أعياد اليوم قِيّم الغد

جو حمورة

يبرز عيد الميلاد عند مختلف الطوائف المسيحية كباكورة وذورة للإيمان المسيحي بكليته ورموزه ومعانيه اللاهوتية والإيمانية ويتشاطر مع مناسبة قيامة السيد المسيح، حسب الإيمان والتقليد المسيحي، أبرز حدثان يمثلان معنى للمؤمنين بالدين المسيحي، كذلك الأمر عند المسلمين حيث يمثل عيد الفطر وعيد الأضحى  ذروة التعبير والإيمان الديني… وإن كان الإيمان بأي دين لا يُجزء ولا يُصنف ولا تَتقدم – بالتفسير اللاهوتي أو المعنى الإيماني – فيه أي “حادثة” على أخرى (كون الإيمان بدين معين يحمل بطياته معنى الكلية لا الجزئية) فلا يسمى مؤمناُ، أقله بالمعنى الاهوتي، من يؤمن بجزء من الدين ويرفض أي جزء آخر، إلا أن الطقوس والأعياد والرموز “والذكرى” فهي قابلة للتجزئة وللتصنيف أو إعادة الترتيب أو تقديم بعضها على حساب البعض الأخر وذلك حسب الهدف المبتغى من دلالاتها أو المعنى الذي يريد القابض على السلطة في أي دين خلقه في نفوس الأتباع والرعايا.

تشترك معظم الأديان والطرق الدينية في إحياء ذكراها سنوياً والتي تمثل معانٍ مرتبطة بالدين خاصتها بشكل مباشر، في حين تمثل الرموز المستعملة في كل عيد، بالإضافة الى توقيت الذكرى ومكانها، معناً رمزياً يشكل دفعاً معنوياً بالغ التأثير لزيادة إيمان أتباعها وتركزّه في منحى قيمي معين وتؤثر جوهرياً في هوية أبناء كل طائفة ودين تبعاً للأعياد والرموز المستعملة في كلِ منها. وما إحياء الأعياد سوى فرصة لبروز فحوى كل هوية “دينية” ومناسبة لتعميق المعنى القيمي المختلف لكل مجموعة، لذا نرى أن أتباع الإيمان الشيعي مثلاً تتقدم لديهم الثقافة والقيم القائمة على الفِداء والعنف والقتال والشهادة…لأن هويتهم الدينية – الطائفية متأتية أولاً من مُثل شخصياتها البارزة ومسيرتها التاريخية كطائفة منذ التأسيس، وثانياً لأن أعيادهم الدينية ورموزها تمثل وتذكي هذه المشاعر والقيم القائمة على المعاني المذكورة سابقاً.

بالنسبة للأديان جميعها، ففي حال توافر شرط إستمرار إيمان أبناءه به، وممارسة المجموعة لطقوسها وأعيادها بشكل جماعي في كل عيد فيؤدي هذين الشرطين الى تأثير مباشر على هوية أفرادها وقيمهم الحياتية والجماعية، فتلعب الرموز والطقوس الدينية دوراً أساسياً في تشكيل هذه الهوية وقيمها بشكل يتقدم بأشواط على الإيمان الديني الصافي الغير قائم على الرموز، كما أن غياب هذه الرموز والطقوس وممارستها يترك المجموعة من دون هوية واضحة في بادئ الأمر قد تصل في مراحل متقدمة الى الفتور الإيماني أو حتى إنكار الإيمان.

فلنفترض أن طائفة معينة قرر القائمون عليها تغيير الأعياد وأهميتها والرموز في ذكرياتها السنوية بشكل راديكالي، وكانت هذه الطائفة قبل هذا التغيير المفترض مشهود لها كجماعة بقيم معينة قائمة على التسامح والمحبة والإنفتاح الثقافي والشهادة والضيافة والمساعدة الإنسانية… وذلك متأتي من تركيز أبنائها على أعياد ومناسبات تذكي معاني هذه القيم وتبرزها وتطبعها في وجدان وتصرفات هذه المجموعة بالذات. ولكن بعد إعادة ترتيب هذه الأعياد والمناسبات عبر أولويات أخرى عبر إعطاء أهمية لأعياد ورموز أخرى على حساب الرموز القديمة فتتغير بعد عدد قليل من أجيال الى جماعة لديها قيم جديدة تتناسب مع الرموز الجديدة التى إعتمدتها، غير أن هذا التغير لا يكون فجائياً أو سريعاً أو فردياً بل يكون بطيئاً وطردياً وجماعياً، في حين قد لا تختفي بعض القيم الأساسية العامة ذات الطابع الإنساني الموجودة في هوية المجموعة الإجتماعية أو القانونية أو المتأتية من طبيعة سكنها الجغرافي مثلاً لذا فقد تختفي قيم كالشهادة والمساعدة الإنسانية وقد تبقى قيم أخرى أكثر شيوعاً كالضيافة أو الإنفتاح الثقافي.

إحتفال في قداس في إحدى كنائس نينوى – العراق

إعتمد إعادة تبديل وترتيب الإعياد من الجماعات الدينية المختلفة عبر التاريخ وحتى اليوم، فمن المعروف أن القابضين على السلطة في أي دين معين عمدوا الى تغيير أولويات المناسبات الدينية على حساب بعضها البعض والتركيز على طقوس معينة دون غيرها وذلك بشكل مدروس منهم لإصباغ هوية الطائفة التي يترأسونها صفات قيمية – حياتية معينة، فمثلاً عند بروز بوادر تغيرات ذات طابع إجتماعي لا يقبلها رجال الدين أو تشكل خطراً على سلطتهم أو على الجماعة الدينية لمطلق سبب يعمدون لإبراز أعياد أو ذكريات ورموز وطقوس معينة تمثل وسيلة لردة فعلهم وأسلوباً لإدارة طائفتهم لمحاربة أي ظاهرة لا يستسيغونها، كما أنه وعند بروز خطر عسكري ووجودي مثلاً عليها من طرف آخر يعمد هؤلاء الى إحياء الذكريات والرموز الدينية والطقوس التي تبرز تضامن الجماعة وقوتها وصلابتها، وكذلك الأمر بالنسبة لبوادر بروز حالة من الفتور الإيماني لدى الجماعة فيواكبها سياسة من رجال الدين القائمين عليها بإعادة ترتيب الرموز والأعياد والطقوس لإعادة الجماعة الى كنف سلطتهم عبر خلق خطرٍ أو قضية أو هدفٍ ما يغذي شعور الجماعة بتوجهات معينة متأتية من هذه الرموز والأعياد والطقوس المدروس إنتقائها.

وتباعاً لهذا الأمر وعبر نفس التحليل، فكما أن تبدّل هذه الرموز والأعياد والطقوس وإعادة ترتيبها يؤدي الى تبدل القيم الجماعية وصبغها بطبائع متغيرة بعد فترة من الزمن، فإن غياب الرموز الدينية والإعياد والطقوس لمجموعة معينة يؤدي الى إضمحلال الإيمان بالدين ذاته بشكل تدريجي. ورغم أن الأعياد هي مجرد ذكرى في حين أن عمق الإيمان – كما يدعي بعض المؤمنون – لا يمت للإحتفال بالذكرى بصلة إلا أن غياب الذكريات (أي مختلف ذكريات أعياد دين معين) عن ممارسات المؤمنون يؤدي الى غياب المذكور الأساسي (المذكور أي صاحب الذكرى.. والمقصود هنا صاحب الباع في تأسيس الدين أو النبي الذي أنشأ من بعده ديناً يحمل إسمه ويعلم تعاليمه) بحد ذاته وإنخفاض مستوى الإيمان لأفراد الجماعة الدينية وتوجه أصحابها الى دينٍ آخر أو إعلان أنفسهم غير مؤمنون.

من هذا التحليل السابق يمكن الإضاءة على النقاط التالية:

- الرموز الدينية والأعياد وأساليب الممارسات الجماعية في المناسبات الدينية قد لا تشكل جوهر وأساس الدين على عكس الأبعاد الإيمانية الروحية للأفراد وممارساتهم الفردية، إنما هذه الرموز الدينية والأعياد وأساليب الممارسات الجماعية في المناسبات الدينية شرط أساسي لإستمرار إعتناق أبناء الدين لدينهم لأن غيابها يؤدي الى غياب إيمانهم به ولو بعد حين.

- لكل دين أو طائفة أو طريقة دينية عيد أو إثنان على الأكثر لا يتبدلون من ناحية الأهمية ذلك لأن هذا الأعياد الأساسية تشكل المنطلق الديني الأساسي للدين بحد ذاته.

- الرموز الدينية والأعياد وأساليب الممارسات الجماعية في المناسبات الدينية وكيفية ترتيبها وإصباغها بصبغات معينة هي جميعها وسائل بيد القابضين على السلطة في كل مجموعة طائفية لتحقيق أهدافهم ورؤاهم لمجتمعاتهم المستقبلية، فرموز اليوم الدينية بمعانيها الدفينة هي قيم المجتمع في الغد.

- تشكّل الإعياد الخاصة بكل مجموعة بما تخلقه من هوية دينية وإجتماعية مميزة عن غيرها سبباً ووسيلة لتفريق المجموعات الدينية والطائفية عن بعضها البعض وأداة تؤدي الى تمايزها الإجتماعي والهوَوَي والقيمي والثقافي.

———————

العودة الى الصفحة الأساسية