الثنائية اللبنانية: السياسية – التاريخية


جو حمورة

هذا جزءٌ أول من جزئين  لبحث تحت عنوان الثنائية اللبنانية: السياسية – التاريخية والهويات المجتمعية.

بغض النظر عن المقولات التضخيمية الخداعة التي تدّعي أن “لبنان” السياسي يعود عمره الى 6000 سنة ونيف، والتي تبدو كالرياء الأبيض المقصود والهادف الى خلق هوية وجذور “أعظم” من تلك التي نملك من أجل التعويض عن الإحساس بالنقص الديمغرافي والمكاني المحفور في ذاكرة ووجدان كل لبناني، إلا أن التاريخ السياسي الواضح والفعلي للبنان قد إبتدأ في النصف الثاني من القرن التاسع عشر مع إنتشار أفكار كـ “الدولة – السيادة – الإستقلال…” في أذهان بعض المفكرين اللبنانيين وإقرار القائمقاميتين (1) كنظام سياسي يرعى و”يلطّف” الخلافات المارونية – الدرزية وحروبهم المستمرة في جبل لبنان ويقر بالثنائية بين القوى الموجودة حينها، ليعود ويُلحقها شكيب أفندي بتعديلاته (2) التي أرست تمثيلاً طائفياً في “الكيان” اللبناني ما زال مستمراً حتى اليوم.

تميزت الحرب اللبنانية الأهلية في عام 1841 وما لحقها من حروب أخرى عام 1845 وأحداث 1858-1860 بالثنائية المارونية – الدرزية وتشكلت على أثرها حقيقتان :
– تجديد الإقرار القانوني والنُظُمي بالثنائية المارونية – الدرزية المعمول بها في نظام القائمقاميتين لتستمر في نظام المتصرفية (1861 – 1918)

– تصلّب الهوية الخاصة لكل مجموعة طائفية في جبل لبنان نتيجةً لمواجهاتها الدموية مع الطرف الآخر وإستمرار تطورها الداخلي (الإقتصادي – الإجتماعي – الثقافي….) بشكل فردي بمنأى عن المجموعة الآخرى.

ظهرت الثنائية اللبنانية في أوضح صورها عند نهاية الدولة العثمانية ودخول الإنتداب الفرنسي الى لبنان عام 1918 وتجلى بتوجه إسلامي متحمّس وواضح بالدخول في الوحدة العربية بقيادة الأمير فيصل ورافضين للإنتداب في حين كان التوجه لدى المسيحيين لزيادة مساحة لبنان لتشمل أطرافه الزراعية الحالية، فتجلى هذا الخلاف الثنائي حول الدولة الى بروز نقطتين:
– بروز ثنائية طائفية (مسيحية  – مسلمة) لا مذهبية كما كانت ( درزية – مارونية) بشكل جعل التلاقي بين المذاهب على الصعيد الطائفي حقيقة وليس على صعيد وطني خارق للطوائف.

– بروز خلاف أعمق وجذري بين المكونات الطائفية اللبنانية تجلى بالخلاف على: شكل الدولة وحدودها، الهوية القومية، دور الكيان، وحق تقرير المصير الطائفي…

كان هذا التجسيد الحقيقي للخلاف الثنائي، ذات الطابع الطائفي، يتبلور في المعارك الداخلية على شكل الدولة وتوزيع السلطات فيها في: إقرار الدستور عام 1926، تناتش المراكز والسلطات، تنظيم العلاقة مع الإنتداب….الى حين تفجره من جديد في “معركة الإستقلال” في العام 1943 فكان الإنقسام الثنائي عنوان للمرحلة، وتبلور بين من هم مع بقاء الإنتداب وآخرين ضده، وبسبب ضعف فرنسا في الحرب العالمية الثانية وضغط الإنكليز أعلن إستقلال لبنان بعد المعركة اللبنانية الوهمية وتكرست الثنائية بإعلان الميثاق الوطني اللبناني الذي نص بالمضمون والمختصر على: “من أجل بلوغ الاستقلال على المسيحيين ان يتنازلوا عن مطلب حماية فرنسا لهم، وأن يتنازل المسلمون عن طلب الانضمام إلى الداخل السوري ـ العربي”، فكانت “الوحدة” المفتَرضة تكريس “مقونن” للثنائية عبر تسوية مرحلية.

كرس الميثاق الوطني تقاسم السلطة بين الثنائيتين المسيحية والإسلامية وظهور الحركات والفكر القومي التي ما لبثت أن تحولت الى حركات لا يتلقف فكرها سوى أفراد ذات الإنتماء الطائفي الواحد:
فالقومية اللبنانية ضمّت المسيحيين بشكل شبه كامل.
والقومية العربية ضمّت المسلمين بشكل شبه كامل.
أما القومية السورية الإجتماعية والتحزّب الشيوعي فشذا نسبياً عن القاعدة ولكن تأطرا سياسياً بتحالفهم مع رافضي الفكر القومي اللبناني وأرباب النظام السياسي القائم، وبرز هذا الخلاف الذي تمخض ثنائياً بين 1952-1958 مع بروز القومية العربية بنسختها الناصرية ومناوئينها “الشمعونيين” ذات التوجه الغربي، فكان الصراع ثنائياً بين أغلبية مسلمة داعمة للوحدة العربية وتغيير سياسة لبنان الخارجية وتوزيع السلطة في النظام بشكل أعدل، وأغلبية مسيحية رافضة للوحدة العربية المستجِدة والمدّ الناصري واليساري والسياسات المعادية للغرب، وإنتهى بتسوية سياسية بين الطرفين كرست الثنائية ذات الطابع “الطائفي – القومي” بين طرفين نقيضين وإستمرت على هذا النحو حتى إندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 فكان الإنقسام العامودي ثنائياً بين:

– الحركة الوطنية المؤلفة من القوى الإسلامية واليسارية المؤمنة بشرعية وأولوية الكفاح الفلسطيني المسلح، والساعية الى تغيير النظام السياسي اللبناني ذات الغلبة اليمينية المارونية.

– الجبهة اللبنانية المؤلفة من القوى المسيحية المؤمنة بالحفاظ على السيادة الوطنية عبر منع الكفاح المسلح، والساعية الى الحفاظ على النظام السياسي بشكله حينها.

إستمر الوضع على ما هو عليه خلال الحرب اللبنانية الأهلية على النُسُق التالي:
– رفض مسيحي بشكل عام للوجود السوري في لبنان ولتغيير بنية النظام السياسي وتقرّب من الفكر الغربي الثقافي والسياسي الإسرائيلي، ورفض مسلم للوجود الإسرائيلي في لبنان وسعي الى تغيير بنية النظام اللبناني وتقرّب من الفكر والإنتماء العربي والسياسي السوري.

– إستمرار الإنقسام الثنائي ذات الطابع الطائفي الشبه كامل وتواجد ضمن كل طرف من الطرفان مجموعات “مختلفة” تتنازع فيما بينها لكن ضمن الإطار المرسوم لسياسية الطرف التي هي جزء منه.

ويستمر هذا النُسُق من الخلاف الثنائي إنما الكِثاري (3) ذات الطابع “الطائفي – السياسي”  حول كل شيء تقريباً بين قوى 8 و14 آذار، فلكل مجموعة رؤيتها الخاصة في: السياسة الخارجية والتحالفات الإقليمية، إدارة الدولة، السياسيات الإقتصادية، الرؤية حول الصراع العربي الإسرائيلي، أولوية دور المقاومة أو دور الجيش في الدفاع الوطني، أولوية المقاومة أو الإنماء، أولوية الإنتماءات الإقليمية أو اللبنانية….وفي ظل عدم ظهور إصطفاف متعدد أبعد من الإصطفاف الثنائي تاريخياً أو حالياً يشكّل هذا الإنقسام الثنائي، رغم منعه أي حركة تطويرية سريعة للواقع السياسي في لبنان، واقعاً حقيقياً يعود بجذوره الى خلاف أساسه طائفي وإختلاف في واقع وحقيقة الهوية المجتمعية للثنائية اللبنانية المسيحية الإسلامية نعالجها في القسم الثاني.

—————————-

(1) –  نظام القائمقاميتين: نظام وضعه الأمير مترنيخ (وزيرخارجية النمسا) ويقر بالثنائية اللبنانية على أساس طائفي، فخُلق إدارتين شبه مستقلتين عن بعض واحدة للدروز وأخرى للموارنة من سنة 1840 الى سنة 1860.

(2)  – تعديلات شكيب أفدي: زادت على نظام القائمقاميتين مجلس لدى كل قائمقام له وظائف قضائية ويملك الحق في الإشراف على توزيع وجباية الضرائب، ويكون مكون من عشرة اشخاص موزعين ينسب حسب الطوائف اللبنانية في 2 سبتمبر 1844

(3)  – الخلاف الثنائي الكِثاري: الخلاف ذات الطابع الحاد بين طرفين أساسيين ويتكون كل طرف منهما من مجموعة أطراف أخرى لا تخرج عن إجماع المجموعة التي هي جزء منها.

لمراجعة دراسة: “الثنائية اللبنانية: السياسية – التاريخية والهويات المجتمعية”.  الجزء الأول  ، الجزء الثاني 

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s