كوباني صامدة والجبهات تتحرك

جو حمورة

على رغم استمرار شن التحالف الدولي لحربه الجوية على تنظيم “داعش” منذ حوالي الشهرين إلى اليوم، إلا أن التنظيم لا يزال يتقدم على معظم الجبهات. في المقابل، وعلى رغم التزام التحالف تفويت الفرص على النظام السوري للاستفادة من الضربات الموجهة ضد التنظيمات الإرهابية، إلا أن النظام يتقدم عسكرياً كذلك في العديد من المناطق. الحرب الجوية لا تحقق نتائجها ويشوبها عدم وضوح الأهداف أو دراية بالأرض وتوزّع القوى الإرهابية، كما موقف تركيا الملتبس من الحرب وكيفية إدارتها.

ما أن أعلنت تركيا سماحها بإدخال مقاتلين من جيش “البشمركة” و”الجيش السوري الحر” إلى مدينة كوباني الكردية حتى تلاشت أخبار المدينة التي كادت أن تقع فريسة “داعش” عن وسائل الإعلام. إلى الآن، أنقذت المدينة باتفاق سياسي بعد قبول الأكراد السوريين خشبة الخلاص التركية التي سمحت بنصرتهم من قبل القوات الكردية والسورية الموالية لتركيا، في حين لا تزال بعض ذيول المعركة العسكرية قائمة على تخوم المدينة من أجل إجبار “داعش” على التراجع عنها.

هذا في كوباني الحدودية، أما في باقي سوريا فإن الحرب الدولية على “داعش” لا تبدو أنها استطاعت حتى الآن أن توقف تقدمه أو أن تقلل من زخمه العسكري على الأرض. ففي ريف إدلب، يتقدم كل من “داعش” و”حليفته” اللدود “جبهة النصرة” نحو قلب المدينة على الرغم من الغارات الجوية التي تؤخر تقدم القوى الإسلامية من دون أن تتمكن من إيقافها. في المقابل، تقف القوى المعارضة المعتدلة في ريف المدينة السورية منتظرة الالتحام بالقوى الإسلامية، في معركة لا تبدو متكافئة إن لم تتلقَ القوى المعتدلة دعماً جوياً فعالا. أما في حمص، وعلى الرغم من بُعد سيطرتها النسبية عن المدينة، إلا إن القوى الإسلامية تعتمد تكتيك السيارات المفخخة والهجمات المباغتة من أجل إبقاء قسم من قوات النظام السوري فيها، وذلك لتصعيب مهمته بتوجه جيشه إلى أطراف سوريا والمدن الحدودية والريفية.

عنصر من الجيش السوري الحر في مدينة حلب

عنصر من الجيش السوري الحر في مدينة حلب

ليس ببعيد عن إدلب، تبدو الصورة في مدينة حلب معكوسة من ناحية الاستفادة ولكن على حساب المعتدلين حصراً. فالمدينة السورية الكبرى مقسومة منذ سنة إلى منطقتي نفوذ يتقاسمهما “الجيش السوري الحر” و”جبهة النصرة” من جهة والنظام السوري من جهة أخرى. إلا أن هذا الأخير تقدم خلال الأشهر الستة الأخيرة رويداً رويداً في محاولة للالتفاف على المدينة ومحاصرة المعارضين له في وسطها. وبات النظام السوري على وشك الوصول إلى منطقة “حندرات” التي تعد حلقة الوصل الأخيرة التي تربط بين المناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية في مدينة حلب والعالم الخارجي، في حين أن النظام السوري وإن احتل هذه المنطقة سيخنق نصف مدينة حلب ويضع القوى المعتدلة السورية بين مطرقة الجيش السوري من جهة وسندان “داعش” التي تسيطر على ريف حلب الشمالي من جهة أخرى.

وعلى رغم دخول التحالف الدولي طرفاً في الحرب السورية، إلا أن ضرباته الجوية لم تغيّر الكثير في مسارها العام أو في قوة “داعش”. غير أن الأنباء الواردة من وزارة الدفاع العراقية عن استهداف الطيران الدولي لقافلة تضم زعيم التنظيم أبو بكر البغدادي ومقتله نفتها وزارة الدفاع الأميركية سريعاً، فيما يلف الغموض عن من قتل من قيادات “داعش” في الضربة وأهمية مواقعهم داخله، علماً أن قتل أسامة بن لادن وأبو مصعب الزرقاوي سابقاً لم يخفف من انتشار الفكر الإرهابي أو تراجع العنف والفوضى في البلاد الإسلامية والعربية. في المقابل، فإن إعلانات التحالف الدولي المتكررة بأنه يسعى بحربه الجوية إلى إضعاف التنظيمات الإرهابية وعدم تمكين النظام السوري من الإستفادة من ذلك لم تتحقق، فيما الذي يجري على الأرض السورية هو العكس تماماً. وعلى الرغم من تباطؤ تقدم “داعش” على بعض الجبهات إلا أن التنظيم لا يزال يتقدم ميدانياً ويبادر عسكرياً على أكثر من جبهة، في حين أن النظام استطاع إلتقاط أنفاسه للتقدم على جبهات أخرى، في وضع يشبه التنسيق غير المعلن بين الأطراف كافة، ما عدا تلك القوى المعارضة المعتدلة التي تبدو، إلى الآن، الخاسر الوحيد من ظهور “داعش” وما تبعه من حرب دولية عليه.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 17 تشرين الثاني 2014 (العدد رقم 1483)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

العالم ينقذ “كوباني”

جو حمورة

ما أن بدأ هجوم الدولة الإسلامية على كوباني الكردية حتى باتت مسألة المدينة جزءا من دبلوماسية كل الدول المعنية بالحرب السورية، كما حديث الساعة على وسائل الاعلام العالمية والمحلية، بالإضافة إلى إيلاء المدينة الواقعة شمال شرق سوريا أهمية كبرى من قبل الأكراد في الدول الأربعة التي يتواجدون فيها. يسعى الجميع اليوم إلى إنقاذ كوباني المحاصرة من قبل تنظيم “داعش” منذ أكثر من شهر، فيما المقاتلون الأكراد فيها يحاولون صد الهجوم عليهم وإبقاء المدينة تحت سيطرتهم.

مع انسحاب الجيش السوري النظامي من المناطق ذات الأكثرية الكردية في شمال سوريا، أعلن الأكراد في تشرين الثاني من العام 2013 إقامة ثلاث مناطق حكم ذاتي لهم فيها. وأدار جيش “وحدات حماية الشعب” المناطق الكردية الثلاث في شكل مباشر متجنباً الدخول في حرب مع المعارضة السورية على الرغم من تنسيقه الدائم مع النظام السوري. لكن ظهور “داعش” وهجومه على المناطق الكردية في سوريا دفعوا بـ “وحدات حماية الشعب” للبحث عن حلفاء محتملين لمواجهة الخطر المتأتي من تقدم التنظيم الإرهابي في كوباني.

لا يعول الأكراد السوريون على أية مساعدة عسكرية من قبل نظام بشار الأسد الغارق في حربه في باقي المناطق السورية، فيما هم يستفيدون من تراجع نفوذه ووجوده في المناطق الكردية لقيام رئيس “وحدات حماية الشعب” صالح مسلّم بالبحث عن منقذ من هجوم “داعش”. بدأ مسلّم بحثه في أنقرة، فوضعت “عدوته اللدود” شروطها عليه لإنقاذ الأكراد في كوباني في الخامس من تشرين الأول، وأهمها انضمام جيشه إلى المعارضة السورية ضد نظام الأسد، وفك ارتباطه السياسي بحزب “العمال الكردستاني” المصنف بالحزب الإرهابي في تركيا.Kobani-Fighter

رفض مسلّم العرض التركي بادئ الأمر، فتقدمت “داعش” في أحياء كوباني وكادت أن تسيطر عليها، لكن ظروف المعركة الصعبة والخوف من مجزرة قد ينفذها التنظيم الإرهابي بحال سقوط المدينة دفعا القيادة الكردية في سوريا إلى الرضوخ للشروط التركية مقابل إنقاذ المدينة. وبسحر ساحر دخلت بعض فصائل الجيش السوري الحر إلى كوباني وتمكنت، بعد معارك عنيفة، من دحر مقاتلي “داعش” من مناطق عدة في المدينة، فيما قاد “تجمع ألوية فجر الحرية – كتائب شمس الشمال” التابع للجيش الحر المعركة بتنسيق مع أنقرة.

لم تبخل تركيا بمساعدة الأكراد السوريين بعد موافقتهم على شرطها بالانضمام إلى معارضي النظام السوري، فبدأت المساعدات الأميركية تتدفق من الجو على منطقة كوباني حيث أعلن وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية جون كيري في العشرين من تشرين الأول عن إلقاء الطائرات الأميركية معدات عسكرية وطبية للمقاتلين الأكراد، مؤكداً أن هذه العملية تمت بعد تنسيق كامل مع تركيا.

على المقلب الآخر من الحدود السورية، تتحضر قوات البشمركة الكردية التابعة لإقليم الكردي في شمال العراق لمساعدة أكراد كوباني عسكرياً. وهذا ما كان قد أعلن عنه وزير الخارجية التركية مولود جاويش أوغلو من إن بلاده تسهل مرور مقاتلي البشمركة العراقيين إلى كوباني لمساعدة الأكراد السوريين في الدفاع عن المدينة في مواجهة متشددي تنظيم الدولة الإسلامية.

لدخول قوات الإقليم العراقي إلى سوريا استفادة لحليفته تركيا، وذلك لأن هذه الأخيرة ستعزز سيطرتها على الأكراد السوريين عبر قوات البشمركة، وتخفف من توجهاتهم العدائية ضد تركيا. بالإضافة إلى ذلك، يبرز دخول البشمركة إلى شمال سوريا وموافقة الأكراد السوريين على ذلك كانقلاب في سياستهم وانتمائهم المرتبط بحزب “العمال الكردستاني” المعادي لتركيا. في حين أن ولاء الأكراد السوريين الجديد سيكون لمنقذهم الكردي العراقي وهذا ما سيجعلهم في النهاية تحت العباءة التركية وعضوًا آخر في نادي المعادين للنظام السوري، وذلك تحضيراً لقيامهم بـ”ردّ الجميل” لمنقذيهم عبر معاداة النظام ومحاربته مستقبلاً.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 27 تشرين الأول 2014 (العدد رقم 1480)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

التضحية بـ”كوباني” لأجل بقاء الأسد

جو حمورة

منذ ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) تسارعت الأحداث العسكرية على أرض الدولتين في شكل دراماتيكي. تقدم التنظيم الإرهابي على أكثر من جبهة وفي أكثر من مدينة، وسيطر على الموصل والرقة ومعظم مدينة دير الزور، كما أزال الحدود بين العراق وسوريا وأعلن إنشاء “الدولة الإسلامية” منهياً بذلك قرنا من تقسيمات حدودية فرضتها إتفاقية سايكس-بيكو في الشرق الأوسط. كذلك، لم يكترث “داعش” لكل القوانين الدولية الداعية إلى تجنيب الأقليات الدينية والعرقية مخاطر الحروب والإبادات، فدفع الإيزيديون والمسيحيون في العراق الثمن بالقتل والتهجير، فيما تنتقل الحرب اليوم إلى المناطق الكردية السورية وتحديداً إلى مدينة كوباني الحدودية مع تركيا.

يشكل “داعش” ظاهرة عسكرية لافتة، فعلى الرغم من أن تحالفا من 60 دولة يقود حرباً ضده منذ حوالى الشهر، لا يزال التنظيم يتقدم في العراق وسوريا ويحقق إنجازات جديدة. وصل مقاتلوا التنظيم مؤخراً إلى حدود كوباني، وعلى الرغم من الضربات الجوية اليومية عليه، سيطر “داعش” على أجزاء من المدينة الكردية بعد معارك دامية. فكانت النتائج الحتمية المباشرة للتطورات الميدانية نزوح 150 ألفا من الأكراد إلى تركيا وفشل ذريع للحرب الجوية التي يقودها التحالف الدولي.

يُجبر فشل الحرب الجوية العالم على التفكير ببديل عسكري للقضاء على “داعش”، فتطرح تركيا نفسها للقيام بالمهمة إلا أنها تضع شروطها للمشاركة بالحرب. هذه الشروط لخصها رئيس جمهوريتها، رجب طيب أردوغان، في خطابه في العاشر من  تشرين الأول حين إعتبر أن “مشاركة تركيا في الحرب على داعش مشروطة بإقامة منطقة حظر جوي على الحدود مع سوريا، وإنشاء منطقة آمنة وتأمين تدريب وتجهيز عسكري للمعارضة السورية المعتدلة”.

توازي تركيا بين خطر “داعش” وخطر النظام السوري، وهي لا تريد أن يستفيد هذا الأخير من إضعاف التنظيم وحلوله في أماكن سيطرته، إنما تريد أن تستفيد المعارضة المعتدلة من هذا التطور حينما يحدث. غير أن حسابات تركيا وأهدافها لم تعنِ للأكراد كثيراً، فقاموا بتظاهرات عنفية في عدة مدن تركية واتهموا أنقرة بدعم “داعش”، فكانت النتيجة مقتل نحو 35 شخصاً في تركيا معظمهم من الأكراد الإسلاميين والمنتمين إلى تنظيم “حزب الله” الكردي الموجود في تركيا، في حفلة عنف وانتقام من الأكراد القوميين في حق الأكراد الإسلاميين.

يقاتل الأكراد في كوباني حتى الرمق الأخير، وتقود جبهة الدفاع عن المدينة إمرأة تدعى نالين أفرين، فيما “داعش”، وعلى الرغم من راديكاليته الإسلامية، يفهم الحساسيات القومية الكردية، لذا أوكل الهجوم على المدينة لقائد كردي من العراق يدعى “أبو خطّاب الكردي”. على المقلب الآخر، تستفيد تركيا من الخلافات الكردية – الكردية والحرب الكردية – “الداعشية” لتضع نفسها في مكانة المخلص السياسي والعسكري للأكراد من ناحية وللعالم من “داعش” من ناحية أخرى.

ملصق دعائي داعم للأكراد منتشر على وسائل التواصل الاجتماعي احتجاجاً على حصار كوباني

ملصق دعائي داعم للأكراد منتشر على وسائل التواصل الاجتماعي احتجاجاً على حصار كوباني

إلا أن تركيا لا تلعب دور واضع الشروط على العالم فقط، بل على الأكراد السوريين كذلك. ففي الخامس من تشرين الأول، وقبل استعار الحرب على كوباني، إستقبلت مكاتب جهاز الاستخبارات التركية الزعيم الأول للأكراد السوريين صالح مسلّم للتناقش في شؤون الحرب السورية، إلا أن الإعلام الرسمي التركي وصف اللقاء بغير الودي بعدما أبلغته تركيا شرطيها لـ”تخليص” الأكراد من “داعش”: فك إرتباط حزب مسلّم وجيشه عن حزب “العمال الكردستاني” المصنف بالحزب الإرهابي في تركيا، والإنضمام إلى المعارضة السورية لقتال النظام السوري. لم يصل أي رد علني كردي على هذه الشروط، إنما كان التقدم الذي حققه “داعش” في كوباني أبلغ رد بالعقاب التركي على رفض الأكراد لشروطها.

ليس ببعيد عن الأزمة الكردية الحالية، لا تغيب إيران عن الصورة ولعب دور فيها. فصالح مسلّم الذي رفض شروط تركيا بالإنضمام إلى معارضي النظام السوري لا يملك كامل القرار السياسي أو العسكري على مقاتليه وجيشه، إنما يخضع تنظيمياً للقائد التنفيذي العام “للعمال الكردستاني”، جميل بايك، المقرب من إيران والذي يسكن في مقره في جبال قنديل على الحدود العراقية – التركية. أما الرفض الكردي للشروط التركية فلا يشذ عن سياسات بايك، ومن خلفه إيران، الساعين دوماً إلى تخفيف نفوذ تركيا وتأثيرها في الشرق من ناحية وإبقاء بشار الأسد على رأس السلطة في سوريا من ناحية أخرى، وهما هدفان يدفع ثمنهما الأكراد اليوم في كوباني كرمى لعيون سياسات إيران في سوريا وبقاء النظام السوري.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 20 تشرين الأول 2014 (العدد رقم 1479)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

أكراد سوريا وحرب الوجود

جو حمورة

خلال يومين متتاليين فقط إحتل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) حوالى ستين قرية كردية شمال سوريا، ما أدّى بحسب الأمم المتحدة إلى هجرة 130 ألف كردي على الأقل إلى تركيا. تتفاقم أزمة الأكراد السوريين وتتصاعد ويتحولون مع الوقت إلى ضحية من ضحايا كُثر أدت بهم الحرب السورية إلى الانكسار، كما يقعون يوماً بعد يوم بين سندان تقدم التنظيم الإرهابي عليهم ومصالح تركيا من جهة ومطرقة شروط الإقليم الكردي العراقي وقيادته للمساعدة من جهة أخرى، في حرب غير متكافئة تطال وجودهم في سوريا.

للأكراد تاريخ عريق في المقاومة والشهادة في الشرق. فهم، على مر أجيال كاملة فيها الإنتصارات كما الانكسارات، عانوا الكثير من بطش الأنظمة العربية والتركية والإيرانية في الزمن الحديث. للبعثين العراقي والسوري تاريخ حافل من الإجرام بحق الأكراد بحجة أنهم ليسوا عربًا، فيما الأتراك والإيرانييون رفضوا دوماً إعطاءهم حقوقاً خاصة لاعتبارهم جزءاً منهم ولا يشكّلون قومية مستقلة. أمّا تركيا فكانت ترفض وجود القومية الكردية وتعتبر الأكراد من مواطنيها هم “أتراك الجبال” الذين نسوا هويتهم القومية التركية الأصلية على مر الزمن، كما كانت إيران، ولا تزال، تعتبر الأكراد جزءاً من العِرق الإيراني القديم. فكان للعنصرية القومية عند الأنظمة الأربعة ثمن دفعه الأكراد بالقمع والموت والتشريد بسبب هويتهم القومية المتمايزة عن محيطهم وإعتزازهم بها.

قدمت الحرب السورية وتطوراتها تحدياً من نوعٍ آخر للأكراد السوريين. الإبادة تمارس ضدهم هذه المرة لا بسبب تمايزهم العرقي أو باسم القومية إنما باسم الدين. فـ”داعش” تقاتلهم لأسباب دينية لأن الانتماء السياسي الغالب للقوى المسيطِرة في المناطق الكردية السورية هي يسارية – شيوعية. ففي مناطق شمال سوريا، أو “غرب كردستان” التي يسميها الأكراد بلغتهم “روجافا”، يسيطر حزب “الإتحاد الديمقراطي” والذي هو جزء من الحزب الأم “العمال الكردستاني” الناشط في تركيا. فيما للفرع السوري المرؤوس من صالح مسلم جيش خاص هو “وحدات حماية الشعب” والذي أعلن في تشرين الثاني من العام 2013 إقامة ثلاث مناطق حكم ذاتي هي الجزيرة (القامشلي)، عفرين وكوباني بعدما سحب النظام السوري معظم جيشه من “روجافا”.

مقاتلات كرديات شمال سوريا

مقاتلات كرديات شمال سوريا

لحزب “العمال الكردستاني” وقائده “عبدالله أوجلان” المسجون منذ العام 1999 في تركيا حساب قديم مع سجّانه. إلا أن الحزب دخل في محادثات طويلة مع الحكومة التركية منذ بداية العام 2013 أسفرت عن وقف لإطلاق النار بين الطرفين وإصلاحات حكومية أعطت أكراد تركيا بعض الحقوق الخاصة. لذلك، يَفصل “العمال الكردستاني” عدة آلاف من مقاتليه للتوجه إلى سوريا لمساندة أخوتهم في “روجافا” وسط تسهيل تركي لمرور المقاتلين. وكما يمر المقاتلون الأكراد، كذلك يمر مقاتلو “داعش” عبر الطريق نفسها، ليجتمع أعداء تركيا في مكان واحد ليقاتلوا بعضهم البعض، فيما تركيا تستفيد من شبه الهزيمة الكردية لعدم إتاحة الإمكانية المستقبلية للأكراد لإقامة دولة لهم قرب حدودها، كما يصبح “أوجلان” أضعف في مفاوضاته معها بسبب ضعف جناحه السوري.

للإقليم الكردي العراقي شبه المستقل حكاية أخرى مع “روجافا”، حيث يقود حليف تركيا السياسي والنفطي حربه الخاصة ضد “داعش”، ويحقق جيشه، “البشمركة”، نتيجة جيدة في العراق عبر الاستفادة من التغطية الجوية الأميركية والمساعدات المرسَلة إليه من كل العالم. إلا أن موقف الإقليم تجاه ما يجري في “روجافا” لا يتعدى الإستنكار والمصلحة الخاصة إلى حدود المساعدة الأخوية، فرئيسه، مسعود البرزاني، طلب من المجتمع الدولي “أخذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية أكراد سوريا”. إلا أن أحد أبرز قياديي قوات “البشمركة”، عزيز ويسي، قال ما لم يقله البرزاني في العلن حين أعتبر أن “دخول البشمركة إلى سوريا يحتاج إلى موافقة حزب الإتحاد الديمقراطي”، في إشارة واضحة إلى إهتمام الإقليم الكردي بتوسيع نفوذه شمال سوريا وتحقيق سيطرة سياسية جديدة مقابل إنقاذ أكراد سوريا.

تتغير حال الأكراد السورييون من سيئة إلى أسوأ أمام تقدم “داعش”، كما تتحول حربهم من حرب حدود إلى حرب وجود يوماً بعد يوم. وفيما ترسل تركيا الجميع للموت في “روجافا”، يتحضر حليفها، البرزاني، للعب دور أكبر وأبعد من الإقليم العراقي منتظراً اللحظة التي يصبح فيها “الإتحاد الديمقراطي” قابلا بسلطة بنادق “البشمركة” خوفاً من سيوف “داعش”.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 29 أيلول 2014 (العدد رقم 1476)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا