عن مرضٍ خبيث يدعى: حُب لبنان


جو حمورة

بيروت أم الدنيا ولبنان سويسرا الشرق، منذ ستة الأف سنة ولبنان أرض الحرية وملتقى الشرق والغرب، فيه الفصول الأربعة والطبيعة الرائعة والخَضار والأزهار، مخترع الحرف، بلاد الأرز والعجائب وتعايش الأديان والحضارات والثقافات والسلام والمحبة…

سأراهن أن من قرأ هذه الجملة السابقة لم يغلق الصفحة بعد شاتماً ومستهزئاً، ذلك لأن ما ذُكر بات يُعد من بين ما تبقى من الأساطير الميثولوجية الحية فقط في أذهان وعقول المرضى “الوطنيين” اليوتوبيين البعيدين عن الواقع…

هذه بيروت، بعض مِن مَن لا يزال يسكنها يرفض أن يرى أنها باتت مرتع العرب المهتاجين لتمضية ليالي المجون فيها، هي التي تعجّ بالمارين الأغنياء بسياراتهم الفخمة ونظراتهم الاستعلائية المليئة غرور بجانب المساكين الفقراء المُحدّبين بعرباتهم البائسة دون شفقة أو حياء، وفيها تنهش براثن الطمع المادي لعددٍ قليل من البشر جلود البعض الآخر ومستقبله، أكثر ما يميزها فوضى التنظيم المُدُني وزحمة السير وفساد الإدارة فيها… ألم تعشّ يوماً فوضى وطول الانتظار في أي إدارة رسمية وقبض الرشاوى من موظفيها؟ أيغيب عنك مشهد مدّ أيادي الأطفال المتسولين وسط كل طريق؟ ألم ترى “ديكور” المدارس الرسمية وجدرانها التعيسة المشوهة كمناهجها التربوية؟ وهل تخفى عنك أشرطة التيار الكهربائي الممددة عشوائيا كإنتشار فيروس الإحتكار في كل مكان؟ ألم ترى يوماً بيروت من مكان بعيدٍ ومرتفع؟ طبعاً لا، لأن ضباب التلوث سيحجب عنك الرؤية..

وهذا لبنان، بعض مِن مَن تبقى فيه ولم يهجره بعد بحثاً عن أمن أو عمل يرفض أن يرى أنه أصبح مزبلة الأمم التي حوله ومجرد ورقة تفاوض بين الدول، هو الذي لم يُرسّم حدوده بعد مع جيرانه مقدماً مصلحتهم على مصلحته، ولم يرَ نور الكهرباء بشكل مستمر ودائم منذ إختراعها وحين تحضُر تتزاحم مع الشمس لتنير طرقاته في النهار وتغيب عنها في الليل، هو الذي شواطئه وأنهاره الكثيرة مليئة بالقمامة والتلوث والمياه شحيحة  في خزانات سكانه، سيادته مستباحة يومياً وأمنه حلم لا يتحقق و”التعايش الحقيقي” فيه عادةً ما ينتهي بحرب طائفية كل مدة…أيخفى عنك منظر دواخين الذوق ومدى صحتها على المواطنين!؟ أيغيب عنك مدى التنظيم والرقي السكني في باب التبانة ومخيم صبرا ومخيم مرعش مثلاً!؟ وماذا عن الكسّارات الموزعة في كل مكان والتي تنهش جباله حفاظاً على “الخَضّار” في جيوب أصحابها؟ ألم ترى يوماً مكب النفايات في صيدا؟ طبعاً لا، لأنك لن تعود من هناك لتُخبر أحد كونك ستكون من عداد الموتى من كره عطر ما تنشقت…

–     اكبر صحن حمّص…أه كم أنت سخيف يا لبنان! يجتمع شعبك على الترهات الشكلية ويختلف حول كل شيء، فبيروت ليست سويسرا الشرق ولم تكّن يوماً بل هي شبه وطن وليست بأفضل حال مِن مَن “يتشاوف” أهله  بعنصرية عليهم، إقتصادات الدول كلها سبقته بنموها بأشواط وصناعات مَن حولنا من الدول تتقدم علينا ببضع عشرات السنين، ربما كان لبنان يوماً في الماضي الجميل مكان يحلو العيش فيه أما الآن فلبناننا مجرد ماخوراً للفحش الخليجي ومسرحاً للعهر السياسي المحلي ورقصات المخابرات العالمية المميتة…

–     أطول سيخ شاورما…ومن السخافة ما قتل! في هذا البلد العجيب يوجد كل ما اخترع في العالم إنما بنوعية رديئة، من الأخلاق الاجتماعية والفساد السياسي إلى المأكولات في المطاعم… سجونه مكتظة بشكل لا إنساني بسبب كثرة المجرمين فيه، تطوف أنهاره على محصوله وعلى الطرقات في كل بداية شتاء ولا نعالج مشكلة سوى بعد حدوثها وتسببها بالضرر، محاسبة المسؤول هنا ضربٌ من ضروب الخيال والهذيان الشعبي السَمِج، يقتصر حلم المواطن العادي على لقمة عيشه وأمنه الشخصي ودفن أحلامه بهدوء، يتميز أهله بالعصبيات العنصرية والحزبية والطائفية والمذهبية والقومجية والمناطقية البالية ومرض الظن بأن اللبناني “الله خلقو وكسر القالب” وهو فعلاً من دون هوية واضحة بل امتزاج من هويات غربية وشرقية لم يأخذ منها سوى ما ساء فيها من الفساد الأخلاقي إلى التذمُت الديني…

–     مغارة جعيتا واكبر مغارة ميلادية….هذا ما كان ينقصنا! الآن أصبح لبنان بلد الأمن والأمان والسِلم والسلام لا يعرف أبنائه لا النزاع ولا الخصام! يعيشون سوياً دون بغض أو كره أو إفتراء أو حتى إحصاء! فالمسيحي يحب المسلم قبل نفسه والمسلم يفتدي بدمه المسيحي، والدرزي يذبح نفسه اثنان من حبه لهما معاً!!…في لبنان رغم تكرار كلمات “لبنان يا قطعة سما، أرض الثقافة والحريات، قوة لبنان في ضعفه، الوحدة الوطنية، التعايش والتفاعل الحضاري، الأمن ممسوك…” إلا أن هذه الشعارات باتت كقصص ألف ليلة وليلة لا ترقى إلى مستوى الجدية والواقع ولا يصدقها من يطلقها على المنابر أصلاً، على عكس المواطن الممسوك في لقمة عيشه وأمنه وأفق طموحه المحدد سلفاً. هنا العصابات والمجرمين والنشالين، وميليشيا لكل طرف حزبي وتنظيمات عسكرية خاصة لكل طائفة وأخرى لكل مخيم وغيرها لكل منطقة ومربعات أمنية وأسلحة فردية تُستعمل كل مساء لإطلاق النار إبتهاجاً أو حَرداً حسب إطلالة سعادته وسيادته ومعاليه ومشيخته وعمامته..

…وهذه جمهورية الموز، بلد الفوضى واللانظام، مرتع الفساد والعنصرية والموت… آن اللآوان لكي نعي أن بيروت ليست كما نظنها في عقولنا الذكورية المريضة من شبق التوهم بأوضاع أفضل ومراتب أرقى بين الأمم. هذه البلاد، عاهرة آثمة تُغتصب بفرحٍ ورضا كل صباحٍ ومساء من بلاد العالم أجمعين بالتواطؤ مع أبنائها المدججين بالسلاح والعداوات، وعاصمتها عذراء سابقة فقدّت بتوليتها في عقد أبدي مع زنا الأفكار العنصرية والتصرفات الهمجية، وباع أبنائها شرفها وشرفهم لتجار الدين والسياسة والهياكل والمال والعسكر.

——————–

العودة الى الصفحة الأساسية

Advertisements

One thought on “عن مرضٍ خبيث يدعى: حُب لبنان

  1. ناهيك عن أنّه بلد الفنّ الراقي… تلك التربة الخصبة التي أنتجت فيروز ووديع وشمسي نصر الدين، ها هي اليوم تثمر هيفا و أخواتها…
    و برامج الرياليتي تي في المستوردة من الخارج ، ها هي تركّز على الحركة الديناميكيّة لأفخاذ المشتركين المتعالية فوق الملاحف بعد منتصف الليل، و للمزيد من الحرفيّة ،ها هي تسجّل بتؤدة طبقات “شخيرهم” ، وتسلّط الضوء على تأوّهاتهم و كل آهة تحاكي موهبة حقيقيّة و مشروع فنّان صاعد !
    و نظراً انّ بلدنا يستحق خير تمثيل، ها هي ملكة جمال لبنان خير مثال يحتذى به ليرفع إسم بلادنا في الأعالي: ف”صدرها” قياس 90 يرمز إلى رحابة صدر اللبناني، و “خلفيّتها” ترمز إلى مدى ثقافة اللبناني ، ناهيك عن إجاباتها الخنفشريّة التي تنمّ عن سرعة بديهة تتخطّى سرعة الضوء , و “آي كيو ” عالٍ جدّاً ( و آي ملّا كيو عندا)…
    و من سنة لسنة الخرى لقدّام (عذراً قصدي الخير ، خطأ مطبعي !!)

    وكمثل الإخضرار الذي ينتزعونه من جبال لبنان ليملؤوون به جيوبهم المعتوهة، ها هم يسقون اليباس الذي يغطّي أراضينا القاحلة بفناتيرهم العشوائيّة، ليستولوا على اصفرار المزروعات فيصبغون به وجوهنا الكالحة !و ها هم يحشّون ما تبقّى من حشيش في تربتنا الخصبة ليشتمّوه في أمسياتهم العقيمة ! و ها هم يغتصبون دوالي كرومنا ليجعلوا من دماءها شراباً ينسيهم ما فعله الآخرون بهم أو ما فعلوه بالآخرين، و ها هم يستبيحون ثلوجنا البيضاء الغالية ليتاجروا بالأبيض الرخيص في أسواقنا المدمنة ،و أزقّتنا التي أدمنت هرباً من ويلات الواقع … ويل لأمّة تصفّي حساباتها القذرة بهذه الطرق العوجاء …
    و ها هم يعتصرون اللون الأخمر القاني الذي يحيط علمنا اللبناني الأغرّ ليلوّنوا به دماءنا الملوّثة عنجهيّة و غباءً ، قبل أن ينحرونا بالفتن الأهليّة و يرووا بدماءنا بناهم التحتيّة !
    والبنى التحتيّة ، ههههه حدّث و لاحرج … بين البنى الحكوميّة و البنى الخاصّة ، خصخصونا أو بالأحرى خصيونا !
    المستشفيات الحكوميّة مجهّزة بأحدث التقنيات لكلّ الحالات “العرضيّة” : وجع رأس (شرط ألّا يكون مزمن أو عضال)، جرح طفيف في الإصبع (على ألّا يتخطّى عمقه ال 1 ملم ) … أمّا في الحالات الأخرى فلا بدّ أن تقصد المستشفيات الخاصّة (أوتيل “ديو” الخمس نجوم طبعاً للمرضى الهاي كلاس،و طبعاُ و خاصّة في الحالات الطارئة و الحوادث الفجائيّة لا تقلق عزيزي إن لم تكن حاسب حساب و حامل “كاش” ف”قلب يسوع “الممتلىء رحمة سيحتضنك بسرعة و يريحك نهائياً من أوجاعك و ويختصر عليك الطريق فيوصلك إلى ديار الحقّ مباشرةً !
    المدارس الحكوميّة “المعارف” و التي هي إسم عمسمّى كما قيل عنها :بعلمك بيفوت عليها عارف ، بيطلع “ما عارف” شي من شي ! ، و الجامعات اللبنانيّة و التي نظراً لنسبة ذكاء طلّابها في ال”تيوري” لم تعد بحاجة أن تُجهّز بالمجتبرات و لا الكومبيوترات الحديثة…أمّا الجامعات الخاصّة فقد سهّلت الكورسات و الدوامات للطلّاب:كلّ حصّة مقابل “كريكي” معيّن من المال، و كلّ ما بتدفع زيادة بتتثقّف أكتر ، و إذا دفعت أكتر و أكتر بتحصل عالشهادة فرد ضربة (بس قوّي الضربة شوي بيكوز …هيدي ثقافة على مستوى !)
    الطرقات العامّة مزيّنة بالحفريّات على مدار العام ، و آرمات “إنتبه أشغال” تنتقل من قرنة لقرنة ، والنتيجة… المزيد من الجور … و الجسور المهدّمة ، و الراغارات الفلتانة …
    ههه و الكاميرات المعشّشة هون و هونيك …لعلّك لم تدرك بعد عزيزي اللبناني أنّها لعبة “الكاميرا الخفيّة” ، فرجاءً بعد أن يبنشر دولابك ، نبّش عالكاميرا و ابتسم … هيدا مقلب مقصومن الحكومة لتمازح مواطنيها الأحبّاء !!! أمّا الطرقات الخاصة “الملتوية” مزفّتة باعتناء خصّيصاً لمرور سيّارات ال”فومي” و الموتوسيكلات التي تمهّد لقدوم الزعيم إيّاه ، و ها هم يناظرون باقي السيّارات بازدراء و فوقيّة و كأن الطريق ملكهم :زيحوا يا حشرات من الطريق….
    يتبع فهناك المزيد و المزيد من الإنتقادات اللاذعة عزيزي ، لكنّي قد نعست جدّاً و جدّاً و جدّاً ..

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s