حرب تموز: في ميزان الخسارة والربح


جو حمورة

لعدة سنوات خلتّ عَمَدَ من إفتعل حرب تموز الى الصدح عبر إعلامه وإعلامييه وخطبائه وكتاباته الى التفاخر بفوزه فيها مدعياً هزيمة إسرائيل ونصره رابطاً هذا “الفوز” بإرادةٍ ربّانية لكأن حزبه هو فعلاً حزب ” الله “.

يتكّل منهج حزب الله الخطابي فيما خصّ موضوع مقاربة نتائج حرب تموز بحجة قول القيادة الإسرائيلية أن هدفها هو ” القضاء على حزب الله وما يشكله من تهديد على شمال إسرائيل…” ناسياً أن دولة إسرائيل لديها رأي عام يهمّها بالحد الأدنى إرضائه أو التبرير له وهو الذي يعتبر أن هكذا شعار مرضياً ويستحق المجازفة من أجله بدخول الحرب، بالإضافة الى أن نظامها الديمقراطي (على مواطنيها حصراً!) يفترض وضع مبررات ومسوغات تعطي دخول إسرائيل الى لبنان ومحاربة حزب الله قيماً وطنية إسرائيلية مبنية على تحقيق أمن مجتمعها لتلقى دعماً شعبياً أو أقله عدم معارضة داخلية لها، كما أن التاريخ المعاصر والقديم يبيّن أن بداية الحروب جميعها تشهد مواقف وأهداف كبيرة ومتطرفة من المشاركين فيها بغية الدخول بأفضل الشروط الممكنة عند تسوية النزاع القائم.

مما لا شك فيه انه من الناحية العلمية البحتة لا يمكن الرجوع الى خطابات السياسيين والعسكريين عند خوضهم الحرب وأهدافهم المعلنة، بما لمواقفهم من أهدافاً وأسباب غير واضحة لعامة الناس بل إحتمال إحتوائها رسائل سياسية وعسكرية مبطّنة للأطراف الآخرى موضوع الصراع أو القوى الدولية، ناهيك عن ما تحمله الحروب والتصاريح السياسية المرافقة لها من كذب وحِيّل وخداع موجهة لمسمع الطرف الآخر بغية غشه، لذا تكون المقاربة العلمية الأدق والأصح هو الركون الى القاعدة العلمية التالية:

لمعرفة من فاز بأي حرب كانت: نرى الإتفاق السياسي الذي أنهاها، وذلك لأن الإتفاق السياسي الذي أنهى الحرب هو موازٍ للواقع العسكري القائم نتيجة سير الحرب..فمهما عرفنا الواقع العسكري في خضم المعركة تبقى المعرفة محدودة لما لأرض المعركة وتفاصيل أحداثها من سريّة وخطورة، بينما المسؤولون عن القتال من الطرفين يعرفون الواقع العسكري تمام المعرفة وبالتالي يدركون أن الواقع العسكري عند ميله لطرف ما على حساب الطرف الآخر سيكون الإتفاق السياسية الذي ينهي الحرب موازياً له وصورة سياسية طبق الأصل عن الصورة العسكرية الناشئة.

فمعاهدة فرساي مثلاً التي أرست نهاية الحرب العالمية الأولى كانت لمصلحة الحلفاء وليس لمصلحة قوات المحور وذلك لأن قوات الحلفاء كانت منتصرة في الحرب، وكذلك الأمر بالنسبة لإتفاق الطائف ووثيقة الوفاق الوطني اللذان أرسيا نهاية للحرب اللبنانية الأهلية كانا لمصلحة المنتصرين وهم السورييون والإسلام السياسي وذلك لأن الحرب إنتهت لصالحهم مقارنة بالأطراف الآخرى..وكذلك الأمر بالنسبة لكل المعاهدات والمواثيق التي أرست نهاية للحروب التي لا عد وحصر لها، فعلى ماذا نصّ الإتفاق الذي أوقف حرب تموز وهو القرار الأممي 1701 (1) ولمصلحة مَن ينحاز في بنوده؟

أهم النقاط التي أقرها القرار الأممي 1701 الذي أوقف الحرب والذي وافق عليه حزب الله والحكومة اللبنانية والحكومة الإسرائيلية:

– مغادرة القوات الإسرائيلية للأراضي اللبنانبة بالتوازي مع نشر الجيش اللبناني في الجنوب.
– مغادرة عناصر حزب الله المسلحة للأراضي الواقعة جنوب نهر الليطاني.
– نشر قوة دولية معززة في جنوب الليطاني يصل عددها الى 15000 جندي أممي.

– منع مبيعات أو إمدادات الأسلحة والمعدات ذات الصلة إلى حزب الله أو أي طرف آخر عدا ما تأذن به حكومة لبنان.
– نشر قطع حربية بحرية دولية في المياه الإقليمية اللبنانية لمنع تزويد حزب الله بالسلاح عبر البحر.

بالنظر لهذه النقاط وغيرها نرى أن الإتفاق أتى لمصلحة الطرف الإسرائيلي بشكل كبير إنما غير كامل، ما يؤكد إنتصار الطرف الإسرائيلي على حزب الله في حرب تموز، فهذا الإتفاق “السياسي” ما كان أقر لمصلحة إسرائيل لولا تقدمها “العسكري” مقارنة بتراجع حزب الله، في حين موافقة حزب الله عليه تعطيه “الشرعية” وتضحض نظرية “مؤامرة دولية على الحزب” فلو كان الحزب منتصراً في الحرب لما وافق على القرار بل لكان تابع الحرب لحين إقرار قرار يوقف الحرب يكون لمصلحته.

وبالعودة الى مضمون القرار وبنوده نرى أن نشر قوات دولية والجيش اللبناني على الحدود الجنوبية يأتي لمصلحة إسرائيل عبر “حمايتها” من حزب الله، فبأي حرب قادمة يحق للقوة الدولية التدخل كذلك الجيش اللبناني، في حين أي عمل إستفزازي من جانب حزب الله سيدفع الجيش اللبناني وعناصره ثمنه بمواجهة الجيش الإسرائيلي وهذا الأمر لا يغدو لصالح الحزب لما لهكذا أمر أن يجيّش الشعور بالعداء من اللبنانيين تجاهه وهذا ما يبرر عدم إطلاق أي رصاصة من الحزب بإتجاه فلسطين المحتلة منذ نهاية الحرب.

كما أن وجود هذه القوى الدولية بما لخدماتها وتقديماتها وتوظفيها لللبنانيين في الجنوب لها تأثير نَفسّي و”مصّلحي” سينقل ولاء الجنوبيين بعد جيلٍ من ولائهم للحزب وثقافة الحرب الى ولائهم لمصلحتهم الشخصية وثقافة السلم!

بالإضافة الى الحظر البحري على حدود لبنان، قد لا يكون حظر بيع الأسلحة لحزب الله مؤذٍ للحزب بشكّل كبير ولكن لا ينفي محاولة حصار الحزب والتأثير على إمكاناته العسكرية المستقبلية..وهكذا، نرى الحدود الجنوبية هادئة منذ خمسة سنوات رغم تصاريح قيادة الحزب لعشرات المرات عن ردٍ عسكري رداً على إغتيال قائدها العسكري عماد مغنية، ما يؤكد أن حرب تموز بنهايتها إنتهت لمصلحة الطرف الإسرائيلي لا لمصلحة حزب الله وما تعليق أمينه العام قبيل توقف “العمليات العسكرية” ونهاية حرب تموز سوى الدليل أن الحزب هُزم سياسياً بموازاة هزيمته العسكرية ويدعي العكس قائلاً: “…إن حزب الله يوافق بتحفظ على مشروع وقف إطلاق النار المقترح” (2)
وما القبول مع التحفظ سوى الخضوع مكرهاً للقرار.

————————-

(1) –  راجع مضمون القرار الأممي 1701 على http://www.aawsat.com/details.asp?section=4&article=377720&issueno=10120

(2) – من خطاب متلفز ألقاء أمين عام حزب الله السيد حسن نصرالله في 13 آب 2006 (قبل يوم واحد من إنتهاء حرب تموز)

العودة الى الصفحة الأساسية

Advertisements

8 thoughts on “حرب تموز: في ميزان الخسارة والربح

  1. ياجو حمورة: الأفضل لك احترام ذاتك، العدو الصهيوني خصوصا على النطاق الشعبي يقول نحن نصدق السيد حسن ولا تصدق زعاماتنا/ وقد أقرت اللجنة الرسمية الصهيونية بأن الفوز عام 2006 كان للمقاومة الوطنية اللبنانية. علماً بأن السلاح الذي يصل المقاومة يأتيه عبر البر وليس البحر وليس هناك في 1701 أي ذكر للبحر.
    هناك الكثير من الترهات التي أوردتها التي لن أضيع وقتي بالرد عليها.

  2. منذ متى نصدق ما يقوله الإسرائيلييون !!!
    على العموم لقد أوردت القاعدة العلمية العامة التي يقارب عليها الرابح والخاسر في كل معركة والتي تعتمد على نتيجة الإتفاق الذي ينهي الحرب الموازي للواقع العسكري والتي تبرز للأسف هزيمة حزب الله بوجه إسرائيل في تموز 2006.

  3. اسرائيل هي التي افتعلت الحرب حسبما قال الحزب وانهم خطفوا الجنديين في حرب استباقية لحرب كان قد خطط لها الامريكان والاسرائيليين وكانت امرا واقعا،،، وبعدها وقع في الشرك وقال جملته الشهيرة، لو كنت اعلم…
    اريد فقط ان اذكر كاتب المقالة بحاجة اسرائيل لاحزاب عسكرية كحزبالله وحماس من حولها، لانهم الذريعة الاولى لإستبداد اسرائيل بفلسطين ولبنان امام الرأي العام، واساسا من غذى هذه الحركات في البداية او من فسح لها المجال لتنمو هم الاسرائيليون،، اذا كنت تذكر انتفاضة الحجارة بعد ٢٠ سنة مقاومة سلمية من الشعب الفلسطيني وبعد ان بدأت المقاومة تأتي بثمارها وكان حينذاك وضع اسرائيل في ازمة امام الرأي العام العالمي والمجتمع الدولي امر رابين بكسر يد الاطفال الذين يرشقون الحجارة، فأعلن الرأي العام الدولي غضبه مما يحصل وكانت كل الامور تتجه لصالح فلسطين،،، بعدها بدأنا نسمع بالارهاب وبحماس وبباص فجر بالمدنيين من هنا وبنايت كلاب من هناك،،، وكان المغذي هو دولة اسرائيل…
    وذلك يدعم نظرية ان اسرائيل لم تكن تريد القضاء نهائيا على حزب الله،،
    ولكن كي نقيس الانتصار من الخسارة علينا ان نعرف ما هي اهداف الفرقاء،،،
    حسب الحزب فهدفه من الحرب هو للدفاع عن اللبنانيين وعن لبنان،، وكان في ذلك الوقت يتحفنا كل يوم بنظرية توازن الرعب بينه وبين اسرائيل وان هناك مفاعل كيماوي قريب من الحدود واسرائيل لا تجرؤ على ان تخوض حربا معنا وقال ذلك على طاولة الحوار تبريرا لسلاحه وليقول ان السلاح لا يشكل خطر على لبنان ولا تخافو، فقام بخطف جنديين اسرائيليين، وكانت الكارثة،،،،
    اهداف اسرائيل كانت لتعويم الحزب ليبدو اخطر من ما هو ليقول للعرب ان الخطر الرئيسي ليست اسرائيل، بل ايران،، اذاً اول هدف كان تخويل الصراع من عربي صهيوني الى عربي فارسي وهذا ما حصل،،،
    الهدف الثاني هو تكسير البنية التحتية في لبنان كما تفعل كل ١٠ سنوات وقد فعلت ذلك (بحجة حزب الله الذي لم يقدر ان يمنع وقوع البنايات في الضاحية كما فعلت في ال ٢٠٠٩ في غزة بحجة حماس)
    الهدف الثالث هو اقناع العالم ان الاحزاب الراديكالية والانظمة الشمولية لا تعترف بميزان القوى ومبدأ توازن الرعب الذي هو المبدأ الاساس لامتلاك النووي،،،

    بالمقابل حزب الله لم يحقق اي هدف من اهدافه،، بل خسر ٣٠٠٠ قتيل مقابل رجل اسمه سمير القنطار،،
    وبالنسبة للقرار بوقف الحرب فإن حزب الله وافق عليه قبل اسبوعين من موافقة اسرائيل،
    ولا ننسى بعد ان قال لهم هيهات منا الذلة نزح مليون جنوبي الى بيروت تاركين بيوتهم والشراشف البيضاء على سياراتهم معلنين الاستسلام (نظرية الصمود هي جيش شعب مقاومة، والمقاومة تختبئ بالشعب، وعند النزوح خسروا الحرب بدون شك) وكان وعده صادقا عندما انتهت الحرب رجعوا الى (ليس بيوتهم) بل الى خيمهم.

    • ممتاز تحليلك، وأوافق على إعتبار أن المستفيد الأول من المنظمات المسلحة المتطرفة الموجودة على حدود إسرائيل هي إسرائيل نفسها لأن هذه المنظمات تعطي الذريعة والحجة والتبرير لإسرائيل لتشن حروبا حينما تشاء وتبقي المجتمع الإسرائيلي دائم التيقذ واليمين السياسي داخل إسرائيل دائما منتصر.

      تعليقك رائع يكمل ما قلناه. شكراً على المرور

  4. قبل حرب تموز كان الجيش الاسرائيلي لا يستحوز اي عطف من اي جهة في العالم فهو الاقوى بدون منازع وكل عراك بينه وبين اي جهة اخرى في المنطقة يلام هو اولا وآخرا،،،، بعد حرب تموز اسرائيل جعلت من الحزب، بعد ان كان مقاومة ذو امكانيات متواضعة نسبيا، جعلت منه خطرا اعظم بحيث انه “وقف بوجه ترسانة الجيش الاسرائيلي” وحولته من حزب مقاوم الى اكبر جيش ارهابي بتاريخ المنطقة…
    ملاحظة: حتى التحريركان مسرحية، وكان الانسحاب الاسرائيلي نتيجة ضغط من المجتمع الدولي الذي كان يمول كل جيش لبنان الجنوبي،، وكان سبب الانسحاب هو الضغط على سوريا للخروج من لبنان وبالوقت نفسه الغاء سبب وجود سلاح المقاومة،،
    ولكن اسرائيل لم توافق حينها على الانسحاب الا عندما اعطيت ضمانة، وكانت الضمانة الخط الازرق>>>>>>
    تذكرت شيء يؤكد نظرية مدى الخسارة التي الحقت بالحزب بحرب تموز،،،، فقبل الحرب كانت الاطراف المعارضة لحزب الله في لبنان تطالب بوجود الجيش في الجنوب مرفق بقوى دولية للحفاظ على الامن،، وكان الجيش ممنوع تواجده في الجنوب والممسك بكل بزمام الامورفي الجنوب هو حزب الله، فبعد تموز تحقق مطلب معارضين سلاح الحزب، …
    يعني موضوع مبتوت وما بدو تنان يحكو فيه،،، الحزب قبل٢٠٠٥ وبعده؟؟؟؟؟؟ الى الزوال

    • بمقارنة بين وضعية الإشتباك بين إسرائيل وحزب الله قبل الحرب وبعدها تبدو إسرائيل بعد الحرب مرتاحة أكثر، منذ نهاية حرب تموز وحتى اليوم أمن إسرائيل مؤمن وحدودها سليمة، أي عملياً نفذت إسرائيل أهدافها

      تحليلك جيد يا رجل، ولكن الحديث عن الموضوع وإبرازه هو لكي يستفيق من يظن أن حزبه إنتصر، نوع من التوعية يعني

  5. المنتصر في الحرب هو حزب الله ولبنان اولا الحرب لها امتداداتها وخاصة الاجتياح السابق للبنان اولا اسراءيل بدات الحرب باعتداءاتها اليومية ودخولها واختراقها السياج الشاءك والتوغل في الارتضي اللبنانية اختطاف المواطنين التجسس بكل انواعه وخاصة الجوي التجول في المياه الاقليمية هذه اسباب كافية للتجعل للبناننين وخاصة المقاومين هدفا في ايقاف التعديات اختطاف الجندييبن تلاه بدل المفاوضات وايقاف الاعتداءات تدمير للضاحية الجنوبية بالكامل ماذا يوجد في بيروت الضاحية اماس ابرياء تمت ابادتهم

    • تقاس الحرب بنتائجها لا بأسبابها أو أحقيتها أو ما قال كل فريق أنه يهدف من ورائها. في نهاية الأمر، إسرائيل أكثر أمناً بعد نهاية الحرب وموافقة حزب الله والدولة اللبنانية على القرار 1701.

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s