أطياف الركّاب بلا مبالاة واضحة، رغم أنّها ضمنيّاً شرّحتهم فرداً فرداً لتنتقي من تُجالِس بسلام ..

ها بعض الفتية قد خالوا أنّ ابتسامتَها العفويّة “بطاقة دعوة مجّانيّة”، فراحوا يُغامزونها ويتسامرون في سرهم ضاحكين علّ اختيارَها يقع عليهم، وبعض الملاطفات البصريّة  اللبقة إلى حدّ التكلّف جعلتها تفضّل مُجالسة “المحرّك” الطاعن في السن والإصغاء إلى هديره المبحوح على أن تخدش أذنيها بترّهاتُهم الشبابية الغير ناضجة…وراحت تتلفّت كمتشرّدٍ يبحث بحسرةِ اليائس عن مأوىً يظلّله من صقيع الخارج، سرّحت بصرها نحو المقاعد الخلفيّة، فانقبضت للحظاتٍ وقد تهيّأ لها أنّها تراجعت إلى الوراء رغم أنّها كانت لا تزال مسمّرة في مكانها …

جسدٌ غضّ يسكن ذلك الركن، يكتنفه الضباب الرماديّ المُنبعث من سيجارته المُشتعلة… وفي خضمّ الربيع، مشهدٌ عاصف جعل القشعريرة تسري في ثنايا جسدها وتتسرّب إلى مفاصلها، ولم تستطع، كما لم تشأ روحها، أن تُقاوم ذلك العطر الذي اجتذبها، فهرعت لتفترش لها زاويةً إلى جانبه…

ورغم أنّه لم يلتفت صوبها بل اكتفى بالتنحي لها، فقد استهابت رقيّه، رقيٌّ ميّزه عن بقيّة الركاب الذين ما فتئوا يلاحقونها بنظراتهم الفاحشة المقززة، فتراقصت أحشاؤها المضطربة احتراماً …

راحت تختلس النظر إليه بشقاوةٍ حذرة، وتُراقب شفتيه وهما تُداعبان اللفافة بنهمٍ شديد، برودتُه الظاهرة لامست جليد  نفسها  فأذابته، فأدركت أنّ الدخان المتصاعد من سيجارته ليس فقط دخان النيكوتين المشتعل،  بل قلبه، ذلك الموقد الريفيّ البسيط وأحاسيسه  هي الوقود المشتعل، وأفكاره هي الهواء الذي يغذّي النار ويلهبها، وقصبته الهوائيّة هي القسطل الذي يتصاعد منه الدخان ليكون مبسمه الداخون الذي ينفثه إلى الخارج ليحرّره … أمّا تلك السيجارة المسكينة فلم تكن أكثر من كبش المحرقة.

فتخلّصت من  براثن صمته الفتّاكة، لتصغي إلى كلّ نفخة يبثّهّا، فيتردّد مع كلّ نفسٍ صدى تنهيدة مُختنقة شلّعت أوتار حُنجرته.. وها هي الغمامات الدخانيّة التي عبقت ببخار لُعابِه، تُمطر فوق زجاج نافذته شلّالاتٍ خجولة، فاشتهت نفسها أن تُحلّق إحداها فوق شفتيها القاحلتين وتُمطر بغزارة علّها تُرطّب الجفاف الذي اعتراها، لكأن السماء أصغت إلى توسّلاتها، ولوهلةٍ مال برأسه صوبها في حركة غامضة خاطفة، وقد هبّت من فمه رياحٌ خماسينية حارّة فلفحت ثغرَها إحدى السُّحب الدخانيّة  وشعرت كما لو أنّها تقبّل أنفاسه المُلتهبة التي انبعثت منها فأغمضت عينيها لتستمتع بطعم قبلاته اللذيذ !

 لتعود وتشعر أنّ مُناخَها “المزاجيّ” قد اعتدل .

زلزلَها هدوءُه، فرغم أنّ سكينَتَه صبغته بصورةِ البركان الخامد، لكنّها استشعرت ما ينبض في داخله، فقد كانت خفقاتُ فؤاده تتصارع كالحمم وتُحذّر من انفجار بركانيّ مدمّر في أيّ لحظة… وثغره المُلتهب، تلك الفوهة البركانيّة تُسرّح القليل من الدخان العابث تمهيداً للحدث العظيم !

و في تلك اللحظات، ياه كم بدا مشهد زحمة السير الخانقة معبّراً ومثيراً، وسرحت في خيالها تفكر وتتمنى لو” تُبنشر” دواليب الباص الواحد تلو الآخر، وتاقت نفسها لدواليبِ “المقاومين” المشتعلة في الطرقات، أو أن  تتعثّر البوسطة بحادث سير مريع تسبّب به حامل شعار “كُن هادي” في وجه حامل شعار “اليازا”، أو أن يُعطّل آلاف المتسوّلون من الطبقة الراقية السّير، ولربما تغطّي الثلوج كلّ المعابر، تلك الثلوج التي يعنيها السيّد وائل كفوري في أغنيته التعجيزيّة :”معقولة تشتّي بـ آب…”

لم تشأ أن تصل الحافلة إلى المحطّة المنشودة فتضطرّ أن تودّع ذلك الشابّ ليلاحقَها غموضه إلى الأبد..

كانت يداه تنطويان على كتاب صغير، ورغم أنّه لم يكن يُعيره اهتماماً، بل كانت عيناه تغزلان ببلاهة المفكّر في الأفق البعيد، كانت أنامله تداعب صفحات الكتاب بطريقة غريبة ومميّزة…

استفزّها غموضه لتعرف أيّاً من المواضيع قد تلفت هذا الشاب المُلفِت، وأحبطها خجلُها وحذرها من أن يخيّبها ويُحوّر نواياها، فلم تَسَله ما اسم الكتاب الذي يقرأه…

جميع مغامراتِها الهزليّة باءت بالفشل: من ادّعاءها تارةً بأنّ الانعطاف على الكوع هو الذي قذفها فوق كتفه، إلى تحجّجها  بشعرةٍ صغيرة أرادت أن ترمي بها من النافذة، إلى تصنّعِها البرد في أوائل أيّار لتنبري وتحاول إغلاق الستارة عنوة، أو مبالغتها في تعديل جلستها التي تكرّرت بحماقةٍ فاضحة…

جلّ ما كسبته هو ملامساتٌ بريئة اختطفتها من ضلوعه، واستنشاقُ المزيد من عطره الخلاب حتى الهذيان والنشوة، لكنّها لم تستطع استبيان فحوى الكتاب أو حتّى قراءة العنوان…

فاكتفت بالامتعاض وانتظار الفرصة الأنسب لاصطياد الكتاب من بين يديه، فتكون ضربت عصفورين بحجر:

استطاعت أن تلامس يديه اللتين أسرتاها بطريقة إمساكه للفافة التبغ وتصفّح الكتاب، و الاستئثار بجزء من دماغه والعبث بأفكارِه إن عرفت ما يستهوي هذا الفتى من روايات…

في عمقها، كانت تحسد تلك السيجارة، كم هي محظوظة لأنّها تحترق بوجلٍ بين شفتيه، ويُداعبها ثغره برقّة العاشق، ويلامسُها برغبةٍ وشغف لا بذلٍّ ومُجونٍ مُقزّز كما يُلامس عبيدُ الغريزة بائعاتِ الهوى…. سافرت مع سحبِه الضبابية الى حيث يقطن خيالُه،  أو تُراها ذهبت إلى حيث تمنّت بأسىً أن تجدَه… فوق تلك الصخرة جالساً يقلّب صفحاتِ كتاب جبران خليل جبران، ويُرمِّد ما تبقّى من جمرٍ مشتعل في أحشاءِ عشيقته الصغيرة، لتختلط تأوّهاتها المتصاعدة كالغمام بتلك التي راحت تتراقص في السماء بجذل …

إلى أن اندثر بعضٌ من رمادِ سيجارته فوق فستانِها لتصحو من هذيانِها، وإذ بالشابِ يتنحنح قليلاً، ياه ما الذي اعتراه؟

” رجاءً يا صاحبةُ عطر البنفسج … “

ورغم أنّها تلعثمت بكلماتِه عوض أن تغصّ بكلماتها، لكنّها كانت جدّ ممتنّة وراحت تتراقص طرباً إذ استشعر نفحاتِ عطرها الخفيفة رغم أنّه كان محتجباً  بضباب اللفافة السحريّ….لامسها بالفرح لأنها خالته لم يكترث لوجودها البتّة.

لكنها لم تشأ أن تعلو إمارات الخجل وجنتيها، فادّعت أنّها تقذف إحدى الخُصل التي تجرّأ الهواء وأسدلها فوق عنقها .. ورغم أنّه كان يرمقها بنظراتٍ فارغة، إلّا أنّ فراغه ملأها شوقاً … وحَوَلُه في التحديق لم يكن لينمّ عن عنجهيّة ولا عن استخفاف، واستدركت من إيماءة رأسه أنّه قد بلغ محطته المنشودة وها هو يسألها التنحّي بلطف…

عجباً، كيف طوت عجلات الباص الحقيرة المسافات بهذه السرعة…

ولمّا بادر بالنهوض، تعثّر بقدمِها التي أَبَت عن غير وعي أن تُفسح له ممرّا فتهادى الكتاب الأغبر من يده، فانحنت بحذقٍ وسرعةِ محاولةً قراءة العنوان، فالتقت أناملها بأحرفه الناتئة: ” حين تلوّن ذرّاتُُ العطر سماءَ الكفيف”

وقبل أن يتسنّى لها ابتلاعُ المفاجأة، اصطدمت عيناه بعشوائيّة بعينيها المضيئتين، كما مرّ شريط تلك اللحظات المعدودة التي غلّفها الغموض بقربه، وقد انحنى هو الآخر ليستعيد كتابه الصغير…فلم تستطع أن تقاوم شذى أنفاسه الذي عصف بها، وانسحق طيفُ خجلها أمام شفافيّته، وقد هزمَ ظلامُ عينيه إشعاع لَحظِها، فطرُبَت بأنّ عدوّها لا يستطيع رؤية تعابير وجهها، واندفعت غير آبهة بحشريّة الركّاب ونظراتهم المندسّة ولا بأي لياقة أو تقليد… و قبّلته دون هوادة !

علا صوتُ السائق مُجدّداً بسخريةً المُدّعي: “يا فتاة، ألفت نظرك أنّنا في جبيل، ولم نبلغ البترون بعد…”

فتأبّطت ذراع الكفيف بعد أن تملكت عكّازه المشلول بيدها، والتفتت ناح السائق وقد لوّنت وجهها بابتسامةٍ تليق به:

“حين تلفحُ الرياح شراعَ سفينتك، تنقلب الوجهات يا عزيزي…
أدركت أنّي لن أرسو إلا في ميناء جبيل، وبصيرة هذا الرجل هي بوصلتي”

—————

هذ النصّ بقلم جاكلين رزق

العودة الى الصفحة الأساسية

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s