اللاذقية مقابل القرم.. وأصوات الأتراك؟

جو حمورة

بكلامه الحازم المعتاد، وفي 23 آذار الماضي، هدد رئيس الحكومة التركية سوريا بالآتي: “إن ردّ تركيا سيكون قاسيًا إذا انتُهك مجالنا الجوي”. لم يطغَ حديث رجب طيب أردوغان ذات النبرة الدفاعية على حدث هجوم جيشه قبل خطابه بساعات قليلة. ذلك لأن إسقاط تركيا لطائرة سورية قرب الحدود المشتركة بين البلدين، وتغطية الجيش التركي بمدفعيته الثقيلة لتقدم قوات المعارضة السورية أخذ كل الاهتمام. كما أفضى إلى نتيجتين مباشرتين: افتتاح معركة الساحل في ريف اللاذقية، والدخول العلني والمباشر الأول لتركيا في الحرب السورية.

لم تكن تركيا يومًا بعيدةً عن الحرب السورية. لكنها كذلك، وفي الوقت عينه، لم تكن اقرب إليها مما هي عليه اليوم. دعمت تركيا سابقاً “المعارضات” السورية لوجستياً وعسكرياً، كما رعت المعارضة السورية في الخارج دبلوماسياً. أما اليوم، فتدخل تركيا الحرب علنيةً من باب رغبتها برد صاع من أفقدها نفوذها في القرم صاعين، كما استجابةً لضرورات أمنها القومي واحتياجاتها الداخلية.

بدايةً، يندرج التدخل التركي في الساحل السوري ضمن مسألة العلاقات المتشعبة بين تركيا وروسيا. هذه العلاقات تبدأ بدول آسيا الوسطى ذات التركيبة التركمانية والنفوذ الروسي. وتمتد إلى حوض البحر الأسود ومسألة القضم الروسي للقرم ذات الأقلية المسلمة التركية. لتصل إلى تقاسم النفوذ في حوض المتوسط ومنها الشواطئ المحاذية للساحل السوري؛ آخر موطئ قدم للقوات الروسية في المتوسط.

ومع انضمام القرم لروسيا، ودخول هذه الأخيرة كعاملٍ حاسمٍ في السياسة الداخلية في القرم، فقدت تركيا نفوذها الحصري على أقليته المسلمة. كذلك، فضّل هؤلاء مقاطعة الاستفتاء على انضمام القرم بدل التصويت المتوقع بـ “لا” في 16 آذار الماضي، “راضخين” ومهادنين للروس، وفي ذهنهم ذكريات القمع الروسي تاريخيًا.

بالمقابل لم “تهضم” تركيا بعد سلب روسيا النفوذ منها على الضفاف الأوروبية من البحر الأسود. لكنها في الوقت عينه، بقيت مقيدة بعدم الردّ في القرم أو البحر الأسود نتيجة ضعف الموقف الأوروبي والأميركي من التصرفات الروسية هناك. لذا، فضلت تركيا الردّ منفردةً على روسيا برسالة في صندوق بريدها الشرق متوسطي لا الشرق أوروبي مفادها: كما تستطيعين الدخول إلى القرم وضمه إلى نفوذكِ، نستطيع كذلك الدخول إلى الساحل السوري وزيادة نفوذنا فيه.

p01-04-25347-640_829491_large

خارجياً كذلك، وعلى صعيد التوقيت، يأتي التدخل التركي مباشرةً بعد يومٍ واحدٍ من تحذير الملك الأردني، عبد الله الثاني، من “النتائج الكارثية لتقسيم سوريا” الذي بدأ يلوح بالأفق. هذا التقسيم، إن تمّ يوماً ما، سيكون أكثر ضررًا على تركيا من غيرها من الدول المحيطة بسوريا. وذلك بسبب تشكيله خطراً على أمن تركيا القومي عبر فتحه لشهية أقلياتها الدينية والقومية، العلوية والكردية، للحصول على دولِها الخاصة. في حين يمكن قراءة  التدخل التركي المباشر في الحرب السورية على ضوء ضرورات الأمن القومي التركي، على اعتبار أنه  أداة لإبراز تركيا نفسها، من جديد، لاعبًا أساسيًا لا يمكن تخطيه في أي حلٍ سوري محتمل، أو إغفال الحلّ هذا للثابتة في السياسة الخارجية التركية: لا للتقسيم.

من ناحية أخرى، وعلى الجبهة الداخلية، لم يبتعد التدخل التركي المباشر بتوقيته عن توقيت الانتخابات المحلية في تركيا. والتي حملت أهمية مصيرية لحكم أردوغان و”نموذجه” الإسلامي، المحتاج أكثر من أي يومٍ مضى إلى محرك عاطفي وقضية قومية-إسلامية ما، تُكسب الحزب الحاكم أصوات المترددين من الأتراك.

هذه الحاجة تعود بالأساس إلى فقدان الحكم التركي بعضاً من بريقه داخلياً نتيجة الانقسامات الأخيرة بين القوى الإسلامية، كما بسبب تتالي فضائح الفساد المالي والسياسي التي طالت أردوغان وأعضاء حزبه. لذا، وبقدر ما يشكّل التدخل التركي المباشر في سوريا ردة فعلٍ على أزمةٍ تركيةٍ داخليةٍ، يمثل، وبالنسبة عينها،”فرصةً” دعائية للحزب الحاكم لشحذ همم القوميين والإسلاميين الأتراك لكسب أصواتهم في صناديق الاقتراع.

هذه “الفرص” الدعائية كانت قد أثبتت جدواها سابقاً لاستمرار حكم أردوغان على مدى 12 عاماً. فعام 2009 مثلاً عمد رئيس الحكومة التركية إلى الانسحاب من مؤتمر “دافوس” بعد اشتباكٍ كلامي مع الرئيس الإسرائيلي، شمعون بيريز، مستغلاً الحدث لكسب تأييد الأتراك في انتخابات العام نفسه التي فاز فيها. كذلك، أطلق أردوغان شعار “رابعة” الدعائي المساند لحركة “الإخوان المسلمين” في مصر ضد انقلاب العسكر عليهم، ليصبح الشعار بعدها رمزاً للحركة في كل مكان.

لذلك، ومع التركيز على اعتبار الهجوم التركي رداً عملي على روسيا وضرورةً للحفاظ على أمن تركيا القومي، لا يمكن إغفال البُعد الدعائي في التحرك التركي الأخير في ريف اللاذقية. خاصة بعد أن أعلن أردوغان، بحماسة وحزم، خبر إسقاط الطائرة السورية أمام مليونان من مناصريه في إسطنبول وسط صيحات التكبير والتأييد. فأردوغان “ممثل” دعائي جيد.. و”خشبة مسرحه” تمتد من إسطنبول إلى الشرق برمته، وهدفه الدائم أن يكون صاحب “الدور” الأول في تركيا وخارجها.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 4 نيسان 2014 (العدد رقم 1451)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

الإعلام البديل ملاذ تركي

جو حمورة

تدخل تركيا اليوم الانتخابات المحلية المنتظرة، وسط تحديات سياسية مختلفة أمام حزب العدالة والتنمية ووسط اتهامات بالفساد والقمع والتعتيم من قبل رئيس الحكومة رجب طيب أردوغان، بعد إغلاقه موقعي التواصل الإجتماعي “تويتر” و”يوتيوب” إثر نشر تسريبات لاجتماعات أمنية حساسة، وأخرى تتهمه وحزبه بالفساد.

من هنا يمكن القول إن مشهدين متناقضين طبعا الساحات العامة والافتراضية في تركيا خلال شهر آذار. الأول، مهرجانات لحزب “العدالة والتنمية” تخللها تجمهر لمئات الآلاف من مناصريه، وصوت رئيسه، رجب طيب أردوغان، خطيباً لـ56 مرة بين 20 شباط و28 آذار. أما المشهد الثاني، فقمع غير مسبوق للناشطين الأتراك في ساحات العالم الافتراضي.

تختلف توجهات الجمهورين السياسية بطبيعة الحال، لكن أيادي الجميع بقيت تعمل كلٌ لقضيتها. يرفع مناصرو أردوغان قبضاتهم دعاءً لله وتأييداً “للحاكم”، وبالرغم من إغلاق مواقع تواصل إجتماعي، إلا أن كثيرين يرون في إصلاحات أردوغان إيجابيات تطغى على سلبيات التعتيم الإعلامي.

لكن هذا لا يمنع أن معارضي حزب “العدالة والتنمية” لا يغفرون له سيطرته على الكثير من وسائل الإعلام، وإعطاء صورة متخلفة عن البلاد بممارسات غير ديموقراطية وبوضع ملف الحريات العامة بيد القضاء. لهذا كله تنقر أصابع الناشطين تغريدات الحرية رغم القمع المنظم لهم. وتتجه الآراء الحرة للتعبير عن نفسها في شبكات الإعلام البديل، المتنفس الوحيد والآمن.

بين العام 2002 واليوم، استطاع أردوغان، ترغيباً أو ترهيباً، السيطرة على معظم الإعلام الخاص والتقليدي في تركيا. فطغى من حينها الخطاب التبريري والتسويقي للحزب الحاكم في معظم وسائل الإعلام. ما أدى الى ضيق مساحة الحريات في تركيا، وجعل من وسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية والمدونات المنشأة بمبادرات فردية، آخر حيزٍ حرٍ لإعلام بديل عن الإعلام “الرسمي” الموجه.

في عالم التواصل الاجتماعي، وبعدما أسرّ لهم مؤسس موقع “تويتر” جاك دورسي بأساليب بديلة “للتغريد”، تمكن الأتراك من خرق الحظر الحكومي بسهولة. ففتحوا “القفص” التركي الرسمي و”حلقوا” بآرائهم في العالم الافتراضي، حتى وصلت تغريداتهم إلى ضعف المعتاد خلال الحظر. وذلك بعدما أخذت قضية الحريات التركية بعداً “عالمياً” استدعى تدخل المفوضية العليا لحقوق الإنسان، التي إعتبرت على لسان المتحدث باسمها، روبرت كولفيل، “إن حظر مواقع التواصل ينافي التزامات أنقرة في مواضيع حقوق الإنسان”.
1962622_762038300488144_125489

أما المواقع الإلكترونية المستقلة فتتزايد ثقة الأتراك بها بشكل مضطرد، وذلك بعدما قدمت نفسها كمصحح ومحقق للمعلومات المغلوطة التي تبثها أجهزة الدولة الإعلامية. ويعود ازدهار هذا النوع من الصحافة البديلة إلى تجربة الناشطين الأتراك خلال مظاهرات منتزه “جيزي” العام الماضي، حين تُركوا في شوارع المدن بوجه قنابل الشرطة المسيلة للدموع، من دون تأثير حقيقي للإعلام التقليدي في تقديم قضيتهم للجمهور غير المعارض تقليدياً للحكومة.

من هذه التجارب، موقع 140journos الذي أسسه إنغن أوندر. والقائم على جهد شبكة تواصل من 300 ناشطٍ ميداني موزعين في تركيا للتحقق من الأحداث والصور والفيديوهات ومن ثم بثها في مواقع التواصل، كما فضح التعميم والمخالفات التي يرتكبها الإعلام التقليدي الموجه في تركيا. لا يصف أوندر نفسه بالصحافي، ويرفض هذه التسمية، لكنه بالمقابل يؤكد أنه يسعى “إلى خلق لغة تواصل جديدة قائمة على الحقيقة والمعلومة الصحيحة لتعزيز الحريات”.

تتحول هذه التجربة إلى نموذجٍ قابل للتطبيق بمبادرات مشابهة، ما يجعل أوندر هدفاً مشتهى للسلطة التركية لتضيف مواقعه إلى حوالي 15600 موقعٍ آخر حُظرت خلال عشر سنوات. لكن الناشط الإعلامي وسع عمله عبر خلق تطبيق على الهواتف المحمولة يعطي المعلومات السريعة للأحداث بعد التأكد منها من قبل الناشطين المنتشرين في كل تركيا. كما يسمح التطبيق للمتظاهرين والفاعلين أنفسهم بالمشاركة بالصور والفيديوهات للأحداث التي تجري في مدنهم، عبر تحويل كل مواطن إلى “صحافي” في مكان نضاله.

أما المدونات فهي لا تزال مكاناً محبباً للأتراك لاستقصاء التحليلات والآراء المختلفة في القضايا التي تغيب عادةً عن الإعلام التقليدي. واللافت أن عدداً لا بأس به منها يتم تدوينه من خارج تركيا وخاصة من الولايات المتحدة. فمدونة “جمهورية أتاتورك” تقدم تحليلاً ونقداً مهنياً لاذعاً للأحداث التركية. كذلك تفعل مدونة “العثمانيين والصهاينة” عبر تقديمها مقالات تحليلية للوضع التركي والإسرائيلي بشكل منفرد كما محاولة المقارنة بينهما. أما مدونة“السياسة التركية خلال الحدث” فتبقى من أبرز المدونات السياسية الناطقة باللغة الإنكليزية، وهي التي قدمت من العام 2008 إلى اليوم حوالى ألف مقالٍ عن الأحداث التركية.

مقارنة عما كان عليه قبل عشر سنوات، ومستفيداً من فقدان الإعلام التقليدي لمصداقيته، قام الإعلام البديل في تركيا بنقلة نوعية عبر زيادة نسبة الواثقين فيه بشكل كبير. لكنه وبالرغم من كل نشاطه، يتحول هذا العالم الإفتراضي إلى ساحةً حصرية لمعارضي حزب “العدالة والتنمية” وسط عدم القدرة على إجتذاب الموالين تقليدياً لهذا الأخير. في حين تبقى الساحات العملية لمناصري الحزب نفسه الذين يرون إن طاعة “الحاكم” في عالم السياسة أولى من تغريدات المراهقين في العالم الإفتراضي، ما إستدعى الأديب التركي الحائز على جائزة نوبل أورهان باموك إلى وصف حال الحرية في بلاده “من سيئة الى أسوأ”.

نشرت أولاً في جريدة المدن الإلكترونية

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

تركيا: نحن في القرم أيضًا

جو حمورة

خلال الإجتياح الروسي لجورجيا عام 2008، وفي خطابٍ لها كمرشحةٍ لمنصب نائب رئيس الولايات المتحدة، قالت سارة بالين “إن عدم الرد الأميركي سيشجع إجتياح أوكرانيا بعد جورجيا”. سقطت بالين في الانتخابات، لكن توقعها صحّ ولو متأخراً مع توغل القوات الروسية في أوكرانيا وسيطرتها على شبه جزيرة القرم.

لم يكن التصرف الروسي مفاجئاً للكثيرين. فمن ناحية، وفي ظل إنتفاء النيات “الأوبامية” للتدخل المباشر في أزمات الدول المحلية، لا يشذ التصرف “البوتيني” عن السياسة الروسية المعتمدة في العقد الأخير للزود عن مصالحها خارج حدودها. كذلك، ومن ناحية أخرى، ففي القرم أكثرية من أصول روسية، وقواعد عسكرية توصل روسيا إلى “المياه الدافئة” عبر البحر الأسود. وما كان خروج حليفها فيكتور يانوكوفيتش‎ من قصره الرئاسي سوى سبب عجل تدخلها حين تخوفت من الخطر على مصالحها مع تغير موازين القوى في كييف لصالح الغرب.

عدا الأكثرية ذات الأصول الروسية، في القرم كذلك أقلية مسلمة تتارية ناطقة بالتركية. ولهذه الأقلية، التي تشكل حوالي 12% من مجموع سكان القرم، علاقة تاريخية وسياسية عميقة مع “أمها الحنون”؛ تركيا.

هذه الأخيرة تملك بدورها مصالح ومخاوف غرب بلادها كما في شرق المتوسط: مصالح بالحفاظ على نفوذها الإقليمي في منطقة كثيرة الإضطرابات، ومخاوف من تعرض “الدياسبورا” التركية إلى قمع روسي يذكر بالأحداث التي عاناها مسلمو القرم زمن الإتحاد السوفيتي.

خلال مظاهرة مؤيدة لحقوق التتار المسلمين في أوكرانيا

خلال مظاهرة مؤيدة لحقوق التتار المسلمين في أوكرانيا

لذلك، ومع بدء الإجتياح الروسي، استعجل وزير خارجية تركيا، أحمد داوود أوغلو، زيارة كييف مساهماً في تنظيم لقاء عبر الأقمار الاصطناعية بين وزراء تسع دول مؤثرة في الأزمة الأوكرانية. وأفاد هذا اللقاء تركيا في تأمين تهدئة سريعة خوفاً من خطورة التصعيد على الأقلية التركية في القرم، كما على مصالح تركيا الإقليمية ككل. وهذه الخطورة لخصها أوغلو حين اعتبر “أن الحفاظ على السلام في منطقة البحر الأسود يصبح صعباً إن لم يتم الحفاظ على الأمن في القرم”، مؤكداً أن أنقرة لن تسمح للأزمة الأوكرانية بخلق أزمة بين بلاده وروسيا.

هذه المرونة التركية بالإبتعاد عن أي إشتباكٍ سياسي أو دبلوماسي مع الدب الروسي، تعود في المقام الأول إلى أن مسلمي القرم باتوا في مرمى مخالبه. فلا داعي لإغضاب روسيا بموقف تركي صدامي، وهي التي لم تعنِ لها دعوات الأمم المتحدة، الإتحاد الأوروبي و”الناتو” بعدم التدخل في أوكرانيا. كذلك فللعلاقة التجارية بين روسيا وتركيا تأثير على موقف الأخيرة، إذ أن حجمها السنوي البالغ 35 مليار دولار وسط تزايد الحاجة التركية للنفط الروسي بشكل دائم، لا شك تجعل الأتراك يفكرون مطولاً قبل معاداة الروس بشكل فاضح. إن تركيا تبحث عما يخفف التصعيد الروسي في أوكرانيا ويحافظ بنفس الوقت على علاقتها التجارية الطيبة معها.

من ناحية أخرى تفتتح الأزمة الأوكرانية ودور تركيا في القرم فرصة جديدة لها لتعزيز مكانتها ودورها في السياسة الأميركية. هذه المكانة التي فقدت جزءاً كبيراً منها مع تراجع تأثيرها الحاسم في قضايا الشرق، كما بسبب خيبة الأمل بنقل النموذج التركي إلى أيٍ من دوله. فأي طريقة أفضل لأميركا لجعل الوجود الروسي في القرم غير مرغوب فيه أكثر من تأليب مسلمي القرم عليه بعد دفع تركيا إلى التصلب في موقفها من الدور الروسي في أوكرانيا.

وفي حين يبدو أن الدب الروسي لن يتراجع بسهولة عن “قضم” القرم، لا يبدو كذلك أن النسر الأميركي في وارد التخلي عن تحليق كييف في الفلك الغربي. ولا مانع عنده من “إستغلال” الورقة التركية وعلاقتها مع مسلمي القرم، بالإضافة إلى المواقف الدولية والضغوط السياسية والتهديدات بعقوبات إقتصادية، للوصول إلى هذه الغاية. لذا يبدو أن هناك فخاً غير متعمد على وشك أن يُنصب لتركيا، سيحملها عبء التماشي مع متطلبات السياسة الأميركية في القرم، ما قد يغضب روسيا ويُدخل العلاقة الروسية – التركية في إنتكاسة حقيقية.

بالعودة إلى المواقف التركية، وخلال لقائه مع ممثلين عن الأقلية التتارية في تركيا، أكد أوغلو “أن تركيا تقف مع مسلمي القرم، وستتدخل إلى جانبهم في حال تعرضهم إلى أي أذى”. لا عتب روسي على هذا الموقف تحديداً، فإسماع الجميع ما يحبون سماعه في الداخل التركي قبل الإنتخابات المحلية أمر طبيعي. في المقابل، ينتظر الخارج سماع صوت تركيا بشكلٍ أوضح عبر إنضمامها إلى إحدى المحاور في الأزمة الأوكرانية، وهذا الموقف التركي لن يتم تحديده في جميع الأحوال قبل فرز صناديق الإقتراع ليلة 30 آذار الحالي.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 21 آذار 2014 (العدد رقم 1449)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

تركيا تنتقم لـ”إخوان” مصر

جو حمورة

مع خلع الرئيس المصري السابق وإقصاء “الإخوان المسلمين” عن السلطة، بدا إقليميًًّا أن تركيا هي الخاسر الأكبر من التغيير الحاصل. فعدى الخلفية الإسلامية المشتركة لحكام تركيا والإخوان المصريين، كان للعلاقة المتوقعة بين البلدين أن تعزز نفوذ تركيا في الشرق، وتفتح أسواق مصر الضخمة لاستهلاك صادراتها.

قضى “الحلم” التركي في مصر تحت جنازير دبابات عسكرها، ما جعل ردة فعلها عدائية وكثيرة السلبية. هذا الرد بدأ بشن تركيا حملة إعلامية ضد الحكم المصري الجديد، ثم حملة دبلوماسية تخللها سحب السفراء بين البلدين. أما آخر فصوله، فبدأ بتعزيز التعاون بينها وبين جارة مصر اللدودة والمنسية، أثيوبيا. أما موضوع التعاون فهو بناء “سد النهضة” على نهر النيل؛ شريان حياة الاقتصاد المصري.

ويمثل استكمال بناء هذا السد خطراً حقيقياً على مصر واقتصادها وشعبها. هذا الخطر متأتي من أن المشروع المقترح بصيغته الحالية، سيؤدي إلى تقلص المساحة الزراعية المصرية بنسبة تصل إلى 25% بحسب الخبراء. كذلك يخدم المشروع، ذو كلفة الـ4.2 مليار دولار، تركيا لزعزعة استقرار الحكم المصري المعادي للإخوان المسلمين، وذلك عبر تحويله إلى ورقة ضغط سياسية ستستعملها في المدى المنظور.

مظاهرة منددة بمشروع "سد النهضة"

مظاهرة منددة بمشروع “سد النهضة”

بالرغم من إعلانها أن هدف بناء السد هو تأمين حاجاتها من الطاقة الكهربائية، إلا أن هذا الحماس الأثيوبي المستجد عزز الاعتقاد المصري المحق بدور تركي وإسرائيلي في الموضوع. ومرد هذا الأمر يعود لزيارة وزير خارجية تركيا، أحمد داوود أوغلو، إلى أثيوبيا نهاية الشهر الماضي للمشاركة في القمة 22 للإتحاد الأفريقي. هذه الزيارة التي تخللها لقاءات له مع المسؤولين الأثيوبيين، عرض فيها عزم بلاده مساعدة أثيوبيا لتسريع بناء السدّ بحسب وزارة الخارجية المصرية. وهذا ما أكدته لاحقاً المتحدثة الرسمية باسم وزارة المياه الأثيوبية دينا مفتي حين اعتبرت “أن أوغلو عرض على أثيوبيا المساعدة بما تملكه تركيا من خبرة في بناء سد أتاتورك جنوب شرق الأناضول”، لكنها أردفت نافية أي دور مهمٍ لإسرائيل بالمشروع.

أمام الدعم التركي المستجد، بدأت أثيوبيا بفرض شروطها في لجنة الخبراء الثلاثية المنشأة بينها وبين مصر والسودان للتفاوض حول مشروع السدّ. فرفضت، في أواسط شهر شباط، تدويل المسألة عبر عرضها على محكمة دولية مختصة من ناحية، كما فكرة استبدال اللجنة المؤلفة من ممثلين عن كلٍ من الدول الثلاث وبعض الخبراء الدوليين بآخرين من ناحية أخرى. فأعلنت مصر عن تعثر المفاوضات بين الطرفين، في حين صعدت أثيوبيا موقفها السياسي باعتبار أن مسألة بناء السد لن تكون سوى البداية.

من ناحية أخرى، يبدو توقيت التدخل التركي عبر أثيوبيا للضغط على مصر وحكامها، مرتبط بشكل ما مع إعلان أوغلو نفسه، في 9 شباط، عن اقتراب عودة العلاقات بين بلاده وإسرائيل إلى طبيعتها. فيبدو أن المصالحة بين الطرفين لن تكون فقط على حساب دفع إسرائيل لتعويضات لأهالي قتلى سفينة مرمرة عام 2010، يوم قرر الأتراك تنظيم “استعراضهم البحري” لفك الحصار عن غزة. إنما على حساب مصر واقتصادها، عبر تعاونهما الثنائي في أثيوبيا لجعل الاقتصاد المصري، ومن ثم السلطة الحاكمة في مصر، تحت رحمة القوى الإقليمية. كذلك فمن غير المحتمل، لكل عالمٍ بنفوذ إسرائيل في أثيوبيا والسودان، الاعتقاد بأن تركيا تتدخل في أثيوبيا من دون غطاء إسرائيلي أو حتى تنسيق مسبق معها.

بالعودة عقدٍ من الزمن إلى الوراء، ازداد النفوذ التركي في البلاد العربية حين أغلقت، ولو شكلياً، بوابة علاقتها مع إسرائيل. يبدو من السخرية الآن أن تعود تركيا إلى العالم العربي من جديد عبر بوابة العداء لمصر وتجديد العلاقة مع إسرائيل.

نشرت أولاً في جريدة السفير

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور عن الحرب الأهلية اللبنانية هنا