“الهجرة” اللبنانية المعاكسة


جو حمورة

مما لا شك فيه أن البحث في “الهجرة الداخلية للشعب اللبناني” موضوع شائك بحاجة الى دراسات مفصّلة لِما لأهمية تضّمن هكذا بحث من تفاصيل إحصائية وَجِب الإضطلاع والبناء عليها ومعظمها غير متوفر أصلاً، إلا أنه من شبه المسَلم به أن الهجرة الداخلية من الريف الى المدن وخصوصاً بيروت بدأت في أواخر الربع الأول من القرن العشرين مع إنشاء دولة لبنان الكبير بحدودها الحالية و”عاصمتها الإقتصادية بيروت” وبداية تراجع المهن التقليدية ذات الطابع الزراعي لمصلحة المهن ذات الطابع الصناعي والخدماتي والتي تمركزت بالمدن كون البنى التحتية فيها قابلة لإستيعاب نسبياً تضخم هذا القطاع (الصناعي والخدماتي)، في حين إزداد النزوح من الأرياف الى المدن بشكل تصاعدي ومتسارع من حينها الى الأمس القريب بسبب تركيز الدولة لخدماتها في المدن هاملةً المناطق الريفية البعيدة وتركيز القطاع الخاص لمشاريعه في المدن بهدف الربح السريع نتيجة التوفير في كلفة النقل…فوصلت “نسبة سكان المدن بشكل دائم أو شبه دائم في لبنان الى 87% من مجموع السكان في العام 2008”.(1)

نتيجة لهذا التضخم السكاني في المدن اللبنانية وأحذمتها البائسة غدّت المدن كلها حزاماً واحداً بائساً (ما عدا بعض الشوارع ذات الطابع التراثي التي لا يسكنها سوى عدد محدود من اللبنانيين) وما عادت الدولة اللبنانية، بسبب موازناتها الإجتماعية والخدماتية القليلة من جهة ولفساد إدارتها من جهة أخرى، قادرة على تحقيق الإنماء المقبول لساكني المدن الكُثر زِد على أن حالة غلاء الشقق السكنية التي لا يقف أمامها أي رادع أخلاقي من مالكيها في ظل غياب نظام ضرائبي فعال على مستثمري القطاع العقاري يحدّ من الأسعار فيقف الإرتفاع هذا حائلاً أمام طموحات أي شاب وشابة لبنانية متوسطي الحال بإقتناء شقة سكنية، بالإضافة الى حالة الفوضى المُدُنية وتنظيم الأبنية وفوضى قطاع النقل وزحمة السير الخانقة واليومية في كل بيروت والمعروفة من كل “مُدني” ومشاكل التلوث البيئي المستفحلة فيها، ناهيك عن أسلوب العيش وثقافة المدينة المنفتحة أكثر من الأرياف التي لا يستثيغها العديد من اللبنانيين…لذا تشكّل هذه النقاط مجتمعةً وغيرها أسباباً شبه كافية لهجرة من المدن ولكن الى الريف وليس الى خارج لبنان  للأسباب التالية:

–         عدم توافر الإمكانات المادية وإرادة الهجرة الى الخارج من قِبل من تبقى في لبنان.

–         قدرة مساحة الأرياف على إستقبال الأعداد الكبيرة، فلكل قرية لبنانية أراضٍ قابلة للإعمار والسكن على أطرافها ما يزيد بأضعاف عن مساحتها الحالية المسكونة.

–         نسب العاطلين عن العمل في لبنان والتي تتراوح بين 30% (2) بالحد الأدنى الى 40% (3)  بين بطالة جزئية وبطالة كاملة وعدم قدرتها على الحصول على عمل ثابت ومربح في المدن فتفضل إختصاراً لتكاليف البحث عن العمل العودة الى القرى.

–         الكلفة المتواضعة لإعمار منزل في القرى مقارنةً مع كلفة شراء منزل في المدن بالإضافة الى وجود منزل العائلة القابل للسكن.

–          وجود البنى التحتية: مِن طرقات وشبكات نقل خاصة تختصر المسافة بين المسكن (القرية) ومكان العمل في المدن وضواحيها.

–         توفر الخدمات الحياتية في الأرياف من مستشفيات وجامعات ومدارس ومعاهد مهنية (معظم هذه المؤسسات الخدماتية تابعة للقطاع الخاص والذي لجأ الى الأرياف خصوصاً الساحلية فاتحاً فروعاً له فيها لتقوية إنتشار مؤسساته وزيادة أرباحها) بحد يصل مستواها العلمي والأكاديمي والمهني بنسب توازي مثيلاتها في المُدن وهذا ما يخلق، بالإضافة الى الخدمات الحياتية، فرص عمل تساهم في سدّ بعضاً من ثغرات نسب العاطلين عن العمل.

–         إنخفاض نسب الولادات لكل عائلة بشكل ملحوظ للعائلات ساكني الأرياف فيؤدي هذا الواقع الى حماسة البنين أو بعضهم الى العودة للأرياف لسببين أولهما “الإهتمام” بالأهل والأرض وثانيهما “الطمع” بالأرض والممتلكات العائلية وإرثها المادي.

–         بقاء صلات الإرتباط العائلية والقروية والثقافية القوية بين الشباب المتواجدين في المدن للعمل أو الدراسة وبين العائلة والقرية حيث لم تنجح ثقافة المدينة بطمس هوية الوافدين الجدد إليها ما يؤدي الى سهولة عودتهم الى أريافهم الأصلية وإندماجهم فيها بسرعة وناقلين معهم بعضاً من ثقافة المدينة إليها: ما يؤدي الى إنتشار ثقافة المدينة المشهودة بتعدد طرق الإستثمار سعياً للربح فينتج عن ذلك خلق فرص عمل في الريف وتحرك البنية الإقتصادية الريفية بشكل “يطّور” النمط القروي السائد على الصعيد الإقتصادي الى نمط أكثر مدني.

قد لا تكون هذه الأسباب هي جميعها التي ستؤدي الى هجرة معاكسة من المدن (خصوصاً العاصمة) الى الأرياف إلا أن صعوبة الحياة في المدن في ظل غياب أي تخطيط رسمي للإقتصاد الوطني، وتراجع الطبقات المتوسطة الكابحة لأي تغيير فجائي في البنية السكنية والإقتصادية، والعوامل النفسية نتيجة فشل طموح الشباب في تحقيق مستوى معيشي يلامس حدّ المقبول باللإضافة الى تزايد الإستثمار القطاع الخاص في الأرياف…ستكون دوافع كافية بجعل هذه الظاهرة المدروسة واقعاً حقيقياً بعد نيفٍ من السنين في لبنان، وبسبب هذه الهجرة المعاكسة الى الريف وإفساحاً بالمجال لإستقبالها ستتراجع البيئة اللبنانية النظيفة مِن أحراش وأراضٍ زراعية أمام إستقبال الوافدين القدماء – الجدد.

—————————

(1) “اليوم العالمي للسكان: لرفع مستوى الوعي حول التحولات المدنية السريعة”، نغم أسعد، اللواء في 2008/07/15

(2) “البطالة في لبنان كرة نار ملتهبة و«الطاسة ضايعة»”، وعد ابو دياب، جريدة البناء في 3/11/2011

(3) “نسبة العاطلين من العمل في لبنان تتراوح ما بين 30 و40%”، ندوة عن البطالة في جامعة البلمند، الدكتور دال حتي، 23/5/2011

العودة الى الصفحة الأساسية

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s