البطريرك العلماني !


جو حمورة

لم يكن إثارة البطريرك الماروني موضوع الزواج المدني مفاجئاً للمهتمين بهذه القضية أو بالمواضيع السياسية والإجتماعية بلبنان بشكل عام في محاضرته الأخيرة في 29 تشرين الثاني 2011 بل ما لفت الجميع هو تأكيده على القبول بالزواج المدني الإلزامي قائلاً: “ أما بالنسبة لقانون الأحوال الشخصية فهل يوجد في العالم قانون اختياري؟ ألم ندرس في القانون أن الصفة الأولى للقانون هي الإلزامية؟ إذا نحن مع قانون الأحوال الشخصية والزواج المدني الإلزامي لكل اللبنانيين“. (1)

مما لا شك فيه أن خلفية البطريرك الراعي القانونية المحترمة تضفي نوعاً من الصُدقية والصحة على موقفه من الناحية القانونية، ومع إن المجتمع الماروني والمسيحي الذي يرأسه (ظاهرياً بالحد الأدنى) بات أكثر تقبلاً لموضوع الزواج المدني لسببين:

– تأثير الثقافة الغربية المسيحية العلمانية على المجتمعات المسيحية اللبنانية التي ترى أن الزواج هو عقد مدني بين طرفين وحق من حقوق المواطنين.
– عدم مخالفة الدين المسيحي وتعاليمه لحالة الزواج المدني وهذا ما يؤكده العديد من المفكرين المسيحيين في العالم بالإضافة إلى إعتبار هذا الأمر مسلماً به بالكنائس الغربية (لنا دراسة ننشرها لاحقاً في هذا الموضوع)

إلا أن موقفاً من “رجل المواقف اليومية” لابد أن يلفت الإنتباه من حيث المضمون والجذرية في الطرح، فالزواج المدني الذي ما فتئ ينادي به: الشباب اللبناني ذات الميول العلمانية، المثقفون، المهتمون بالزواج من الطوائف مختلفة، المسيحيون التقدميون داخل الكنيسة، وبعض الجمعيات… لم يتعدى إصباغه بالطابع الإختياري لسببين أولهما معرفتهم المسبقة بأن ما يطرحونه – وأن كان حقاً من حقوقهم – صعب التنفيذ في مجتمع تحكمه العصبيات الطائفية والإنغلاق الديني في دولة طائفية كلبنان تتقدم فيها مصالح الجماعة ذات التوجه الديني الواحد و”الفيتوهات” المتبادلة بين الطوائف على مصالح الأفراد وحقوقهم البديهية، وثانيهما ترك الحرية للأفراد الذين ما زالوا يؤمنون بأن الزواج المدني يخالف الدين والشريعة التي يؤمنون بها بما لكلمة “إختياري” من وقع مستحب يعطي لسامعيها قبولاً بما توحيه من مغريات الحرية.

بطريرك إنطاكيا وسائر المشرق للموارنة - مار بشارة بطرس الراعي

بطريرك إنطاكيا وسائر المشرق للموارنة – مار بشارة بطرس الراعي

غير أن طرح للبطريرك الراعي هذا، إبن الكنيسة المارونية وتلميذها التي تتميز بالإنفتاح الخارجي كمجموعة مجتمعية وهوية ثقافية، وبالإنغلاق المحكم فيما خصّ كل التشريعات المذهبية الخاصة، وإن طُبق سيضع جيشاً أسود يسكن في المحاكم الروحية إعتاد جباية تعب المساكين عاطلاً عن العمل، وسيُضعف موقع الكنيسة وتأثيرها على حياة التابعين لها ويضعها أمام فقدان سيطرة بدأت تحس بها أصلاً منذ مدة ليست بقصيرة تميزت بالإلتزام الشبابي الأعمق بالأحزاب مثلاً أكثر منه إلتزاماً بالكنيسة كمؤسسة ناهيك عن ظاهرة الإلحاد الفعلي التي بدأت تظهر في مجتمعها بشكل خجول بالإضافة إلى خوفها المزمن من الإسلام السياسي الذي يحاول أخذ دورها القيادي في لعبة الدولة والسلطة اللبنانية من دون أن تغيب عقدة الذمية الموروثة والمستفحلة لديها والتي برزت خصوصاً بعد نهاية الحرب اللبنانية التي خرج منها المسيحيون أكبر الخاسرين.

لذا، وبسبب عدم توافر النوايا والمصالح الحقيقية التي تفيد الكنيسة كمؤسسة جامدة وكسلطوية خفية ومقنعة تشكّل مرجعاً لاهوتياً وسياسياً وإجتماعياً للتابعين لها…فليس من المنطقي أن يقوم رئيسها والقابض على السلطة فيها إختيارياً بعمل يُضعف مكانتها وسلطته ويشتت أوصالها وربما حتى بإغضاب جموعٌ من المؤمنين ما زالوا يعتبرون أن الزواج المدني يلامس حد الخطيئة في التعليم المسيحي.

 بالإضافة إلى أن طرح البطريرك هذا الأمر بصيغته الجذرية والإلزامية يوحي بأن الطرح هذا ما هو إلا محاولة دفنه قبل أن يزداد نضوجاً وإنتشاراً في سلة المطالب الإجتماعية والشبابية اللبنانية، وهو الذي يعرف مسبقاً أن المسلمين اللبنانيين لن يقبلوا فيه لمخالفته شريعتهم الإسلامية وهم ربما لا يقبلونه على غيرهم وإن كان إختيارياً، وبوجود هذا “الفيتو” الإسلامي يستطيع بطريرك “الجعجعة من دون طحين” قول ما يشاء وإصباغ نفسه بالروح الشبابية العلمانية والتقدمية المنفتحة مظهراً نفسه على أنه يهتم بالهموم الشبابية أكثر مما يهتم بالموارد المالية لكنيسته، ومحاولاً إظهار ميله للحرية الفردية والحقوق المدنية للبنانيين جميعاً خافياً حرصه الأوحد وهو إستمرار سلطته وسلطة كنيسته على أبنائها.

—————————

(1) –  محاضرة للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ضمن حوار مع 650 طالبا من الصفوف النهائية لمدارس القلبين الاقدسين بمناسبة ذكرى الاستقلال في 29 تشرين الثاني 2011.

العودة الى الصفحة الأساسية

Advertisements

Leave a Comment

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s