العوامل المساعدة لتجربة “الثورة” العلمانية في لبنان وأسباب فشلها


جو حمورة

بعد أن شهد العالم العربي موجة ثورات تزامنت مع بعضها البعض عام 2011 حيث كٌتب للبعض منها النجاح بنِسبٍ معينة وأخرى ما زالت تُصارع من أجل إنتصارها، يَدرس “الثائرون” في لبنان، الذين دعوا الى إسقاط النظام اللبناني وإقامة نظاماً علمانياً بديلاً عن النظام الحالي، أسباب فشلهم في تحقيق أي خرق جدّي للنظام الطائفي اللبناني المتين … حتى من دون أن يحاربهم أحد!

أولاً: في العوامل المساعدة لقيام ونجاح “الثورة”:

لكل نظامٍ سياسي في الدنيا كوابحٌ تمنع قيام الثورة عليه، تماماً كما لكل ثورةٍ على نظامٍ ما عوامل مساندة تؤدي الى إندلاعها، وتوافر للذين أعلنوا “الثورة” على النظام الطائفي اللبناني ودعوا الى نظامٍ علماني بديل مكانه العوامل المساعدة التالية:

– توافر الطائفية بكثرة في النظام والمجتمع اللبناني، حيث تُشكّل الطائفية معياراً ومبدأ متوافراً بكثرة في كل أمر سياسي أو إجتماعي أو إقتصادي…في لبنان. فكما توافر الفقر شرطاً من شروط الثورة عليه، وتوافر قمع الحريات شرطاً من شروط الثورة الداعية الى الحرية، كذلك الأمر بالنسبة للحالة هنا فتوافر الطائفية في لبنان هو شرط أساس من شروط الثورة عليها. وهي متوافرة وبكثرة في لبنان وفي كل شيء.

– إمتلاك “الثائرين” لأجهزة إعلامية وتقدم تقني يساندهم، ففي لبنان يملك العلمانيون المساندة من بعض المحطات التلفزيونية كتلفزيون الجديد وبعض الجرائد اللبنانية كجريدة الأخبار والسفير ناهيك عن إذاعات مسموعة داعمة ومجموعات على شبكات التواصل الإجتماعي تكاد لا تحصى تساهم جميعها في تبني “ثورتهم” والترويج لها ودعمها بكل الوسائل الممكنة، في حين نرى أن معظم الثورات في العالم العربي لم تكن تملك شيئاً مما ذُكر وإستطاع الثوار قلب أنظمة بلادهم.

– إمكانيات “الثائرون” المادية والعلمية والثقافية الكبيرة، فمعظمهم من الخريجون ويعمل عدد كبير منهم في الصحافة والإعلام ويمارسون أنشطة عديدة تهتم بالشأن العام كالعمل مع الجمعيات المدنية والمنظمات الغير حكومية أو يملكون مدونات ومواقع إلكترونية تشكل مجالاً للترويج لـ “ثورتهم” ويملكون الكثير من الخبرة بالعمل في الشأن العام.

– دعم عدد من الأحزاب للحركة عبر ترك الحرية لمناصريهم للمشاركة بالمظاهرات أو العمل في إطار الحركة الداعية لإسقاط النظام اللبناني، كالحزب الشيوعي بفروعه المتعددة والحزب السوري القومي الإجتماعي بفرعيه…حتى وصل الأمر الى أن حركة أمل كانت داعمة ومشاركة وإن رمزياً في المظاهرات ولو أنها كانت تسعى بخبثٍ الى تحوير الحركة الناشئة وإظهارها على أنها تريد إلغاء الطائفية السياسية لا إقامة نظاماً علمانياً.

– عدم إستعمال النظام والسلطة لأي عنف أو قمع لإسكات هذه الحركة في حين نرى أن الثورات الداعية الى تغيير جذري في الأنظمة العربية أو في أي نظام عادةً ما تلاقيها الأنظمة بقمعٍ شديد يُضعف نشاطها وحركتها ويقتلها أحياناً كثيرة.


ثانياً: السبب البنيوي لفشل “الثورة” العلمانية في لبنان:

بالرغم من توافر هذه “الفرص” والعوامل المساعدة مُنيت الحركة بهزيمة كبرى لأنها فعلياً لم تغير أي شيء في النظام اللبناني إن في بنيته أو منطلقاته الفلسفية (الطائفية) القائم عليها أو حتى بآراء الناس السياسية وأولوية إنتمائاتهم الطائفية، في حين عَمَد بعض “الثائرون” الى تبرير فشلهم بطريقة أقل ما يقال عنها أنها تدعو الى السخرية قائلين أن الحركة كلها كان الهدف منها توعية ونشر الثقافة العلمانية بين اللبنانيين.

إلا أن أسباب الفشل الحقيقية لهذه “الثورة” ولأي حركة مستقبلية داعية الى إقامة نظامٍ علماني في لبنان تعود لسببٍ جوهري أبعد من ظرفية توافر إمكانات مادية وإعلامية أو الأعداد البشرية المؤمنة بالعلمانية بل تتخطاها الى جوهر الحركة ومضمون منطلقاتها الفلسفية.

فالنظام اللبناني وإن كان طائفياً إلا أن الشعب اللبناني هو طائفي أيضاً، أي أنه بالمعنى الكلاسيكي ليس النظام اللبناني نظاماً قمعياً وغريباً عن هوية الناس الطائفية ­(1)، فمعركة إسقاط النظام الطائفي ليست ضد النظام السياسي فحسب بل ضد هوية “شعوب” تأخذ بأكثريتها الطائفة إنتماءً أولياً لها وأفراد يملكون من الحسّ الطائفي ما يجعل بالنسبة لهم مصلحة طائفتهم تتقدم على أي مصلحة أخرى أكانت وطنية أو “قومية” أو حتى إنسانية.

العلمانية كنظام وفلسفة إنسانية قد تكون الأفضل بما تؤمنه من عدالة ومساواة بين كل الناس إلا أن ما يشوب طرحها وتطبيقها في لبنان هو أنها نظاماً غريباً عن هوية شعبه، وما زال غافلاً على “الثائرون” العلمانيون أن الناس الذين يَدعونهم الى مساندة قضيتهم هم طائفيون بكل بساطة ويعتبرون (إن أدركوا عقلياً الأمر أو مجرد إحساسٍ به) أي تغيير جوهري وعملي للنظام اللبناني لا يصلح إستبداله بنظام غريب عن هوية الشعب.

فالمعضلة التي تبرز هنا هي في الأولوية بين النظام البديل من جهة وهوية الشعب من جهة أخرى، فالعلمانيون وبمجرد طرحهم لنظام لا طائفياً يتغافل مضمون هوية الشعب الطائفية يقدّمون أولوية النظام البديل على الهوية ويلبسونها لباساً غريباً عنها، في حين أي تغيير في النظام اللبناني بأي بديل يجب أن ينطلق من هوية الناس ليكون النظام السياسي الجديد مرأةً لها.

الشعب هو الأساس والنظام هو الثانوي، وأي نظام بديل لا يكون على شاكلة الشعب (2) ومعبراً عن هويته وحامياً لها لن يُكتب له أي نجاح، فالأنظمة هي الوسيلة والإطار لحماية هوية الشعوب وتعزيزها وليست هي الهدف بذاتها، تماماً كمَثل اللباس وجسم الإنسان، فالإنسان الطبيعي يصنع لباساً يناسب جسمه ولا يغير جسمه ليتناسب مع لباسٍ مثالي، كذلك الأمر بالنسبة للنظام السياسي وهوية الشعب، فالنظام كما اللباس يُصنع على قياس الشعوب وجسم الإنسان. وأي طريقة مغايرة أو عكسية لن تؤدي الى أي قبول من عموم الناس أو أي نتيجة مُرضية لأصحابها وستبقى مجرد قضية عابرة وطرحاً فلسفياً غريباً عن الواقع اللبناني لا يؤمن به سوى أصحابه القلائل “الشاذين” فقط.

المشكلة إذاً هي في مضمون الطرح وليس في أسلوبه، فالعلمانية وإن كانت أفضل الأنظمة بشكل عام إلا أنها تصبح أسوأ الأنظمة في المجتمعات المركبة ذات الإنتماء الطائفي الأولي لأبناءها. في حين يكون الحل المنطقي والعملي هو عبر إقامة نظاماً سياسياً بديلاً يتوافق مع هوية الشعب، لا السعي الى إقامة نظاماً يخالف جوهرياً هويته الطائفية آملين لاحقاً في أن يقوم هذا النظام البديل بتغيير هوية الجماعات الطائفية المتعددة الى جماعة علمانية واحدة، لأن هذا الأمر لن يُكتب له أي نجاح ببساطة لأن الناس هي التي تصنع الأنظمة وليس الأنظمة من يصنّع هوية الناس، خاصةً أن الهوية الطائفية دفينة ومتجذرة ومستمرة في إنتماء ووجدان اللبنانيين في حين النظام، أي نظام، هو ظرفي وشكلي وقابل للنقد والإطاحة في حال عدم تعبيره عن هوية الشعوب.

——————————-

(1)- الإنتماء الأولي لمعظم الشعب اللبناني هو إنتماءه لطائفته. وهوية الشعب الطائفية وإنتماء الأفراد لطوائفهم يأتي قبل إنتمائهم للدولة، وذلك لأن الطوائف اللبنانية هي التي أوجدت الدولة أي أنها سابقة لوجودها وعند غياب الدولة اللبنانية بشكّلها المؤسساتي في حالة حرب مثلاُ تضمحل الدولة وتبقى الطوائف ولا تعود الدولة بأجهزتها وهيكليتها وقت السلم سوى بعد إتفاق بين الطوائف على إعادة إحياءها، في حين الدولة بذاتها مكونة من أفراد “يعملون” فيها على أساس إنتماءٍ طوائفي، كما إن مبرر وجود الدولة الأساسي هو حماية وجود الطوائف وتأمين مكانٍ لتواصلها مع بعضها البعض وقوننت صراعاتها وتنظيم تعايشها المصطنع.

(2)- إن وجِد في دولةٍ ما شعباً مركباً (أي يضم هويات مختلفة طائفياً أو إثنياً أو لغوياً…) يجب إقامة نظاماً مركباً فيه، بينما يطرح العلمانيون اللبنانييون إقامة نظاماً وحدوياً (على أساس علماني) لشعبٍ مركبٍ (على أساس طائفي)! في حين يكون الحل، طالما الشعب اللبناني شعباً مركباً على أساس طائفي، بإقامة نظاماً مركباً على أساسٍ طائفي أيضاً.

العودة الى الصفحة الأساسية

Advertisements

2 thoughts on “العوامل المساعدة لتجربة “الثورة” العلمانية في لبنان وأسباب فشلها

  1. صديقي، ما كتبته دقيق جداً لناحية وجود موارد ضخمة من طاقات شبابية وإبداعية كانت متوافرة ضمن حراك اسقاط النظاط الطائفي مع أن هذه الموارد لا تقاس طبعاً بحجم المؤسسات والقوة التجييرية التي تمتلكها الاحزاب والقوى الطائفية.

    المشكلة برأيي هي في صعوبة التغيير في بلد مثل لبنان. كما أسلفت في المقالة هناك بون شاسع بيننا- كعلمانيين وطنيين- وبين الناس لانّ المواطنون اللبنانيون لصيقون بالنظام وذلك مردّه الى النظام الزبائني-التنفيعي حيث تغدو مؤسسات الطوائف الرابط بين المواطن-الفرد من جهة والدولة من جهة أخرى، فهذه المؤسسات تسد حاجة المواطن على الصعد الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والصحية مانعةً اياها من تحوله الى ثائر على مؤسسات الطوائف وبالتالي يصبح Pro system

    كنت قد كتبت على مدونتي مقال يتطرق الى أسباب فشل حراك اسقاط النظام ولقد تطرقت الى الاسباب الذاتية. وفي هذه المقالة تطرقت الى الاسباب البنيوية الموضوعية .. وفي تقديري، إذا جمعت المقالتين تتضح الصورة أكثر ونكون أمام تحليل علمي موضوعي.

    يمكنك قراءة مقالتي على المدونة التالية:
    http://www.atallahalsalim.wordpress.com

    مع كامل احترامي وتقديري لنقدك البناء
    عسانا أن نحاول مرةً أخرى من أجل انجاز الحلم الصعب وهو الثورة اللبنانية.

    • إطلعت على مقالك الذي يفند التجربة ويظهر الأسباب التي أدت الى فشل الحراك والتي تبيين درايتك بالموضوع ونشاطك فيه بسبب توافر المعلومات العديدة التي تصل الى أدق التفاصيل.
      إلا أن ما قلته هنا حول المشكلة البنيوية للحراك فالمقصود هو مضمون النظام البديل المطروح والذي لا يتلائم مع هوية الشعب اللبنانية، فالعلمانييون يطرحون إقامة نظام وحدوي لمجتمع لبناني تعددي وهنا العلة.
      على أمل أن يكون في لبنان ثورة تحسن حياتنا للأفضل

      شكراً على المرور صديقي، أحببت معظم مقلاتك خصوصاً : ولا شعوب هائجة سواك
      فعلاً لديك قلم شعري وأدبي ممتاز
      سأحرص على المرور لديك غالباً

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s