أرشيف ‘أديان وطوائف’ التصنيف

فلنحارب الطائفية بالطائفية !

21/05/2012

جو حمورة

في لبنان توجد حقيقة ثابتة تتقدم بصحتها على باقي “الحقائق” والآراء العامة وهي: إن الانتماء الأولي لمعظم الأفراد اللبنانيين هو لطوائفهم. وهذا الانتماء العميق، في وجدان أصحابه، يأتي قبل انتماءهم للدولة أو الوطن أو أي شيء آخر. فالطائفية في لبنان ليست حالة شاذة، غريبة أو نادرة وليست كذلك نتيجة النظام السياسي، بل إن النظام السياسي هو على شاكلة الناس: طائفي الهوى والإنتماء شكلاً ومضموناً.

ففي الواقع “نحن طوائف، ليس في لبنان وحسب، بل في الشرق برمته، من شواطئ الأطلسي حتى آخر جزيرة في اندونيسية. وهذه الطوائف ليست فرقاً دينية بالمعنى الحصري للكلمة، إنما هي مجتمعات تاريخية. وكلٍ منها جسم مجتمعي تاريخي متلاحم، تداخلت فيه وتشابكت، في فعل جدلي، مواقف ومفاهيم دينية بمواقف وخيارات سياسية. وقد تبلور هذا الجسم، عبر الأجيال، على الأصعدة المختلفة مما أفرز واقعاً مجتمعياً ومادياً ومعنوياً وروحياً وطقسياً وثقافياً وسياسياً عرفت وتعرف به الطائفة” (1).

فالإقرار بالتمايز بين الطوائف اللبنانية ليس فيه أي تعصبٍ طائفي أعمى إنما هو مجرد معاينة لواقع الشعوب اللبنانية وهو قول الأمور كما هي بعيداً عن المثاليات النظرية والفلسفات الشوفينية اللبنانية التي تدعي وحدة الشعب اللبناني، غير إن ما يميز الطوائف اللبنانية، عدا كون كلٍ منها مجتمعاً تاريخياً وسياسياً قائم بذاته، هو تطورها الداخلي (الثقافي والسياسي والاقتصادي.. ) الخاص بها بمعزل عن غيرها. في حين تتشارك كل الطوائف – الشعوب الموجودة في لبنان بعاملان مشتركان هما:

- الخوف الوجودي من الآخر

- السعي للمحافظة على الوجود السياسي والطائفي والسلطوي على حساب الآخر

وضمن هذا السياق إن كل تعايش في لبنان بين الطوائف حالياً ما هو إلا تعايشٌ مُصطنع، لأن التعايش المبني على الخوف ما هو إلا تعايش قسري ينتظر أصحابه الفرصة للانقلاب عليه حسب موازين القوى السياسة والديمغرافية… ولا شك أن الخلافات الطائفية والصراعات المذهبية والتعصب الطائفي في لبنان، منذ مئات السنين حتى اليوم، لخير دليل على إن كل محاولات الانصهار والتلاقي والتعايش قد باءت بالفشل.

وهكذا يبقى الحل العملي المفيد، لدرء مضار الطائفية هو إقامة نظاماً سياسياً جديداً يؤمن شرطان أساسيان:

- إلغاء لدى كل أتباع طائفةٍ الشعور بالخوف الوجودي من الآخر

- المحافظة على الهوية المجتمعية التعددية، الثقافية والسياسية الخاصة بكل طائفة من الطوائف اللبنانية

 وطبعاً لن يكون النظام المثالي، رغم كونه نظرياً مثالياً، النظام العلماني، لأنه وبكل بساطة يخالف هوية الشعب اللبناني الطوائفية، ولأن القاعدة العلمية الأولى في عملية إقرار الأنظمة السياسية ودراسة علاقتها الجدلية مع الشعوب هي قاعدة أن يكون النظام مشابهاً لهوية الشعب لكي يؤمن الاستقرار في المجتمع، لا أن يكون النظام مثالياً ولكن يتناقض مع هوية الشعب.

لذا، ولأن الشعب اللبناني تعددي وهويته طائفية ، ولأن الانتماء الأولي للبناني هو لطائفته، فالنظام السياسي الأمثل له هو النظام الطائفي التعددي. وطبعاً ليس هذا النظام النتن القائم حالياً في لبنان، لأنه كرس الطائفية فقط في تقاسم الصلاحيات السلطوية في الدولة ولم يتعداها إلى الإقرار بالهوية المجتمعية الخاصة لكل طائفة من الطوائف المكونة للوطن وإقرار حمايتها سياسياً ودستورياً واجتماعياً من الآخر.

وضمن هذا الإطار ولأن كل بلوى هذا الشعب هو تحالف السياسيين – رجال الدين – الإنتلجنسيا اللبنانية حول تقاسم خيرات بلده ومستقبل أبناءه، وإن بدوا مختلفين إلا أنهم متفقين تماما على إبعاد هذه الحقيقة المذكورة سابقاً (التعددية المجتمعية في لبنان) عن معرفة الناس، والعمل يومياً على إنكارها والتمسك بنظريات أخرى تمنع اللبناني من الحلم والعمل لنظامٍ سياسي أفضل…  لذا نسمع بين الحين والآخر نظريات ودعوات وتصاريح من سياسيين عجزة مستغلين للوطن يدّعون أنهم ضد النظام التعددي والفدرالي، ومن حججهم أن مساحة لبنان صغيرة ولا تسمح بإقامة هكذا نظام، لذا نورد بعضاً من الإحصاءات العلمية للدول الفدرالية القائمة حالياً في العالم ومساحاتها وكيف تعيش حياة إستقرار تتناقض مع حياتنا المليئة بالصراعات.

من الدول ذات النظام الفدرالي هناك: الأرجنتين، أستراليا، النمسا، بلجيكا، البوسنة والهرسك، البرازيل، كندا، جزر القمر، إثيوبيا، ألمانيا، الهند، ماليزيا، المكسيك، ولايات ميكرونيزيا الموحدة، نيجيريا، باكستان، روسيا، سان كيتس ونيفيس، جنوب أفريقيا، إسبانيا، سويسرا، الإمارات العربية المتحدة، الولايات المتحدة الأميركية، فنزويلا، النبال… (2)

- يشكل سكان الدول ذات الأنظمة الفدرالية حوالي 41% من سكان العالم (3) وهي بمعظمها دولٌ مستقرة ولا تعيش صراعات بين مكوناتها وشعوبها على عكس سكان لبنان، وبعض هذه الدول ذات تركيبة تشبه التركيبة اللبنانية (دينان أساسيان ومذاهب متفرعة منهما ولكل مذهب هوية خاصة به)

- بعض هذه الدول تبلغ من المساحة ما يقل عن مساحة لبنان أو يوازيها أو يزيد قليلاً: كجزر القمر (1862 كلم2 )، ولايات ميكرونيزيا الموحدة ( 702 كلم2 )، سان كيتس ونيفيس (261 كلم2 )، سويسرا (41284 كلم2 )، بلجيكا (30528 كلم2 )

- بعض المقاطعات الفدرالية في هذه الدول تصل مساحتها إلى 415 كلم2 في النمسا، و162 كلم2 في بلجيكا، في حين مثلاً تبلغ مساحة قضاء جبيل في لبنان حوالي 380 كلم2 .

- يوجد بَلدان عربيان ذات نظام فدرالي وهما الدولتان الأكثر استقرارا: الإمارات العربية المتحدة وجزر القمر، بإنتظار أن يتحول العراق إلى ثلاث مقاطعات على أساس طائفي بدلاً من إثنان على أساس اثني ليتخلص العراق من حروبه الدموية ونزاعاته الطائفية.

وبعد، ولأن التجربة التاريخية “للتعايش” بين مسلمي لبنان ومسيحييه أثبتت فشلها، ولأن الطائفية عميقة في نفوس أبناء الوطن عمق الإيمان ولن يلغيها شيء، لا حل للبنان إلا بإقرار نظامٍ سياسي يشبه اللبنانيين يقر بالتعددية المجتمعية اللبنانية ويهدئ روع الشعوب اللبنانية المتناحرة ويخفف من حدة ذعرها من الآخر وخوفها على دورها ووجودها الفاعل. فعندما يسود نظام سياسي يقر بحقوق الهويات المجتمعية اللبنانية ويحميها يخف التوتر بين الطوائف اللبنانية المتناحرة حول كل شيء، فيقل حُكماً تعصب كل طائفةٍ تجاه الأخرى وانغلاقها على نفسها ويخف منسوب الطائفية في نفوس أتباعها.

لذا، وحقناً لدماء اللبنانيين المتناثرة بإسم الطائفية والحفاظ على الهوية المجتمعية والوجود الفاعل، ومنعاً للمزيد من الحروب والصراعات الطائفية فلنقر نظاماً سياسياً يشبه هوية اللبنانيين، لا حباً بالطائفية ولكن إقراراً بالواقع، فلنحارب الطائفية بالطائفية !

—————————-

1- أنطوان نجم، الطائفية السياسية ومشروعيتها، بيروت، 2010، ص. 10.

2- Handbook of Federal Countries, 2005 – edited by Ann L. Griffiths; coordinated by the Forum of Federations by Karl Nerenberg. McGill-Queen’s University Press.

3- Lijphart Arend, Patterns of Democracy: Government Forms & Performance in Thirty-six Countries. New Haven: Yale University Press, 1999

يمكن الإطلاع على المقال بصيغته الأصلية على موقع الجريدة 

إقرأ أيضاً ضمن نفس الموضوع:

- الثنائية اللبنانية: السياسية – التاريخية والهويات المجتمعية. 

- مقارنة بين المنطلقات النظرية لطرحين للبنان: النظام العلماني والنظام الفدرالي 

مقارنة بين طُرق إختيار بطريرك الموارنة وبابا الأقباط

19/03/2012

جو حمورة

من المعلوم أن أكبر الطوائف المسيحية في المشرق العربي وشمال أفريقيا هي: الكنيسة القبطية الأرثوذكسية والكنيسة الأنطاكية السريانية المارونية. تمتد الأولى الى تاريخ زيارة مؤسسها القديس مرقس (أحد الرسل الـ 70 الذين إختارهم المسيح) الى مصر بين عامي 51 و 60 للميلاد، مركزها الإسكندرية ويصل عدد رعاياها الى حوالى 13 مليون شخص. أما الثانية فيعود تاريخها الى مار مارون (الناسك في شمال بلاد الشام والمتوفي عام 410)، ليصبح بعد 275 سنة مار يوحنا مارون أول بطاركتها، ومركزها بكركي في لبنان.
——-

بعد “إستقالة” البطريرك الـماروني الـ 76 وإنتخاب خليفة له على العرش الذهبي لكنيسة الفقراء في العام 2011، ووفاة  بابا الإسكندرية وبطريرك الكرازة المرقسية الـ117 شنودة الثالث في 17/3/2012 إثر مرضٍ عضال، نقارن بين الكنيستان من حيث أسلوب إنتخاب رأس السلطة فيهما ومدلولاته:

عند الأقباط، يرتبط شروط إعتلاء رأس السلطة الكنسية الى “سدة حكمه” عبر تطبيق قانون كنسي خاص يعرف بـ “لائحة 1957″ (ينص على أنه ساعة خلو الكرسي البابوي لأى سبب كان، يقوم المجمع المقدس للكنيسة، الذى يضم جميع الأساقفة والمطارنة باختيار أكبر الأعضاء سناً، ليكون “قائم مقام”، يتولى إدارة شؤون الكنيسة لفترة يحددها المجمع، يجرى خلالها انتخاب البطريرك الجديد). وتبعاً للائحة يشترط في المرشح لمنصب البطريرك أن يكون راهبا بتولاً، لا يقل سنه عن 40 عاما، وأن يكون قد قضى 15 عاما على الأقل راهباً، ولا يجوز لأي راهب تم تجليسه على “أبرشية” أي مدينة أن يتقدم للترشح (على اعتبار أنه أصبح متزوجا من أبرشيته). وبعد أن يتقدم المرشحين للمنصب يجري عرض الأسماء على أعضاء المجمع المقدس لدراستها والتأكد من توافقها مع الشروط، ليتم طرح هذه الأسماء للإنتخاب.

أما عند الموارنة، فعندما يشغر منصب البطريرك لأي سبب، يتولى الأسقف الأقدم في الرسامة الأسقفية من بين أعضاء مجمع الأساقفة مدبراً للكنيسة البطريركية وفقاً للقوانين 126-132 من مجموعة قوانين الكنائس الشرقية، حتى ينتخب الأساقفة بطريركاً جديداً للموارنة.

من جانب آخر، فالهيئة الناخبة للبطريرك الماروني هي الأساقفة الموارنة وحدهم المنتشرين في لبنان والعالم(حوالى الـ 30)، أما المنتخبين لبابا الكنيسة المرقسية فهم بالإضافة الى المجمع، فئة من الأعيان وكبار الموظفين ورجال الدين الأقباط (أساتذة‏ ‏كليات‏ ‏اللاهوت‏ ‏الحاليون‏ والسابقون‏ ‏وخريجيها، ‏أعضاء ‏المجالس‏ ‏ المالية‏ ‏العامة‏ ‏والمحلية‏ الحاليون ‏‏والسابقون‏، ‏الوزراء‏ ‏وأعضاء‏ ‏مجلسي‏ ‏الشعب‏ ‏والشورى ومجالس‏ ‏الحكم‏ ‏ المحلي‏ ‏بالمحافظات‏ الحاليون‏ والسابقون، أعضاء‏ ‏مجالس‏ ‏إدارة‏ ‏الجمعيات‏ ‏الخيرية‏ ‏القبطية‏ ‏والجمعيات‏ ‏المدنية‏، رجال‏ ‏القضاء‏ ‏ والأساتذة‏ ‏الجامعيون والعسكرييون (‏برتبة‏ ‏مقدم‏ ‏أو‏ ‏أعلى) وأعضاء‏ ‏مجالس‏ ‏النقابات‏  ‏المهنية‏ ‏العامة‏ ‏ والفرعية ، ‏والموظفون‏ ‏بالحكومة‏ ‏والشركات‏ (‏درجة‏ ‏مدير‏ ‏عام‏ ‏أو‏ ‏أعلى‏) الحاليين‏ ‏والسابقين كما ‏رؤساء‏  ‏تحرير‏ ‏وكتاب‏ ‏ومحررو‏ ‏الصحف (قد يصل عددهم الى 20 ألفاً)‏.‏ وبعد الانتهاء من عملية الانتخاب وتحديد أسماء أكثر ثلاثة مرشحين حصلوا على أصوات، يتم وضع ثلاثة أوراق كل منها تحمل أسم أحد هؤلاء الثلاثة، وتجرى فيما بينهم ما تعرف “بالقرعة الهيكلية” عن طريق اختيار طفل صغير في قداس إحتفالي شعبي لورقة من الثلاثة ويسلمها إلى “القائم مقام” الذى يقوم بفتحها أمام الجميع ويقرأ اسم البابا الجديد، لتجري بعد ذلك عملية التنصيب وتجليس البطريرك على كرسي مار مرقس.

الطفل "أيمن منير" الذى اختار البابا شنودة الثالث فى القرعة الهيكلية عام 1971

في حين أنه عند الموارنة فبحسب التقليد، تبدأ خلوة إنتخاب البطريرك برياضة روحية وينتخب الأساقفة رئيساً للمجمع وأميناً للسر وفاحص القرعة (للتدقيق في بطاقات الإقتراع وفرز الأصوات). ينص القانون الكنسي على أن يعقد الأساقفة جلستين يومياً، في خلوتين، لانتخاب البطريرك بأكثرية ثلثي الأصوات. أما إذا عجزوا عن انتخاب بطريرك جديد بأكثرية ثلثي الأصوات، خلال خمسة عشر يوماً، يرفع المجمع الأمر إلى الحبر الروماني، حيث يتولى الفاتيكان تعيين البطريرك الجديد من بينهم.

بعد شرح شروط الطرفين الخاصة لإنتخاب رأساً للكنيسة، يمكن مقارنة هذان النوعان من الإنتخاب، فعند الأقباط يحصل إمتزاج بين إرادتين في موضوع إنتخاب بابا لهم:

       – الأولى تتمثل بإرادة العلمانيين والفاعلين إجتماعياُ في المجتمع القبطي الذين يمثلون وجود الطائفة ودورها على أرض الواقع الإجتماعي والسياسي المصري،

       – والثانية  تتمثل برجال الدين، المحافظين على البُعد الإيماني والاهوتي الخاصة بالطائفة.

 ما يُبرز تعاون الطرفان، الممثلان للكنيسة الجامعة، في إنتاج السلطة الكنسية وإصباغها شرعية مدنية عبر إنتخابات ديمقراطية، ويكون الحسم النهائي عبر طفلٍ بتول يختار ورقة ببراءة أطفال المسيح ليقرر هوية الرجل المنشود.

أما عند الموارنة فينتخب رأس كنيستهم رجال دين هرمين، كلٌ حسب مصالحه أو أفكاره الخاصة أو “الإرشادات الغربية”، في حين لا دور للفئة المدنية والعلمانيين في هذه العملية سوى لرجلان من “آل الخازن” يمثلان الإقطاع القديم المتحالف مع السلطة الكنسية على أرزاق الناس، فيقفون حرساً على باب “الهيكل” لا أكثر!

فلا عجب إن أحس الماروني ببعد السلطة الكنسية عنه، وهو لا يشترك في تقرير أي شيئ فيها ولا دور له بأي قرار يصدر عنها أكان في تعيين رأسها أو أي قرار آخر. في حين أنه، وبما لا يقبل الشك، ولكي يبرز تعلق أكبر بين الماروني وكنيسته أو على الأقل هدم الهوة بينهما، يبقى على الكنيسة أن تشرك رعاياها في عملية صنع القرار فيها لا سيما عبر تطبيق مقررات المجمع الفاتيكاني الثاني (1962-1965) من ناحية إشراك العلمانيين في صناعة جزء من القرار في داخلها وإعطائهم دور أفعل.

كم هو الفارق شاسع بين التنظيم السلطوي في الكنيسة القبطية والمارونية! إن تنظيم الكنيسة المارونية يعود الى زمن العصور الوسطى، ولن ترى النور ما دامت لم تشهد “عصر الأنوار”! 

———————————-
العودة الى الصفحة الأساسية

أعياد اليوم قِيّم الغد

28/12/2011

جو حمورة

يبرز عيد الميلاد عند مختلف الطوائف المسيحية كباكورة وذورة للإيمان المسيحي بكليته ورموزه ومعانيه اللاهوتية والإيمانية ويتشاطر مع مناسبة قيامة السيد المسيح، حسب الإيمان والتقليد المسيحي، أبرز حدثان يمثلان معنى للمؤمنين بالدين المسيحي، كذلك الأمر عند المسلمين حيث يمثل عيد الفطر وعيد الأضحى  ذروة التعبير والإيمان الديني… وإن كان الإيمان بأي دين لا يُجزء ولا يُصنف ولا تَتقدم – بالتفسير اللاهوتي أو المعنى الإيماني – فيه أي “حادثة” على أخرى (كون الإيمان بدين معين يحمل بطياته معنى الكلية لا الجزئية) فلا يسمى مؤمناُ، أقله بالمعنى الاهوتي، من يؤمن بجزء من الدين ويرفض أي جزء آخر، إلا أن الطقوس والأعياد والرموز “والذكرى” فهي قابلة للتجزئة وللتصنيف أو إعادة الترتيب أو تقديم بعضها على حساب البعض الأخر وذلك حسب الهدف المبتغى من دلالاتها أو المعنى الذي يريد القابض على السلطة في أي دين خلقه في نفوس الأتباع والرعايا.

تشترك معظم الأديان والطرق الدينية في إحياء ذكراها سنوياً والتي تمثل معانٍ مرتبطة بالدين خاصتها بشكل مباشر، في حين تمثل الرموز المستعملة في كل عيد، بالإضافة الى توقيت الذكرى ومكانها، معناً رمزياً يشكل دفعاً معنوياً بالغ التأثير لزيادة إيمان أتباعها وتركزّه في منحى قيمي معين وتؤثر جوهرياً في هوية أبناء كل طائفة ودين تبعاً للأعياد والرموز المستعملة في كلِ منها. وما إحياء الأعياد سوى فرصة لبروز فحوى كل هوية “دينية” ومناسبة لتعميق المعنى القيمي المختلف لكل مجموعة، لذا نرى أن أتباع الإيمان الشيعي مثلاً تتقدم لديهم الثقافة والقيم القائمة على الفِداء والعنف والقتال والشهادة…لأن هويتهم الدينية – الطائفية متأتية أولاً من مُثل شخصياتها البارزة ومسيرتها التاريخية كطائفة منذ التأسيس، وثانياً لأن أعيادهم الدينية ورموزها تمثل وتذكي هذه المشاعر والقيم القائمة على المعاني المذكورة سابقاً.

بالنسبة للأديان جميعها، ففي حال توافر شرط إستمرار إيمان أبناءه به، وممارسة المجموعة لطقوسها وأعيادها بشكل جماعي في كل عيد فيؤدي هذين الشرطين الى تأثير مباشر على هوية أفرادها وقيمهم الحياتية والجماعية، فتلعب الرموز والطقوس الدينية دوراً أساسياً في تشكيل هذه الهوية وقيمها بشكل يتقدم بأشواط على الإيمان الديني الصافي الغير قائم على الرموز، كما أن غياب هذه الرموز والطقوس وممارستها يترك المجموعة من دون هوية واضحة في بادئ الأمر قد تصل في مراحل متقدمة الى الفتور الإيماني أو حتى إنكار الإيمان.

فلنفترض أن طائفة معينة قرر القائمون عليها تغيير الأعياد وأهميتها والرموز في ذكرياتها السنوية بشكل راديكالي، وكانت هذه الطائفة قبل هذا التغيير المفترض مشهود لها كجماعة بقيم معينة قائمة على التسامح والمحبة والإنفتاح الثقافي والشهادة والضيافة والمساعدة الإنسانية… وذلك متأتي من تركيز أبنائها على أعياد ومناسبات تذكي معاني هذه القيم وتبرزها وتطبعها في وجدان وتصرفات هذه المجموعة بالذات. ولكن بعد إعادة ترتيب هذه الأعياد والمناسبات عبر أولويات أخرى عبر إعطاء أهمية لأعياد ورموز أخرى على حساب الرموز القديمة فتتغير بعد عدد قليل من أجيال الى جماعة لديها قيم جديدة تتناسب مع الرموز الجديدة التى إعتمدتها، غير أن هذا التغير لا يكون فجائياً أو سريعاً أو فردياً بل يكون بطيئاً وطردياً وجماعياً، في حين قد لا تختفي بعض القيم الأساسية العامة ذات الطابع الإنساني الموجودة في هوية المجموعة الإجتماعية أو القانونية أو المتأتية من طبيعة سكنها الجغرافي مثلاً لذا فقد تختفي قيم كالشهادة والمساعدة الإنسانية وقد تبقى قيم أخرى أكثر شيوعاً كالضيافة أو الإنفتاح الثقافي.

إحتفال في قداس في إحدى كنائس نينوى - العراق

إعتمد إعادة تبديل وترتيب الإعياد من الجماعات الدينية المختلفة عبر التاريخ وحتى اليوم، فمن المعروف أن القابضين على السلطة في أي دين معين عمدوا الى تغيير أولويات المناسبات الدينية على حساب بعضها البعض والتركيز على طقوس معينة دون غيرها وذلك بشكل مدروس منهم لإصباغ هوية الطائفة التي يترأسونها صفات قيمية – حياتية معينة، فمثلاً عند بروز بوادر تغيرات ذات طابع إجتماعي لا يقبلها رجال الدين أو تشكل خطراً على سلطتهم أو على الجماعة الدينية لمطلق سبب يعمدون لإبراز أعياد أو ذكريات ورموز وطقوس معينة تمثل وسيلة لردة فعلهم وأسلوباً لإدارة طائفتهم لمحاربة أي ظاهرة لا يستسيغونها، كما أنه وعند بروز خطر عسكري ووجودي مثلاً عليها من طرف آخر يعمد هؤلاء الى إحياء الذكريات والرموز الدينية والطقوس التي تبرز تضامن الجماعة وقوتها وصلابتها، وكذلك الأمر بالنسبة لبوادر بروز حالة من الفتور الإيماني لدى الجماعة فيواكبها سياسة من رجال الدين القائمين عليها بإعادة ترتيب الرموز والأعياد والطقوس لإعادة الجماعة الى كنف سلطتهم عبر خلق خطرٍ أو قضية أو هدفٍ ما يغذي شعور الجماعة بتوجهات معينة متأتية من هذه الرموز والأعياد والطقوس المدروس إنتقائها.

وتباعاً لهذا الأمر وعبر نفس التحليل، فكما أن تبدّل هذه الرموز والأعياد والطقوس وإعادة ترتيبها يؤدي الى تبدل القيم الجماعية وصبغها بطبائع متغيرة بعد فترة من الزمن، فإن غياب الرموز الدينية والإعياد والطقوس لمجموعة معينة يؤدي الى إضمحلال الإيمان بالدين ذاته بشكل تدريجي. ورغم أن الأعياد هي مجرد ذكرى في حين أن عمق الإيمان – كما يدعي بعض المؤمنون – لا يمت للإحتفال بالذكرى بصلة إلا أن غياب الذكريات (أي مختلف ذكريات أعياد دين معين) عن ممارسات المؤمنون يؤدي الى غياب المذكور الأساسي (المذكور أي صاحب الذكرى.. والمقصود هنا صاحب الباع في تأسيس الدين أو النبي الذي أنشأ من بعده ديناً يحمل إسمه ويعلم تعاليمه) بحد ذاته وإنخفاض مستوى الإيمان لأفراد الجماعة الدينية وتوجه أصحابها الى دينٍ آخر أو إعلان أنفسهم غير مؤمنون.

من هذا التحليل السابق يمكن الإضاءة على النقاط التالية:

- الرموز الدينية والأعياد وأساليب الممارسات الجماعية في المناسبات الدينية قد لا تشكل جوهر وأساس الدين على عكس الأبعاد الإيمانية الروحية للأفراد وممارساتهم الفردية، إنما هذه الرموز الدينية والأعياد وأساليب الممارسات الجماعية في المناسبات الدينية شرط أساسي لإستمرار إعتناق أبناء الدين لدينهم لأن غيابها يؤدي الى غياب إيمانهم به ولو بعد حين.

- لكل دين أو طائفة أو طريقة دينية عيد أو إثنان على الأكثر لا يتبدلون من ناحية الأهمية ذلك لأن هذا الأعياد الأساسية تشكل المنطلق الديني الأساسي للدين بحد ذاته.

- الرموز الدينية والأعياد وأساليب الممارسات الجماعية في المناسبات الدينية وكيفية ترتيبها وإصباغها بصبغات معينة هي جميعها وسائل بيد القابضين على السلطة في كل مجموعة طائفية لتحقيق أهدافهم ورؤاهم لمجتمعاتهم المستقبلية، فرموز اليوم الدينية بمعانيها الدفينة هي قيم المجتمع في الغد.

- تشكّل الإعياد الخاصة بكل مجموعة بما تخلقه من هوية دينية وإجتماعية مميزة عن غيرها سبباً ووسيلة لتفريق المجموعات الدينية والطائفية عن بعضها البعض وأداة تؤدي الى تمايزها الإجتماعي والهوَوَي والقيمي والثقافي.

———————

العودة الى الصفحة الأساسية

البطريرك العلماني !

30/11/2011

جو حمورة

لم يكن إثارة البطريرك الماروني موضوع الزواج المدني مفاجئاً للمهتمين بهذه القضية أو بالمواضيع السياسية والإجتماعية بلبنان بشكل عام في محاضرته الأخيرة في 29 تشرين الثاني 2011 بل ما لفت الجميع هو تأكيده على القبول بالزواج المدني الإلزامي قائلاً: “ أما بالنسبة لقانون الأحوال الشخصية فهل يوجد في العالم قانون اختياري؟ ألم ندرس في القانون أن الصفة الأولى للقانون هي الإلزامية؟ إذا نحن مع قانون الأحوال الشخصية والزواج المدني الإلزامي لكل اللبنانيين“. (1)

مما لا شك فيه أن خلفية البطريرك الراعي القانونية المحترمة تضفي نوعاً من الصُدقية والصحة على موقفه من الناحية القانونية، ومع إن المجتمع الماروني والمسيحي الذي يرأسه (ظاهرياً بالحد الأدنى) بات أكثر تقبلاً لموضوع الزواج المدني لسببين:

- تأثير الثقافة الغربية المسيحية العلمانية على المجتمعات المسيحية اللبنانية التي ترى أن الزواج هو عقد مدني بين طرفين وحق من حقوق المواطنين.
- عدم مخالفة الدين المسيحي وتعاليمه لحالة الزواج المدني وهذا ما يؤكده العديد من المفكرين المسيحيين في العالم بالإضافة إلى إعتبار هذا الأمر مسلماً به بالكنائس الغربية (لنا دراسة ننشرها لاحقاً في هذا الموضوع)

إلا أن موقفاً من “رجل المواقف اليومية” لابد أن يلفت الإنتباه من حيث المضمون والجذرية في الطرح، فالزواج المدني الذي ما فتئ ينادي به: الشباب اللبناني ذات الميول العلمانية، المثقفون، المهتمون بالزواج من الطوائف مختلفة، المسيحيون التقدميون داخل الكنيسة، وبعض الجمعيات… لم يتعدى إصباغه بالطابع الإختياري لسببين أولهما معرفتهم المسبقة بأن ما يطرحونه – وأن كان حقاً من حقوقهم – صعب التنفيذ في مجتمع تحكمه العصبيات الطائفية والإنغلاق الديني في دولة طائفية كلبنان تتقدم فيها مصالح الجماعة ذات التوجه الديني الواحد و”الفيتوهات” المتبادلة بين الطوائف على مصالح الأفراد وحقوقهم البديهية، وثانيهما ترك الحرية للأفراد الذين ما زالوا يؤمنون بأن الزواج المدني يخالف الدين والشريعة التي يؤمنون بها بما لكلمة “إختياري” من وقع مستحب يعطي لسامعيها قبولاً بما توحيه من مغريات الحرية.

بطريرك إنطاكيا وسائر المشرق للموارنة - مار بشارة بطرس الراعي

بطريرك إنطاكيا وسائر المشرق للموارنة - مار بشارة بطرس الراعي

غير أن طرح للبطريرك الراعي هذا، إبن الكنيسة المارونية وتلميذها التي تتميز بالإنفتاح الخارجي كمجموعة مجتمعية وهوية ثقافية، وبالإنغلاق المحكم فيما خصّ كل التشريعات المذهبية الخاصة، وإن طُبق سيضع جيشاً أسود يسكن في المحاكم الروحية إعتاد جباية تعب المساكين عاطلاً عن العمل، وسيُضعف موقع الكنيسة وتأثيرها على حياة التابعين لها ويضعها أمام فقدان سيطرة بدأت تحس بها أصلاً منذ مدة ليست بقصيرة تميزت بالإلتزام الشبابي الأعمق بالأحزاب مثلاً أكثر منه إلتزاماً بالكنيسة كمؤسسة ناهيك عن ظاهرة الإلحاد الفعلي التي بدأت تظهر في مجتمعها بشكل خجول بالإضافة إلى خوفها المزمن من الإسلام السياسي الذي يحاول أخذ دورها القيادي في لعبة الدولة والسلطة اللبنانية من دون أن تغيب عقدة الذمية الموروثة والمستفحلة لديها والتي برزت خصوصاً بعد نهاية الحرب اللبنانية التي خرج منها المسيحيون أكبر الخاسرين.

لذا، وبسبب عدم توافر النوايا والمصالح الحقيقية التي تفيد الكنيسة كمؤسسة جامدة وكسلطوية خفية ومقنعة تشكّل مرجعاً لاهوتياً وسياسياً وإجتماعياً للتابعين لها…فليس من المنطقي أن يقوم رئيسها والقابض على السلطة فيها إختيارياً بعمل يُضعف مكانتها وسلطته ويشتت أوصالها وربما حتى بإغضاب جموعٌ من المؤمنين ما زالوا يعتبرون أن الزواج المدني يلامس حد الخطيئة في التعليم المسيحي.

 بالإضافة إلى أن طرح البطريرك هذا الأمر بصيغته الجذرية والإلزامية يوحي بأن الطرح هذا ما هو إلا محاولة دفنه قبل أن يزداد نضوجاً وإنتشاراً في سلة المطالب الإجتماعية والشبابية اللبنانية، وهو الذي يعرف مسبقاً أن المسلمين اللبنانيين لن يقبلوا فيه لمخالفته شريعتهم الإسلامية وهم ربما لا يقبلونه على غيرهم وإن كان إختيارياً، وبوجود هذا “الفيتو” الإسلامي يستطيع بطريرك “الجعجعة من دون طحين” قول ما يشاء وإصباغ نفسه بالروح الشبابية العلمانية والتقدمية المنفتحة مظهراً نفسه على أنه يهتم بالهموم الشبابية أكثر مما يهتم بالموارد المالية لكنيسته، ومحاولاً إظهار ميله للحرية الفردية والحقوق المدنية للبنانيين جميعاً خافياً حرصه الأوحد وهو إستمرار سلطته وسلطة كنيسته على أبنائها.

—————————

(1) –  محاضرة للبطريرك الماروني مار بشارة بطرس الراعي ضمن حوار مع 650 طالبا من الصفوف النهائية لمدارس القلبين الاقدسين بمناسبة ذكرى الاستقلال في 29 تشرين الثاني 2011.

العودة الى الصفحة الأساسية