Posts Tagged ‘الأحزاب اللبنانية’

عودة الحريري إلى… الطائفة !

01/02/2012

جو حمورة

بعد غياب “مشبوه” دام عدة أشهر، ها إنّ الوسط السياسي والشعبي اللبناني يترقّب عودة رئيس الحكومة السابق سعد الحريري إلى بيروت، في حين يواجه بعض الحياديّون والمناوئون هذه العودة بفتور ولامبالاة كون حضوره، بالنسبة لهم، كما غيابه لا يقدّم ولا يؤخّر كثيراً بالنسبة لمجريات الواقع السياسي اللبناني، يعيش البعض الآخر حالة تلهّف عاطفية موروثة، أو مصطنعة، لملاقاته نظرًاً لما يمثله لهم من زعامةٍ يعوّلون على فاعليّتها. وإن كان سبب غيابه لا يزال لغزاً يلفه الغموض، يبرره مناصريه إلى تلقيه عدد من التهديدات، يرى آخرون أكثر واقعية سبب غيابه هو بعده عن السلطة التنفيذية وحالة الركود السياسية العامّة التي يعيشها لبنان بانتظار سقوط النظام السوري، فيما غيرهم يقولون، بما أنّه من أبرز مكافحي الهدر، فها هو ينتهز وقته الثمين للإهتمام بشركاته ومصالحه المالية في الخارج!

وتيمناً بمقولة أنك لا تعرف قيمة الشيئ إلا حين تفقده، يبقى السؤال الجدّي الذي يطرح نفسه: ما الذي تغيّر إبّان غياب سعد الحريري، وما هو تأثير هذا الغياب على الوطن بشكل عام، وعلى الطائفة السنية بشكل خاص؟ تلك التي تمثل قاعدته الشعبية الشبه وحيدة في لبنان.

قبل الهزيمة السياسية التي حلّت به وبحلفائه أمام قوى الثامن من آذار عبر “تنصيب” نجيب ميقاتي رئيساً للحكومة، كان سعد الحريري يعتبر الأقوى من دون أدنى شكّ، وربما الأوحد، في صفوف الطائفة السنية على الصعيد الشعبي وفي تمثيله لها في النظام السياسي، مدعوماً بتكتل نيابي “ضخم”، وبمناصرين يمتدون من صيدا وإقليم الخروب وعرسال الى بيروت وطرابلس وعكار…

إلا أن غيابه، وإزدياد وقع التعاطف الشعبي السني مع الثورة السورية، قد أدّى إلى بدء سحب البساط من تحت جلباب “آل الحريري” ونوابه في بعض المناطق، لصالح عدد من الجماعات المتشددة التي تغذي وتوازن معدّل التعاطف المتطرف والمستجد لدى الشارع السُني، نتيجةً لتحول الصراع في سوريا الى شبه حرب سنية – علوية، يضاف عليه أصلاً شعوراً مغذى بالتوتر السني – الشيعي في لبنان والمنطقة دون إغفال الخلفية التاريخية والذاكرة الجماعية لسنة الشمال تحديداً وارتباطهم الاجتماعي والتاريخي مع الشعب السوري والإمتداد الطبيعي والجغرافي شمالاً.

فباتت المظاهرات “السلفية” المنظمة في طرابلس وغيرها والداعمة للحراك الشعبي في سوريا تستهوي الشباب السني، المتأرجح أصلا بين التزامه المعنوي مع تيار المستقبل بما يرمز إليه من زعامة سياسية بارزة على الصعيد الوطني، ومشاعره الدفينة ذات الأبعاد الطائفية المتدينة التى ترقى إلى مستوى الانتماء إلى “الأمة”، انتماءٌ عقائدي مُستتر لا يبرز في العلن. وتشكّل اليوم عاصمة لبنان الثانية مسرحاً ومقياساً غير مباشر لارتفاع رصيد الحركة المتشددة في لبنان، والتي تحتلّ الصدارة بفعاليتها على المسرح السياسي والشعبي في الشمال. بالإضافة الى تنشّق بعض المنتمين إلى كتلة المستقبل نَفَسَ هذا الشارع “المستجد”، وإطلاق مواقف سياسية تدوس السقف السياسي الذي يقف عنده الحريري في “منفاه” المؤقت.

مناصري رئيس الحكومة اللبنانية السابق سعد الحريري وتيار المستقبل – طريق الجديدة

ومنذ أشهر حتى اليوم، ارتكز السقف والخطاب السياسي لسعد الحريري وتيار المستقبل على ثلاثة دعائم أساسية: الدعم المعنوي للثورة السورية، التمسك بالمحكمة الدولية وأطرها القانونية الشرعية، التهجم وانتقاد حزب الله سياسياً وشعبياً والسعي الى إظهار الحكومة مرتهنة للحزب “الإلهي”.

لكن، هذا الخطاب المثلث الأعمدة ما عاد يُلبي الشارع السني المحقون طائفياً، وما عاد يروي ظمأ طائفة تشعر “بالتهميش” سياسياً لبعدها عن السلطة! فالدعم المعنوي للثورة السورية لا يتجاوز كونه معنويّاً ولا يغير في الواقع شيء، وهذا ما أظهرته الوقائع منذ بداية الثورة، كما أن استنزاف الكلام عن المحكمة لم يعد يثير الإستقطاب الشعبي، نظراً إلى أنها باتت “تكافح” في لاهاي في مسيرة قانونية طويلة، كما أن إنتقاد حزب الله لا يتخطى بحدّته خطاب باقي أقطاب 14 آذار بكثير، وإلى أن يهوي النظام السوري نهائياً، يبقى الإنتقاد اللاذع مجرد ردّة فعل لا تغير شروط اللعبة السياسية في لبنان وموازينها، لذا يبرز خطاب تيار المستقبل جامداً مكرراً ويعيد نفسه لدرجة الملل.

وخلافاً لتيّار المستقبل، يؤثر خطاب الحركة المتشددة والسلفية السنية أكثر في استقطاب شارعها، من دون كشف اللثام عن أي نيّة بالسلطة على عكس المستقبل.

من ناحية أخرى وفي جنوب البلاد “يتألق” الشيخ احمد الاسير (إمام وخطيب مسجد بلال بن رباح – عبرا) في صيدا وفي زحام الجنوب السنّي، وهو ظاهرة بحدّ ذاته طرأت حديثا على الواقع السياسي ليقف على مسافة محايدة ومتمايزة بين تيار المستقبل وغيره، آخذاً دور “المستقل” عن كل طرف، في حين يلتف حوله تيار شعبي في تزايد مضطرد، وقد انتهج لنفسه خطاباً ممنهجاً معادياً للشيعة، مدعماً بنظرة دينية – فلسفية تصل أحياناً الى حد تكفيرهم ملهباً النفوس بالمزيد من النعرات الطائفيّة، في ظل تراجع نسبيّ لدور ووجود تيار المستقبل فيها لصالح الحركة الأسيرية الناشئة.

وتبعاً للحركات الإسلامية المتشددة التي بدأ يقوى عودها في رحاب الطائفة السنية في لبنان، يمكننا الإستدلال على أبرز أسبابها ومنها: اعتكاف الحريري عن “الشاشة” والسلطة وخدماتها، وتراجع أداء تيار المستقبل بشكل عام عن تقديم أي جديد موازٍ للحالة السنية المستجدة نتيجة لتطور الثورة السورية الى إقتتال بين السنة والعلويين.

وعليه، وإن كان غير محدد تاريخ عودة الحريري، خصوصاً بعد كسر رجله، إلا أن الواقع يضيىء على بعض المهام الأساسية التي سيسعى الى القيام بها ومنها إعادة لملمة شتات صفوف تياره وشد أزره وضخ الحركة فيه، والظهور كحامي الطائفة والمهتم بشؤونها والمعبّرعن آمالها وشجونها، أي عملياً إسترداد ما سُلب منه شعبياً، وإلا سيصِمه التاريخ بخطيئة إنتقال الشارع السني من حمل لواء ” لبنان أولاً ” بكل ما يرمز من إنتماء وهوية الى حمل لواء ” السنة أولاً “، فينطفئ حلم من هلّل لانتقال الطائفة السنية الى تقديم الإنتماء اللبناني على الإنتماء العروبي في السنوات القليلة الماضية، ليستيقظ على واقع تقديمها الإنتماء الإسلامي ومصالح “الأمة” على الانتماء والمصالح اللبنانية.

بالإضافة الى ذلك تغدو نتائج “مغامرة” الحريري هذه خارج البلاد عاملأً ضعيفاً لم يطل بأبعاده سوى أبناء الطائفة، مما يؤكّد أنه كما غيره من قيادات الحلفاء والأخصام مجرد “زعماء” طوائف لا زعماء على الصعيد الوطني العام.

وفي إنتظار مغادرته شبكة “التويتر” الإفتراضية والعودة الى رحاب الوطن الحقيقي ليدشن بداية معركة إسقاط حكومة غريمه السياسي، يبقى موضوع دراسة حالة الطائفة السنية في لبنان والرهان على احتمال تقلبها من قبضة المدني – اللبناني الى قبضة السلفي – الإسلامي وتفاعلها مع محيطها السوري أولويةٌ يجب استدراكها قبل فوات الأوان، بما لسرعة ومضمون تقلباتها هذه من تردّدات ونتائج مدمرة على لبنان.

————————————-

يمكن الإطلاع على النص بصيغته الأصلية على موقع: جريدة الديار اللبنانية

العودة الى الصفحة الأساسية

العوامل المساعدة لتجربة “الثورة” العلمانية في لبنان وأسباب فشلها

01/01/2012

جو حمورة

بعد أن شهد العالم العربي موجة ثورات تزامنت مع بعضها البعض عام 2011 حيث كٌتب للبعض منها النجاح بنِسبٍ معينة وأخرى ما زالت تُصارع من أجل إنتصارها، يَدرس “الثائرون” في لبنان، الذين دعوا الى إسقاط النظام اللبناني وإقامة نظاماً علمانياً بديلاً عن النظام الحالي، أسباب فشلهم في تحقيق أي خرق جدّي للنظام الطائفي اللبناني المتين … حتى من دون أن يحاربهم أحد!

أولاً: في العوامل المساعدة لقيام ونجاح “الثورة”:

لكل نظامٍ سياسي في الدنيا كوابحٌ تمنع قيام الثورة عليه، تماماً كما لكل ثورةٍ على نظامٍ ما عوامل مساندة تؤدي الى إندلاعها، وتوافر للذين أعلنوا “الثورة” على النظام الطائفي اللبناني ودعوا الى نظامٍ علماني بديل مكانه العوامل المساعدة التالية:

- توافر الطائفية بكثرة في النظام والمجتمع اللبناني، حيث تُشكّل الطائفية معياراً ومبدأ متوافراً بكثرة في كل أمر سياسي أو إجتماعي أو إقتصادي…في لبنان. فكما توافر الفقر شرطاً من شروط الثورة عليه، وتوافر قمع الحريات شرطاً من شروط الثورة الداعية الى الحرية، كذلك الأمر بالنسبة للحالة هنا فتوافر الطائفية في لبنان هو شرط أساس من شروط الثورة عليها. وهي متوافرة وبكثرة في لبنان وفي كل شيء.

- إمتلاك “الثائرين” لأجهزة إعلامية وتقدم تقني يساندهم، ففي لبنان يملك العلمانيون المساندة من بعض المحطات التلفزيونية كتلفزيون الجديد وبعض الجرائد اللبنانية كجريدة الأخبار والسفير ناهيك عن إذاعات مسموعة داعمة ومجموعات على شبكات التواصل الإجتماعي تكاد لا تحصى تساهم جميعها في تبني “ثورتهم” والترويج لها ودعمها بكل الوسائل الممكنة، في حين نرى أن معظم الثورات في العالم العربي لم تكن تملك شيئاً مما ذُكر وإستطاع الثوار قلب أنظمة بلادهم.

- إمكانيات “الثائرون” المادية والعلمية والثقافية الكبيرة، فمعظمهم من الخريجون ويعمل عدد كبير منهم في الصحافة والإعلام ويمارسون أنشطة عديدة تهتم بالشأن العام كالعمل مع الجمعيات المدنية والمنظمات الغير حكومية أو يملكون مدونات ومواقع إلكترونية تشكل مجالاً للترويج لـ “ثورتهم” ويملكون الكثير من الخبرة بالعمل في الشأن العام.

- دعم عدد من الأحزاب للحركة عبر ترك الحرية لمناصريهم للمشاركة بالمظاهرات أو العمل في إطار الحركة الداعية لإسقاط النظام اللبناني، كالحزب الشيوعي بفروعه المتعددة والحزب السوري القومي الإجتماعي بفرعيه…حتى وصل الأمر الى أن حركة أمل كانت داعمة ومشاركة وإن رمزياً في المظاهرات ولو أنها كانت تسعى بخبثٍ الى تحوير الحركة الناشئة وإظهارها على أنها تريد إلغاء الطائفية السياسية لا إقامة نظاماً علمانياً.

- عدم إستعمال النظام والسلطة لأي عنف أو قمع لإسكات هذه الحركة في حين نرى أن الثورات الداعية الى تغيير جذري في الأنظمة العربية أو في أي نظام عادةً ما تلاقيها الأنظمة بقمعٍ شديد يُضعف نشاطها وحركتها ويقتلها أحياناً كثيرة.


ثانياً: السبب البنيوي لفشل “الثورة” العلمانية في لبنان:

بالرغم من توافر هذه “الفرص” والعوامل المساعدة مُنيت الحركة بهزيمة كبرى لأنها فعلياً لم تغير أي شيء في النظام اللبناني إن في بنيته أو منطلقاته الفلسفية (الطائفية) القائم عليها أو حتى بآراء الناس السياسية وأولوية إنتمائاتهم الطائفية، في حين عَمَد بعض “الثائرون” الى تبرير فشلهم بطريقة أقل ما يقال عنها أنها تدعو الى السخرية قائلين أن الحركة كلها كان الهدف منها توعية ونشر الثقافة العلمانية بين اللبنانيين.

إلا أن أسباب الفشل الحقيقية لهذه “الثورة” ولأي حركة مستقبلية داعية الى إقامة نظامٍ علماني في لبنان تعود لسببٍ جوهري أبعد من ظرفية توافر إمكانات مادية وإعلامية أو الأعداد البشرية المؤمنة بالعلمانية بل تتخطاها الى جوهر الحركة ومضمون منطلقاتها الفلسفية.

فالنظام اللبناني وإن كان طائفياً إلا أن الشعب اللبناني هو طائفي أيضاً، أي أنه بالمعنى الكلاسيكي ليس النظام اللبناني نظاماً قمعياً وغريباً عن هوية الناس الطائفية ­(1)، فمعركة إسقاط النظام الطائفي ليست ضد النظام السياسي فحسب بل ضد هوية “شعوب” تأخذ بأكثريتها الطائفة إنتماءً أولياً لها وأفراد يملكون من الحسّ الطائفي ما يجعل بالنسبة لهم مصلحة طائفتهم تتقدم على أي مصلحة أخرى أكانت وطنية أو “قومية” أو حتى إنسانية.

العلمانية كنظام وفلسفة إنسانية قد تكون الأفضل بما تؤمنه من عدالة ومساواة بين كل الناس إلا أن ما يشوب طرحها وتطبيقها في لبنان هو أنها نظاماً غريباً عن هوية شعبه، وما زال غافلاً على “الثائرون” العلمانيون أن الناس الذين يَدعونهم الى مساندة قضيتهم هم طائفيون بكل بساطة ويعتبرون (إن أدركوا عقلياً الأمر أو مجرد إحساسٍ به) أي تغيير جوهري وعملي للنظام اللبناني لا يصلح إستبداله بنظام غريب عن هوية الشعب.

فالمعضلة التي تبرز هنا هي في الأولوية بين النظام البديل من جهة وهوية الشعب من جهة أخرى، فالعلمانيون وبمجرد طرحهم لنظام لا طائفياً يتغافل مضمون هوية الشعب الطائفية يقدّمون أولوية النظام البديل على الهوية ويلبسونها لباساً غريباً عنها، في حين أي تغيير في النظام اللبناني بأي بديل يجب أن ينطلق من هوية الناس ليكون النظام السياسي الجديد مرأةً لها.

الشعب هو الأساس والنظام هو الثانوي، وأي نظام بديل لا يكون على شاكلة الشعب (2) ومعبراً عن هويته وحامياً لها لن يُكتب له أي نجاح، فالأنظمة هي الوسيلة والإطار لحماية هوية الشعوب وتعزيزها وليست هي الهدف بذاتها، تماماً كمَثل اللباس وجسم الإنسان، فالإنسان الطبيعي يصنع لباساً يناسب جسمه ولا يغير جسمه ليتناسب مع لباسٍ مثالي، كذلك الأمر بالنسبة للنظام السياسي وهوية الشعب، فالنظام كما اللباس يُصنع على قياس الشعوب وجسم الإنسان. وأي طريقة مغايرة أو عكسية لن تؤدي الى أي قبول من عموم الناس أو أي نتيجة مُرضية لأصحابها وستبقى مجرد قضية عابرة وطرحاً فلسفياً غريباً عن الواقع اللبناني لا يؤمن به سوى أصحابه القلائل “الشاذين” فقط.

المشكلة إذاً هي في مضمون الطرح وليس في أسلوبه، فالعلمانية وإن كانت أفضل الأنظمة بشكل عام إلا أنها تصبح أسوأ الأنظمة في المجتمعات المركبة ذات الإنتماء الطائفي الأولي لأبناءها. في حين يكون الحل المنطقي والعملي هو عبر إقامة نظاماً سياسياً بديلاً يتوافق مع هوية الشعب، لا السعي الى إقامة نظاماً يخالف جوهرياً هويته الطائفية آملين لاحقاً في أن يقوم هذا النظام البديل بتغيير هوية الجماعات الطائفية المتعددة الى جماعة علمانية واحدة، لأن هذا الأمر لن يُكتب له أي نجاح ببساطة لأن الناس هي التي تصنع الأنظمة وليس الأنظمة من يصنّع هوية الناس، خاصةً أن الهوية الطائفية دفينة ومتجذرة ومستمرة في إنتماء ووجدان اللبنانيين في حين النظام، أي نظام، هو ظرفي وشكلي وقابل للنقد والإطاحة في حال عدم تعبيره عن هوية الشعوب.

——————————-

(1)- الإنتماء الأولي لمعظم الشعب اللبناني هو إنتماءه لطائفته. وهوية الشعب الطائفية وإنتماء الأفراد لطوائفهم يأتي قبل إنتمائهم للدولة، وذلك لأن الطوائف اللبنانية هي التي أوجدت الدولة أي أنها سابقة لوجودها وعند غياب الدولة اللبنانية بشكّلها المؤسساتي في حالة حرب مثلاُ تضمحل الدولة وتبقى الطوائف ولا تعود الدولة بأجهزتها وهيكليتها وقت السلم سوى بعد إتفاق بين الطوائف على إعادة إحياءها، في حين الدولة بذاتها مكونة من أفراد “يعملون” فيها على أساس إنتماءٍ طوائفي، كما إن مبرر وجود الدولة الأساسي هو حماية وجود الطوائف وتأمين مكانٍ لتواصلها مع بعضها البعض وقوننت صراعاتها وتنظيم تعايشها المصطنع.

(2)- إن وجِد في دولةٍ ما شعباً مركباً (أي يضم هويات مختلفة طائفياً أو إثنياً أو لغوياً…) يجب إقامة نظاماً مركباً فيه، بينما يطرح العلمانيون اللبنانييون إقامة نظاماً وحدوياً (على أساس علماني) لشعبٍ مركبٍ (على أساس طائفي)! في حين يكون الحل، طالما الشعب اللبناني شعباً مركباً على أساس طائفي، بإقامة نظاماً مركباً على أساسٍ طائفي أيضاً.

العودة الى الصفحة الأساسية

إجتماعات الوطنيين الأحرار ومميزاتهم

29/12/2011

جو حمورة

رغم أعدادهم الضئيلة، إلا أنهم يجتمعون أربع مرات في السنة فقط.
في المرة الأولى يذهبون بخشوع وحزن الى كنيسة مار انطونيوس في السوديكو ليصلوا في ذكرى رئيسهم الراحل “شمعون الثاني” ليعودوا ويستمعوا من بعدها، بفوضى منظمة من منظمة طلابهم، الى خطابٍ رديئ مُعاد لكأنه مسجّل من “شمعون الثالث” في أمور الشهادة والسيادة والوطن وبعض الحجج التى تنتقد تصرفات حزب الله، أما في المرة الثانية فيجتمعون في مبنى الحزب الأساسي في السوديكو ويتوجهوا الى ساحة الشهداء في وسط العاصمة بمسيرات مكللة بالأعلام الحزبية الضخمة للتغطية على قلة العدد ليستمعوا الى عدد من الخطابات المعادة لكأنها مسجلة من حلفائهم والتي تتكلم عن المحكمة الدولية والسيادة والوطن وبعض الحجج التى تنتقد تصرفات حزب الله، وعادةً لا يُسمح لرئيسهم بالكلام في هكذا تجمُع حاشد بحجة ضيق الوقت وكِثر عدد المتكلمين في حين تكمن قمة التواجد والإعتراف بالحزب بجلوس “شمعون الثالث وشمعون الرابع” في الصف الثاني بخيمة “القيادات” على أحسن تقدير.

أما الإجتماع الثالث للحزبيين فيتم في إحدى إحتفالات الحزب التي عادة ما تكون على شرف إزاحة الستارة عن تمثال لمؤسس الحزب حيث يجتمع الحزبيون العجزة الكُثُر وحفنة من الشباب الجُدُد للإستماع الى خطبة معادة لكأنها مسجلة من “شمعون الثالث” و آخرى لإبنه ” شمعون الرابع” تتكلم في معظمها عن إنجازات “شمعون الاول” منذ نصف قرن وبعض الأمور في مواضيع كالسيادة والوطن وبعض الحجج التى تنتقد تصرفات حزب الله، فيما الإجتماع الرابع والأكثر حشداً فيكون في مبنى الحزب الأساسي في السوديكو لغرض تهنئة “شمعون الرابع” بعيد الميلاد في حين كثافة العدد تتأمن بسبب لذة ونوعية الأكل المشهود له في مركز الحزب والتي تزداد طيباً في كل سنة عبر مزج طاولة الحلويات ببعض المشتريات الأجنبية المتقدمة والفاحشة من منطقة الأشرفية ويتأمن الباقي من الصناعة المحلية من معقل الحزب في قرية دير القمر من إنتاج أيادي من تبقى من رفيقات السيدة “زلفا” العجائز على قيد الحياة أو خارج دور العجزة.

وإذ يبدو ما كُتِب هنا جردة حزبية سنوية لنشاط حزب الوطنيين الأحرار إلا أنني أؤكد لكم أنني لا أمت الى الحزب بأية صلة رغم الحماسة التي إنتابتني عند رؤية وجوه من كانوا يصِفون الحلويات الشهية المقدمة في إحتفال الحزب في عيد الميلاد لدرجة إرتفعت نسبة السكري في دمي لبرهة ولامس وعيي حدّ المغيب.

علم حزب الوطنيين الأحرار

في هذا الحزب الهرم، مميزات عدة أولها وجود نسبة عالية من الفتيات الجميلات في عداد أعضاءه وغياب القبيحات منهنّ، وصراحةً لا أدري إن كان خوف الفتيات بشكل عام من المنافسة بين بعضهنّ ما يجعلهنّ ينتسبّن الى هذا الحزب لسبب قلة أعضاءه أو أن مقولة غباء الفتيات الجميلات ما يدفعهنّ للإنتساب اليه.

في الحزب أيضاً الكثير من الوهم والقليل من الحقيقة، فكل عضوٍ فيهم يؤكد بطريقة لا تقبل الشك أن حزبهم من أوائل الأحزاب على الصعيد الشعبي ماضياً وحاضراً وحتى مستقبلاً! فمنهم من يحلف بإسم “شمعون الثالث” أن في الحزب اليوم أكثر من 60 ألف عضو، وآخر مسؤول يؤكد أنه شخصياً يقوم بالموافقة على طلبات إنتساب ما يوازي 500 شخص في منطقته كل ثلاثة أشهر، ومسؤول أكبر يؤكد بأن في محافظته حوالي 30 ألفاً من الحزبيين ما عدا الاف المنتظرين للموافقة على طلبات إنتسابهم ناهيك عن بضعة ألاف أخرى من المؤيدين والمناصرين أباً عن جِد للخط الشمعوني…فيما أكبر تجمع للحزب منذ 1990 حتى اليوم لم يناهز الـ 1500 في أحسن تقدير.

في حزب الشمعونيين عدد كبير من المسؤولين، فتقريباً يملك الكل فيه مسؤولية قيادية معينة، فهنا لا وجود للقاعدة الحزبية العريضة، أو حتى النحيفة، بل فقط وجود للقيادات الوسطية وللقيادات العليا وذلك لأن الحزب كان في الماضي مقسّم لا مركزياً ويحتوي على عدد كبير من المراكز الحزبية إلا أن تضائل عدد الحزبيين أثر نكساته المتلاحقة جعل المراكز القيادية تتساوى تقريباً مع عدد الأعضاء المحازبين، فيكون من نصيب كل حزبي منصب قيادي معين وذلك تبعاً لمكان السكن أو الأقدمية في الحزب والولاء الأعمى لرئيسه.

معظم أعضاء الحزب ذات شعرٍ وبشرة شقراء، وهذه ظاهرة جد غريبة، وصراحة لا أعرف السبب ولكن قد يكون حب التماهي بقيادات حزب الشمعونيين الأربعة (أو الـ (fantastic Four على التوالي يؤثر على موضوع شقار الحزبين، ولكن ما أعرفه ومتأكد منه هو أنه إن صادفت أحد الأشخاص ذات الشعر أو البشرة الشقراء في منطقة دير القمر أو ضواحيها فأعرف أن إحتمال إنتسابه الى حزب الوطنيين الأحرار وارد جداً لذا إنتبه ولا تذكر “الريس” رئيس البلدية أو إبنه بالسوء فقد يغضب ويفتعل مشادات كلامية قد تنتهي بالعراك وتَحَمُلك عبئ إطلاعك على أعداد الحزبيين الموجودون بالآلاف في قريتك أو حيّك دون علمك أو عِلم أحد، كما لا داعي أن نذكر لك أن بعضهم ما زالوا يظنون أنفسهم أنهم “نمور”، لذا تجنب الأمر.

في هذا الحزب بالذات مميزة تتشابه مع معظم الأحزاب اللبنانية ذات الصبغة العائلية، فرئاسة الحزب أبدية أزلية سرمدية وورائية لعائلة شمعون، فمن الرئيس شمعون الأول الى “الشهيد” “شمعون الثاني” الى الريس الحالي “شمعون الثالث” والرئيس العتيد “شمعون الرابع” الآتي قريباً بعد أن توافي المنية والده، فلا مكانٌ في رئاسة الحزب لمن ليس حاملاً لإسم العائلة في أوراقه الثبوتية، وإن حَمِلها فشرط إنتسابه الى العائلة الضيقة والأصلية أساسي للتأهل الى ورود إسمه على لوائح إنتظارٍ طويلة لوفاة أحدهم للجلوس مكانه، في هذا الحزب نسبة ديمقراطية تتناسب مع عدد الأعضاء، أي أنها قليلة ونادرة، فلا إحترامٌ للأقدمية الحزبية أو مبدأ المحاسبة أو المداورة في السلطة، فرئيس الحزب من عائلة شمعون ويبقى دوماً.

وإذ يتسامر في ذهنيَ الغليظ سؤال لطالما حيرني وأقلق مضجعي وهو يتمحور حول معرفة السبب الذي يجعل الناس ينتسبون الى هكذا حزب؟

بمرورٍ سريع على الأحزاب الأخرى قد تعرف سبب إلتزام رجل شيعي من الجنوب بحزب الله مثلاً، ذلك لأن هذا الحزب قد رَفع لواء طائفته عالياً بالإضافة الى صورته الإعلامية الجيدة في نظر أبناء مجتمعه ناهيك عن التقديمات الإجتماعية والطبية والتعليمية التي يحصل عليها من الحزب، وكذلك الأمر بالنسبة الى إلتزام أحد المسيحيين الطائفيين في حزب القوات اللبنانية أو التيار الوطني الحر ومَرَدُ ذلك لأن هذا الحزب أو ذاك يمثل لحزبييه مجموعة قادرة على حماية طائفته ناهيك عن تاريخها القريب الذي لازمه الظلم في نظرهم، كذلك الأمر بالنسبة الى معظم الأحزاب اللبنانية الأساسية، ولكن يبقى السؤال حول حزب الوطنيين الأحرار مطروحاً، فقيادته وراثية، وترتيبه الوطني إن من حيث عدد المحازبين أو تأثيره السياسي في اللعبة السياسية لا يتعدى مؤخرة اللائحة الطويلة ببضع مراتب، في حين كاريزما قائد الحزب غائبة، ولا تقديمات وخدمات إجتماعية لأعضاءه، وحتى لا قضية أو عقيدة أو أراء سياسية ملفتة لديه تتمايز عن حلفائه بشكل كبير، بالإضافة الى غياب الحزبين عن المراكز في البرلمان والحكومات المتعاقبة والإدارة الرسمية والتي عادة تشجع الناس للإنتساب إلى أي حزب…وغيرها. وإذ أتابع بحثي السياسي في أسباب إنتساب الناس لهكذا حزبٍ هرم أدى خدمته في مجتمعه منذ عقود وأصبح الآن مجرد جثة سياسية هامدة محاطة ببعض الشباب والعجزة الراثين لحالته وحالتهم فيما قلةٌ منهم ما زال يأمل إعادة إحيائها من الموت متغافلين أن في السياسة اللبنانية لا وجود للمعجزات والموتى لا يعودون الى الحياة بل يُدفنون ويُستذكرون مرةً.. أو أربعة مرات في السنة.

——————–

العودة الى الصفحة الأساسية