عشر ملاحظات في الثورات العربية


جو حمورة

مما لا شك فيه أن العام 2011 سينطبع في ذهن ووجدان وذاكرة كل عربي أكان مشاركًا بإسقاط أنظمته السياسية البالية أم كان مدافعاً عنها أو مجرد متفرج مترقب لضوضاء ما يحدث…فالثورات العربية بمعانيها، مسبباتها، شواهدها وأحداثها المتسلسلة سيكون لها أثرٌ جمّ على مستقبل كل عربي. وإن شهد هذا العام ثورات شعوب تونس ومصر والبحرين وليبيا واليمن وسوريا فقط، فقد لا تبدو بقية الشعوب العربية بعيدة عن “الحالة الثورية” واللحاق بركب جيرانها بخلق ديناميكية ثورية خاصة بها رغم ترقب الأنظمة المستجد والمتزايد لها بما لتشابه الأنظمة العربية جمعاء بسِمة دكتاتورية القابضين على السلطة وشحّ الحريات للمتسَلط عليهم، لذا من خلال تحليل ما جرى وما حال الأنظمة الأخرى يمكن ملاحظة ما يلي:

– إعادة إحياء كلمة “الثورة” بمعانيها وإعادة الإعتبار لها، فهذه الكلمة التي كانت بدأت تنضب من ذاكرة المواطن العربي وأصبحت ذكرى كلمة عابرة تدّرس في كتب التاريخ عادت لتصبح في فكر المواطن حقاً من حقوقه وأسلوباً شرعياً يحظى بقبول لديه لإرساء صفة التنفيذ على الحالة الرفضّية التي تتملكه.

– ظهور وجه شَبَه فاضح بين الأنظمة السياسية العربية جمعاء، فكلها ديكتاتوريات فردية ذات صبغة عسكرية مخابراتية مدعومة بطبقات بورجوازية ملحقة بها، وإن تغير مسمّى موقع الحاكم ما بين ملك أو رئيس أو أمير أو قائد…فتبقى الأنظمة على شاكلة بعضها عند مقاربة ردّها على الحالة الرافضة للنظام التي قام بها شعبها (فلا فرق من حيث الدكتاتورية بين الرئيس بشار الأسد والملك عبد الله بن عبد العزيز أو القائد معمر القذافي…فكلهم في ظلم شعوبهم سواسية)

– إن لم يتواجد شعور القهر والإستبداد عند عامة الشعب فإنتصار الثورة يكون شبه مستحيل، فالفعل الثوري ليس دائماً حالةً واعية موجودة عند “الثائر” قائمة على رؤية عقلانية، بل عادةً ما تكون رد فعل عفوية نابعة من إحساس بظلم فردي وآخر جماعي.

– إن الإلتزام بمنهج المقاومة المدنية السلمية التصاعدية هو المفتاح في التصعيد الثوري في بداية كل ثورة، فالأنظمة المستبدة المتينة في بادئ الثورة لا تقاوَم بالقوة بل بالتدرج “لنخرها” بأفضل طريقة عبر سحب بساط التأيد “الأكثري” من تحت قدميها، وتجيش الأكثرية الصامتة ولسحب ذريعة “الثورة تسبب الفوضى” التي يدّعيها النظام. (الثورة البحرينية السلمية إستعجلت بالتصعيد الثوري، عبر تمركزها في دوار اللؤلؤة وسط البلاد سريعاً (بعد أسبوع واحد من إندلاع ثورة 14 فبراير) فلم تكسب الحالة الرفضية في البحرين أي عنصر جديد يزيد على مكاسب المعارضين للنظام ويقلل من مؤيديه، بل هي ببساطة كانت مجرد تَجَرؤ من كان رافضاً للنظام أصلاً على قول رأيه)

– فشل المعارضات “المدجنة” داخلياً كما الحركات اليسارية في كل الأنظمة إبان الثورات حيث لعبت دوراً ثانوياً أحياناً ومعيباً أحياناً أخرى، وما قامت به الشعوب إبان الثورة كان مقاومة على جبهات ثلاثة: الأنظمة المستبدة، النخب المعارضة المتواطئة، التدخل الخارجي الساعي إلى الإستفادة منها. فوقوف النخب”المعارضة” في منتصف الطريق خيار بائس وهم عادة ما يكونون أول مَن يُرفضون من قِبل الجموع الثائرة والراديكالية الساعية إلى التصعيد في حين هم ساعون إلى المهادنة مع النظام.

– عدم وجود بديل واضح لأي من الأنظمة القائمة، ففي معظم الحالات لم تكن النخبة القائدة للثورات والمأطرة لها على إتفاق حول برنامج عمل واحد يُسقِط النظام فكيف بالأحرى بالإتفاق على مشروع واحد لما بعد سقوطه، فالحركات الثورية عادةً ما تكون فجائية، “لحظية”، سريعة ومتصاعدة تواتراً فلا تعطي فرصة لبناء برنامج مستقبلي يحدد شكل الحكم اللاحق فتكون السِمة الأساسية لما بعد الثورة هي حالة الفوضى ليعود ويرسي النظام الجديد بعد حين (في كل الأنظمة التي قامت بها الثورات لا وجود لملامح برنامج واحد لما بعد سقوط النظام، جرت محاولة إبان الثورة المصرية لكن ما لبثت أن فشلت)

– عدم غياب البعد الإجتماعي عن الحركات الثورية العربية، فالفقر كما الظلم السياسي من أباء الثورة والجوع كما شح الحرية من محركيها. (بداية التحرك في تونس وسوريا كان في مناطق الريف الأكثر حرماناً فيما المُدن لحقت بالركب الثوري لاحقاً، أما الدول التي يغلب عليها الطابع العشائري كـ ليبيا واليمن فيحول دون إنضمام الريف في بادئ الأمر إلى حالة التغيير لما لأهمية الولاء للعشيرة الموجودة في الأرياف وزعيمها ومدى تأثيره على “أبناءه” وهو الذي بدوره موالٍ للنظام خوفاً على سلطته ودور عشيرته)

– بروز العوامل الطائفية والقبلية والمناطقية والوطنية وتقدمها بشكل كبير على الإحساس القومي “العربي”، فالثورات العربية وضّحت بأحداثها المتلاحقة أولية انتماء الفرد العربي لمنطقته أو قبيلته أو وطنه دون غياب الإنتماء والدَفع الطائفي عن الحراك الثوري، فيما كان الإنتماء القومي –العربي الغائب الأكبر رغم تزامن الثورات مع بعضها البعض إلا أن التضامن الثوري بين “الأقطار” العربية كان رمزياً لا يرقى إلى حدّ التصرف العملي المفيد أبعد من الوقفات الرمزية أما السفارات ( في كل المظاهرات العربية لم يرفع شعار “عروبي” أو ناصري واحد أو شعاراً وحدوياً عابر للبلاد، بل كانت أغلبها معبّرة عن الإلتزام الوطني)

– يوم كان عموم الشعب ينظر إلى الصراع الدائر بين الإسلاميين والنظام وكأنه لا يعنيه أخذت حركات الإسلام السياسي، التي كانت أكثر مظلوميةً بين المظلومين إبان حكم الأنظمة الإستبدادية، ذمام المبادرة في الحركة الثورية وقطفت بعضاً من ثمارها بذكاء وبراغماتية (الإخوان المسلمون في مصر وحزب النهضة في تونس…) بينما الأقليات المسيحية فتصرفها الفاتر خلال الثورات العربية فما هو إلا دليل تقدم الإحساس بالخوف على الوجود لديها، نتيجة إعتقادها أن أي تغير فجائي قد يوصل الإسلاميين إلى السلطة، على الإحساس العام بالمصير الوطني المشترك أو “الوحدة الوطنية” (الأقباط كانت مشاركتهما في الثورة المصرية لاحقة وخجولة في بادئ الثورة، في حين مشاركة المسيحيين في الثورة السورية هي شبه معدومة)

– من غير الممكن أن يتم تغيير من دون جهود قطاعات واسعة ومختلفة من الشعب، فتظافر القطاعات والطبقات بإختلاف مشاربهم يؤدي إلى تصدّع النظام القائم وسقوطه سريعاً، فيما بقاء عدد من القطاعات الكبيرة خارج الحالة الثورية يضع هذه الأخيرة في حالة المراوحة وإستنزاف الذات (عدم مشاركة قطاع تجار مدينة دمشق وصناعيي مدينة حلب يضع الثورة السورية أمام حالة مراوحة وتراجع وحصار يمنعها من التمدد إلى عموم أرجاء البلاد)

——————-

العودة الى الصفحة الأساسية

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s