الثنائية اللبنانية: الهويات المجتمعية


جو حمورة

هذا الجزء الثاني من بحث تحت عنوان الثنائية اللبنانية: السياسية – التاريخية والهويات المجتمعية. 

مما لا شك فيه أنه في لبنان والشرق بشكل عام تشكل الطائفة، كإطار إنتمائي للأفراد، حقيقةً مجتمعية قائمة ثابتة ومستمرة… وهذا الإنتماء وُجد زمنياً قبل وجود الدولة شكلاً ونظاماً ويستمر في حال تفككها، فالإنتماء الفردي للطائفة، لكل الطوائف، يشكّل القاعدة الإنتمائية الأولى ومرجعية الأفراد الأولى قبل الإنتماء الوطني أو المناطقي أو “القومي” لأن وجدان ومشاعر وذاكرة الأفراد هؤلاء مرتبط جوهرياً وجدلياً بالمجموعة الأولية التي ينتمي إليها وهي الطائفة….فبالنسبة له وجوده الفردي الفاعل مرتبط بوجد طائفته الفاعل، وحريته من حريتها وقوته من إزدهارها وأي ضرر سيلحق بها سيلحق به…

ومرَد هذا الإنتماء الأولي للأفراد الى الجماعة – الطائفة يعود، بالإضافة الى ذاكرة الفرد الجماعية المرتبطة بتاريخ طائفته والتربية الطائفية التى يتلقاها، بشكل أولي الى الخوف من الآخر (أي الطائفة الأخرى) في لعبة السلطة والنظام والوجود الديمغرافي لأنه يعرف، بالإضافة الى أن تراجع دور طائفته وقوتها سيؤدي الى تراجع دوره الفردي، أن تقدم دور أي طائفة أخرى وزيادة قوتها لن يكون سوى على حسابه وحساب وجوده ووجود طائفته. فيما الخلاف الفاضح بين الطوائف يبرز في كل شيئ: فلكل طائفة تاريخ خاص وذاكرة خاصة وأمال خاصة وأهداف خاصة وأساليب عيش خاصة وتطلعات خاصة لشكل الدولة والنظام ودور لبنان وعلاقاته… فبالتالي لكل طائفة هويتها الخاصة المختلفة بكل شيئ عن الطوائف الأخرى، ولا يجمع بينها كلها سوى الخوف على وجودها الفاعل من الآخر، واﻟﺸﻌﻮر اﻻﻗﻠﻮي لأبناء كل طائفة، ووجودها المكاني في حيز جغرافي واحد يدعى لبنان.

اﻟﺸﻌﻮر اﻻﻗﻠﻮي، ﺑﺤﺪ ذاﺗﻪ، ﺑﺮهان ﻋﻔﻮي ﻋﻠﻰ أن ﺻﺎﺣﺒﻪ ” ﻣﺨﺘﻠﻒ”  ومغاير ﻋﻦ اﻵﺧﺮ.  وهذا ما يعطي كل مجموعة (طائفة) ﺧﺼﻮﺻﻴﺔ بذاتها. كما أن ﺣﺲّ اﻹﻧﺘﻤﺎء المجتمعي لكل طائفة واﻟﺸﻌﻮر اﻟﻌﻔﻮي اﻟﺪاﺧﻠﻲ ﺑﻪ واﻹرﺗﺒﺎط “الإجتماعي والثقافي…” للأفراد مع من يتشاركونهم ﻓﻲ اﻟﺸﻌﻮر هذا هو ﻓﻲ بنيته وتكوينه الأساسي في اﻟﺸﺮق ولبنان ﺣﺲ ديني ﻓﻲ أﺳﺎﺳﻪ وﺟﻮهره. فثنائية الأديان اللبنانية (الإسلام والمسيحية) المختلفة في كل شيء هي المكون والمرجع الأساسي والأولي للهوية المجتمعية للأفراد، فيما يأتي الإنتماء لوطن أو قومية بمركز ثانوي.

إن القول أن ﻟﻜﻞٍ ﻣﻦ اﻟﻤﺴﻴﺤﻴﻴﻦ واﻟﻤﺴﻠﻤﻴﻦ هوية خاصة ﻠﻴﺲ فيه أي ﻋﺎر أو ﺗﻌﺼّﺐ او ﻓﺌﻮﻳﺔ او إﻧﻌﺰاﻟﻴﺔ، لأن هذا اﻟﻘﻮل ﻳﻌﺒّﺮ ﻋﻤﺎ هو ﺣﺎﺻﻞ وهو ببساطة ﻣﻌﺎﻳﻨﺔ ﻟﻠﻮاﻗﻊ. لذا، فبالنظر الى الثنائية اللبنانية: السياسية – التاريخية ومعالجة التاريخ الإنقسامي الثنائي الكِثاري (1) في لبنان ومقاربته بثنائية الهويات اللبنانية يمكن إستدلال الملاحظات التالية:

– وجود علاقة جدلية بين الإنقسام الثنائي الهَوَوي الإسلامي المسيحي من جهة وثنائية الإنقسام الثنائي التاريخي في لبنان من جهة أخرى، فالإنقسام التاريخي الثنائي ذات الطابع الطائفي في لبنان يشكّل دافع لإستمرار وتغذية هذا الإنقسام ثنائياً في الهوية المجتمعية (بما للتاريخ، الذي يشكل جزء أساسياً من الهوية، من تأثير على الواقع) والإنقسام الطائفي الثنائي في الهوية المجتمعية يشكل “مبرراً” وإضاءة لمعرفة التاريخ الحقيقي للبنان على وقع نظرة جديدة أكثر حقيقية وعلمية تضع الإنقسام الثنائي في الهوية المجتمعية عنصراً ومعياراً أساسياً لدراسة تاريخ لبنان.

– تكوّن الدولة اللبنانية ووجودها “القانوني، والنظمي” لعشرات السنين لم يؤدِ الى إلغاء الطوائف أو الطائفية من النفوس، بل بقيّت الطوائف عند اللبناني أولية بإنتمائه إليها مقارنة مع ثانوية إنتمائه للوطن والدولة.

– أسباب الحروب والصراعات السابقة والحالية في لبنان مردّها الى خلاف طائفي بسبب الإختلاف بين  الهويات المجتمعية للمسلمين والمسيحيين اللبنانية وأي حلّ عملي وسلمي ودائم لهذا الصراع لا يكون سوى بالإنطلاق من واقع الإختلاف الثنائي للهويات المجتمعية كإطار لإستنباط حل دائم في لبنان.

وإذ يستمر النظام السياسي وواقع الحال في لبنان الركون الى المعادلة التالية: “حكم أكثريّ في نظام طوائفيّ بدمقراطيّة توافقيّة”(2)، وهذا ما يجعل أي خلاف في لبنان مهما صغر ذات طابع طائفي وكل سلام فيه مرحلي وهدنة تسبق إندلاع حرب طائفية أخرى، ويبقى الشعور بالإنتماء الى الطائفة هو المسيطر الأولي في نفسْ كل فرد (أراد أم لم يردّ، فهويتنا تصنعنا أكثر مما نحن نصنعها) والشعور بالخوف على الوجود من الآخر هو المحرك للسياسة في لبنان..أما الحل فيكون بتطمين حسّي، فعلي، مقبول، ودائم للطوائف اللبنانية عبر نظام سياسي تعددي يرعى التعددية الطائفية الحقّة ويوسّع النُظُم الإدارية والسياسية والإقتصادية لكل طائفة في بنية الدولة والنظام السياسي بشكل يؤدي الى إضمحلال الخوف الوجودي من الآخر.

————————

(1) – الإنقسام الثنائي الكِثاري: الإنقسام ذات الطابع الحاد بين طرفين أساسيين ويتكون كل طرف منهما من مجموعة أطراف أخرى لا تخرج عن إجماع المجموعة التي هي جزء منها. والمقصود فيه الإنقسام المسيحي الإسلامي.

(2) – “حكم أكثريّ في نظام طوائفيّ بدمقراطيّة توافقيّة” ، أنطوان نجم، مجلة المسيرة، في  13/5/2010

لمراجعة دراسة: “الثنائية اللبنانية: السياسية – التاريخية والهويات المجتمعية”.  الجزء الأول  ، الجزء الثاني 

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s