مقارنة بين المنطلقات النظرية لطرحين للبنان: النظام العلماني والنظام الفدرالي


جو حمورة

مما لا شك فيه أن النظام السياسي اللبناني بسمته الطائفية البارزة، والتي بدأت تصبُغ مضمونه منذ تعديلات شكيب أفندي في أواسط القرن التاسع عشر والذي شرّع التمثيل الطائفي للطوائف الفاعلة حينها في الجبل اللبناني ضمن نظام القائمقاميتين مروراً بوضع الدستور اللبناني الى التسويات المرحلية في تاريخ لبنان السياسي من إعلان الميثاق الوطني وصولاً الى وثيقة الوفاق الوطني… هو أسوأ نظامٍ يُختار للبنان وذلك لقيامه على معادلة مشوَهة تتمثل بحِكمٍ أكثريّ في نظامٍ طوائفيّ بدمقراطيّة توافقيّة، وما الحروب والصراعات الطائفية في لبنان منذ القرن التاسع عشر حتى اليوم سوى نتاجٌ لهذا النظام المشوه الذي يأخذ الوحدة عنواناً في حين يقوم مجتمعه على التعددية الطائفية الواضحة.

وإذ تبرز بين الحين والآخر طروحات متعددة لإقامة نظاماً سياسياً بديلاً في لبنان من قِبل شرائح واسعة ومتمايزة من الإنتلجنسيا اللبنانية المتفقة فيما بينها على أن النظام الحالي يجب تغييره بسبب كثرة مساوئه إنما المختلفة بعمق حول البديل الأفضل، ومِن ما يُطرح اليوم وإن على نارٍ هادئة، نظامان بديلان واحد فدرالي وآخر علماني، لذا وبغض النظر عن الأسلوب السياسي المُعتمد من كلٍ من أصحاب هذان الطرحان ومدى حظوظ نجاح كلٍ منهما ومدى أفضلية أحداهما على الآخر نقارن بين المنطلقات النظرية للنظامان:

 تبرز منطلقات الداعين الى إقامة نظاماً علمانياً بديلاً في لبنان على إعتبار أن الطائفية بلاء هذا الوطن، بحجة أنها تغيب العدالة والمساواة بين الأفراد وتميّز بينهم على أساس طائفي إن في قوانين الأحوال الشخصية وإن في توزيع السلطات والصلاحيات على الطوائف اللبنانية في الدولة بمعادلة تأخذ من الإنتماء الطائفي للفرد معيارًاً لدوره في الوطن وعلاقاته مع غيره، في حين يغيّب عن مرأى أصحاب هذا الطرح واقع الإنقسام الطائفي العميق الموجود في لبنان وإختلاف المجموعات الطائفية فيه بشكل جذري إن من حيث الهوية المجتمعية أو الثقافة والتاريخ الخاص لأبناء كل طائفة في تمايزها عن غيرها.

وإذ يعتبر هؤلاء أن الواقع الطائفي الموجود في لبنان غريبٌ عنه وسطحي من حيث إنتماء الأفراد الى طوائفهم قبل إنتمائهم الى الدولة والوطن فيطرحون نظاماً، قد يبدو مثالياً، يَهدُف الى طَمس الطائفية وإلغائها وإرساء إطارٍ نُظُميٍ لا يميز طائفة عن أخرى أو يحمي فعلياً المجموعات الطائفية الأقلوية في لبنان والتي تتشارك جميعها بالحسّ الأقلوي والخوف من الآخر على دورها ووجودها الفاعل وتختلف على كل ما عدا ذلك.

من على الضفة الأخرى، ينطلق أصحاب الطرح الفدرالي على إعتبار أن الطائفية هي واقعٌ مُجتمعي موجود عميق ودائم، والإختلاف الثقافي والإجتماعي بين الجماعتان المسيحية والإسلامية المتأتي أساساً من الإختلاف في الإنتماء الطائفي – الديني، هو إختلاف طوائفي واضح بين جماعتين تختلفان جذريًاً في الخلفية الثقافية، التجربة التاريخية الخاصة، المصالح والأهداف الذاتية، والرؤى السياسية الحالية… وإذ يقرّون بالتعددية الطائفية في لبنان على إعتبارها واقاً فعلياً، بينما يعتبرون أن النظام السياسي اللبناني الطائفي، تمامًاً كما الشعب، لم يتعدى مجرد إحترام الطوائف اللبنانية في إطار مؤسسات النظام الى حد معالجة هواجس الجماعات الطائفية اللبنانية المختلفة، كما يرون أن التعايش الحالي في إطار هذا النظام هو تعايشٌ مُصطنع يشوبُه غياب إطارٍ قانوني يزيل الخوف المتبادل بين المجموعتان.

 كما يؤكدون أن لبنان في إطار نظامٍ فدرالي تعددي سيزيل هذا الخوف المُتبادل عبر إعطاء مزيداً من الإستقلالية لكل طائفة بطريقةٍ يُصبح حفاظها على وجودها السياسي والثقافي والمجتمعي حقيقةً قانونية وواقعية في إطار النظام نفسه وتؤدي الى تبدد الخوف من الآخر.

بينما ينطلق الداعون الى إقامة دولةٍ علمانية في لبنان في معالجة مُعضِلة الطائفية الى إقتراح طَمسها بكل بساطة، يَسلك المؤمنون بنظامٍ فدرالي فيه طريقاً معاكساً تقوم على محاربة الطائفية بالطائفية نفسها عبر إقرار نظامٍ يؤمن حماية وإستقلالية لكل طائفة في إطار وطني جامع.
لذا، وبغض النظر عن مدى صوابية مضمون كلٌ من النظامان أو فرص تحقيقهما على أرض الواقع، إلا أن الأفضلية، من ناحية المنطلقات النظرية، هي للنظام الفدرالي كونه يَنطلق من مقاربة واقعية للحال في لبنان عبر إعتبار أن شعبه طائفي وهذا أمرٌ واقعي وصحيح يتوضح عبر أي معاينة للواقع اللبناني بشكلٍ موضوعي بعيداً عن المثاليات التي يطرحها العلمانيون الذين يعتبروا أن الطائفية هي مجرد وباء غريب يجب القضاء عليها غافلين أن الإنتماء الأولي للبنانيين وشعوب الشرق بأسره هو لطوائفهم قبل أي إنتماء آخر (1)، وتبعاً لذلك إن أي نظامٍ بديل لا ينطلق من هذا الواقع لن يُكتب له أي نجاح أو أي تأييد شعبي بل سيظهر كطرحٍ غريبٍ لا يتناسب وآمال وطموحات الناس ولا يمحي هواجسهم المزمنة.

————–

(1)- الإنتماء الأولي لمعظم الشعب اللبناني هو إنتماء كل فرد لطائفته،وهذا الإنتماء ليس شكلي أو ظرفي كرسه الدستور والنظام بل أن حقيقة الهوية الطائفية للجماعات اللبنانية هي من كرس نظاماً طوائفياً، كما أن  هوية الشعب الطائفية وإنتماء الأفراد لطوائفهم يأتي قبل إنتمائهم للدولة أو للقومية أو للوطن، وذلك لأن الطوائف اللبنانية هي التي أوجدت الوطن والدولة أصلاً، أي أنها سابقة لوجودها وعند غياب الدولة اللبنانية بشكّلها المؤسساتي تبقى الطوائف وتستم ر بمعزل عن الدولة والتي لا تعود بشكلها المؤوسساتي إلا بعد إتفاق بين الطوائف على إعادة إحياءها، كما أن الأفراد يتأثرون وجدانيًاً بإنتصارات طوائفهم السياسية وهزائمها أكثر مما يعنيهم إنتصار الوطن أو هزيمته، في حين الدولة اللبناني بذاتها مكونة من أفراد “يعملون” فيها على أساس إنتماءٍ طوائفي، في حين يغدو مبرر وجود الدولة الأساسي هو حماية وجود الطوائف وتأمين مكانٍ لتواصلها مع بعضها البعض وقوننت صراعاتها وتنظيم تعايشها المُصطنع.

(2)-  يمكن الإطلاع على النص بصيغته الأصلية على موقع:  سياسية.كوم

العودة الى الصفحة الأساسية

Advertisements

3 thoughts on “مقارنة بين المنطلقات النظرية لطرحين للبنان: النظام العلماني والنظام الفدرالي

  1. عم صير أقرب لحلّ النظام الفيدرالي للبنان هالفترة، التساؤل الوحيد اللي بيبقى هوي شو موقع الناس اللي ما بتنتمي للطوائف ال 18 متل الملحدين والمدنيين والوثنيين أمثالي بالفيدراليات المناطقية وهل رح تنضمن حقوقهم السياسية والشخصية والقانونية.
    ما عدا هيك، نحنا عايشين بفيدرالية مقنّعة من طرف واحد عم يمارسها الطرف الأقوى – حزب الله واصدقاؤه – بالوقت اللي عم يمنع بقية الأطراف تعمل فيدراليتها الخاصة.

    • بالنسبة للذين ليسوا من الطوائف المعترف فيها لهم حق الإيمان بما يريدون طالما إيمانهم لا يتناقض مع القوانين العادية والشرائع العالمية لحقوق الإنسان، أما حقوقهم السياسية والقانونية فمصونة تماماً كما غيرهم على شرط إنشاء طائفة خاصة بهم يقرنوها بما يريدون من قوانين تنظيمية خاصة بهم ويكون لها تمثيلها السياسي في الأقاليم أو المحافظات والبرلمان والمجالس الرئاسية. أما قوانينهم الداخلية فخاصة بهم ولا دخل للدولة بها

  2. تنبيه: شبح الذمّة: كيف يمكن معالجة مخاوف الأقليات « نينار

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s