الربيع الكردي يزهر دولة

جو حمورة

مع اندلاع الأزمة الأخيرة في العراق، خطا الأكراد الخطوة ما قبل الأخيرة في اتجاه إنشاء دولتهم الخاصة. أرادوا كردستان على كامل مساحة تواجدهم الجغرافي في تركيا والعراق وإيران وسوريا، إلا أن الظروف المحلية والإقليمية ساعدتهم في العراق أكثر من أي مكانٍ آخر. سيطروا على مدينة كركوك، ثم أعلنوا عن نيتهم إنجاز استفتاء على استقلال إقليم كردستان شمال العراق لتكون الخطوة الأخيرة التي تنشئ دولتهم خاصة والتي أصبحت ولادتها وشيكة وسط إنعدام الاستقرار الذي يعانيه العراق خصوصاً والشرق بشكل عام.

يشكّل توزع الأكراد في أقاليم كردستان الأربعة نقطة سلبية لنضالهم تبعاً لإضطرارهم لتوزيع قواهم العسكرية والاقتصادية فيها. لكن هذا التوزع الجغرافي نفسه له إيجابياته كذلك، وأهمها إمكانية مساعدة إقليم مستقر لآخر مهدّد تحت شعار “الأخوة الكردية”، وهذا ما تم مثلاً مع نشوب الثورة السورية وما تلاها ونقل حزب “العمال الكردستاني” بضعة آلاف من مقاتليه من تركيا إلى سوريا للتصدي للتنظيمات الإسلامية.

في تركيا، ومنذ نهاية العام 2012، يعيش الأكراد نوعاً من الإستقرار بعدما أطلق حزب “العدالة والتنمية” التركي الحاكم مبادرته للسلام معهم. هذه المبادرة أسفرت عن إعطاءهم بعض الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية في مقابل وقفٍ لإطلاق النار من جانب “العمال الكردستاني” وغض طرف من الجانب التركي عن مغادرة المقاتلين الأكراد مع أسلحتهم إلى الأقاليم الكردية المجاورة. أما اليوم، وقبل الإنتخابات الرئاسية التركية المقررة في 10 آب المقبل، تترشح إحدى الشخصيات الكردية المرموقة إليها وهو رئيس حزب “الشعوب الديمقراطية” الكردي صلاح الدين دميرتاش في وجه مرشح الحزب الحاكم رجب طيب أردوغان، والمعارضة العلمانية إكمال الدين إحسان أوغلو. وفي حين تفيد معظم إلإحصاءات أن الغلبة ستكون لأردوغان إلا أن فوزه بالدورة الأولى مربوط بما يستطيع حصده من أصوات الأكراد الذين يشكلون حوالي 17% من سكان تركيا.

لذلك، وأملاً بالفوز من الدورة الأولى، أقدم الحزب الحاكم في 10 تموز الحالي على تصديق قانون في البرلمان التركي يعطي إطاراً قانونياً لمفاوضات السلام الجارية بين الحكومة وحزب “العمال الكردستاني”، كما يعطي حصانة للمفاوضين ويسهل عملية إعادة من يُلقي سلاحه من المقاتلين إلى تركيا. كذلك لم ينسَ أردوغان في اليوم التالي من إقرار القانون وعد ناخبيه المفترضين بـ “استكمال تسوية السلام مع إخوتي الأكراد معاً”. وما كل هذا التساهل التركي مع الأكراد سوى نتيجة لحاجة أردوغان وحزبه لأصواتهم من ناحية، كما نتيجة التقارب التركي – الكردي “الأخوي” على قاعدة الإنتماء الإسلامي المشترك لا الفروقات القومية التي كانت سبباً في القمع والدموية التي عانى الأكراد منها على يد حكام تركيا القوميين والعلمانيين السابقين منذ إنشاء الجمهورية التركية عام 1923.

يختلف الواقع المُسالم لأكراد تركيا عنه في سوريا، لكن إستفادة الأكراد من الحالتين هي ذاتها. فقد تحوّل الربيع العربي وما تلاه في سوريا إلى ربيع سياسي كردي بعدما قام الأكراد بإنشاء ثلاث حكومات محلية في ثلاث مناطق ذات أكثرية كردية في شمال سوريا هي عفرين وكوباني والجزيرة (القامشلي). فكان غياب الأمن والسلطة المركزية لصالح الحرب ومصالح الجماعات الطائفية والقومية أن أدى إلى استفادة الأكراد من الحرب التي يخوضها بقية السوريين لإنشاء حكمهم الذاتي. إلا انهم يواجهون بقيادة حزبهم الأقوى “الإتحاد الديمقراطي” الكردستاني، ومنذ أشهر، تنظيم “داعش”، وهم الوحيدون الذين استطاعوا الصمود في وجهه وحتى الفوز عليه في معاركٍ عدة، فيما القوى الأخرى من “جيش حر” و “جبهة نصرة” وغيرها على وشك التفتت أمام سطوة “داعش” العسكرية.

وبعدما تثبتت حكوماتهم المحلية وأثبتوا جدارتهم العسكرية، يقترب الأكراد السوريون من فرض أنفسهم كمحاورٍ أساسي في أي مفاوضات سلام مستقبلية لحل الأزمة السورية. وعلى الرغم من أن الكلام عن أي سلامٍ في سوريا ليس على طاولة البحث الدولية أو المحلية في الوقت الحالي، إلا أنه من المتوقع أن يلعب الأكراد دوراً أساسياً فيها يعطيهم تثبيتاً دستورياً للحكم الذاتي الذي يتمتعون به الآن بحكم الأمر الواقع على غرار الحكم الذاتي الذي يتمتع به إخوتهم في الإقليم العراقي.

قوات البشمركة الكردية في العراق

قوات البشمركة الكردية في العراق

وليس ببعيد عن سوريا، وفي معقل الأكراد السياسي، في إقليم كردستان شبه المستقل شمال العراق، تتزايد فرصة الأكراد بالإستقلال يوماً بعد يوماً. وما كادت الحرب المستجدة في العراق أن تندلع حتى استفادوا من تقهقر الجيش العراقي وسيطروا على مدينة كركوك الغنية بالنفط كما على حقولها والقرى القريبة منها، وباشروا بالاستعدادات لإجراء استفتاء على إستقلال الإقليم الكردي بعدما “أمر” رئيس الإقليم مسعود البرزاني البرلمان الاقليمي بتحضير كل ما يلزم للإستقلال مؤكداً على “أن العراق لا يمكن توحيده بعد اليوم وإستقلال كردستان حق طبيعي وآت لا محالة”.

ويُعزى سبب تمكّن أكراد العراق من التقدم في مشروعهم الاستقلالي مقارنة مع أخوتهم السوريين أو الأتراك إلى ثلاثة عوامل أساسية. فمن ناحية أولى، أدت الأزمات والحروب المتواصلة في العراق منذ الاجتياح الأميركي إلى إضعاف الحكومات المركزية بشكل دفع الأكراد إلى التقدم أكثر وبشكلٍ أسهل في المسعى الاستقلالي في الأطر السياسية والقانونية والاقتصادية والتنظيمية. ومن ناحية أخرى فإن وجود زعيمين وحزبين كرديين في العراق، الأول برئاسة البرزاني والثاني برئاسة رئيس الجمهورية العراقية الحالي جلال الطالباني، جعل من إمكانية الطرفان تقاسم الأدوار السياسية والتفاوضية مع بقية العراقيين ممكناً وأكثر إفادة للأكراد. أما العامل الثالث فهو وحدة الرؤية العامة للحزبين والزعيمين، وهما وإن كانت قد سالت بينهما الدماء إبان حكم رئيس العراق السابق صدام حسين إلا أن التسوية الشاملة التي تمت بينهما في آب من العام 1998 برعاية شخصية من الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون لا تزال قائمة ومؤثرة بعدما أردفها الزعيمان الكرديان باعتذارات متقابلة ومصالحات محلية أنهت الانقسامات الكردية.

هذه العوامل الثلاث ليست موجودة في تركيا التي يبقى حكمهما المركزي قوياً، أو في سوريا التي يعيش الأكراد فيها في ظل سيطرة عسكرية أحادية من قِبل حزب “الاتحاد الديمقراطي”، ما جعل ظروف العراق الموضوعية تنتج ربيعاً كردياً خاصاً يزهر إستقلالاً كأمر واقع لن يلبث إلا أن يتحول وطناً مستقلاً بعد فترة.

أما في إيران فواقع الأكراد هو الأسوأ. حيث لا استقرار وسلام مع السلطة كما في تركيا، ولا مشروع استقلال على وشك التحقق كما في الإقليم العراقي، ولا إدارة ذاتية كما في شمال سوريا، بل قمع نظامي لكل حراك كردي معارض للحكم الإيراني ومُطالب بالحقوق القومية الخاصة.

وبالرغم من وعود رئيس الجمهورية الإيرانية حسن روحاني للأكراد ببعض الحقوق قبل انتخابه، إلا أنه لم يفِ بأيٍ منها بعد وصوله إلى السدّة الرئاسية. فاستمر الحرس الثوري بقمع الأكراد والأقليات القومية الأخرى كالمعتاد، ذلك لأن إيران مؤلفة من “موزاييك” قوميات مختلفة لا يشكّل فيها العنصر الفارسي سوى 50% على أحسن تقدير، في حين يخشى النظام الإيراني صعود المشاعر القومية لغير الفُرس باعتبارها خطراً حقيقياً يهدد أمنه ووجوده.

يختلف واقع الأكراد في كل من البلدان الأربعة التي يتواجدون فيها. ففي حين يعيشون في سلام في تركيا، وقمع في إيران وحكم ذاتي في العرا، وحرب في سوريا، إلا أنهم يترقبون لحظة إعلان إستقلال إقليمهم العراقي ما قد يشجع بقية الأقاليم في الدول الثلاث الأخرى على حذو حذوهم، حيث ستكون سوريا هي الأولى في اتخاذ هذا المنحى بعدما أنهكت حربها الأكراد كما بقية السوريين.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 21 تموز 2014 (العدد رقم 1466)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

فلسطين لم تعد البوصلة

جو حمورة

لم يكن غريباً تجدد المواجهات اليومية بين الفلسطينيين والإسرائيليين منذ أسبوعين إلى اليوم، فهذه المواجهات لا تنفك أن تتجدد كل فترة. لكن ما اختلف هذه المرة هو عدم إظهار تعاطف جدي من جانب العرب لما يجري في فلسطين، لكأن أولوية الصراع العربي مع إسرائيل إنتهت واستُبدلت بصراعات أخرى.

كان لخطف الفلسطينيين ثلاثة شبان إسرائيليين وقتلهم أثر كافٍ لتقوم إسرائيل بتحريك آلتها الأمنية والعسكرية والإعلامية للإنتقام، فقصفت قطاع غزة واعتقلت ناشطين فلسطينيين وهدمت منازل من تسميهم بـ”المخربين”. في المقابل، وكالعادة، رد الفلسطينييون بصواريخهم القصيرة المدى وتظاهراتهم العشوائية ورمي الحجارة. فكانت نتيجة المواجهات بضعة قتلى من الطرفين وعشرات الجرحى والمعتقلين وحديث عن إجتياح لغزة، كما صمت مطبق من الأنظمة العربية عن كل ما جرى لكأن الأمر لا يعنيهم وهم الذين حكموا شعوبهم منذ 60 عاماً باسم الدفاع عن فلسطين وشعبها وأولوية “المقاومة” على الحرية.

تاريخياً، كانت مصر والأردن وسوريا والعراق ولبنان من أكثر الدول والشعوب المعادية لإسرائيل والمقاتِلة لها، وبالتالي موالية لفلسطين وشعبها. لكن الزمن الذي كانت فيه القضية الفلسطينية بوصلة القضايا العربية قد ولّى عند هذه الأنظمة كما عند الشعوب، فلكل منهم الآن همومه الوطنية الخاصة والتي تتخطى بأهميتها عندهم أهمية القضية الفلسطينية.

من الهجوم الجوي الاسرائيلي على غزة

من الهجوم الجوي الاسرائيلي على غزة

على الرغم من أن النظامين المصري والأردني يُسالمان إسرائيل، تتحول الأزمات التي يعيشها كل من شعبيهما إلى أولوية على نصرة فلسطين وقضيتها. في الأردن، يكبر الخطر السلفي كل يوم ويقوى عود الحركات الجهادية وقد بات يشكّل توسعها في الجوار العراقي والسوري خطراً على وجود النظام الملكي بذاته. من جهة أخرى، تبقى الحساسية الأردنية السلبية تجاه الفلسطينيين كبيرة بعدما باتوا يشكّلون معظم سكان الأردن ما يؤثر سلباً على الدعم التاريخي المعتاد للأردنيين للقضية الفلسطينية. أما في مصر، فكل حالات التخبط الثوري والعسكري التي شهدتها في السنوات الثلاث الأخيرة، كما الأزمات الإقتصادية والإجتماعية التي تهدد بإتفجار جديد الآن، قد جعلت من موضوع مناصرة فلسطين شعبياً أمراً ثانوياً أمام أولويات تأمين لقمة العيش والإستقرار السياسي والأمني.

في سوريا والعراق “الممانعان”، قضت الحروب فيهما على أمل شعبيهما في الاستقرار والهدوء والتغيير، فكان عدم الإكتراث الجدي بدعم القضية الفلسطينية بمثابة تحصيل حاصل لشدّة معاناتهما في بلادهما. لا بل أصبح الفلسطينييون في سوريا أعداء النظام ويتعرضون، إسوةً لبقية السوريين، لقمعٍ نظامي تجلّى في حصار وقصف مخيم اليرموك منذ عدة أشهر. أما العراق بأقسامه الثلاثة فيغرق بهمومه وعدائية مكوّناته تجاه بعضها: الشيعة والسنة يتقاتلون والأكراد يقاتلونهما، ولو بشكل أقل، وينتظرون استكمال الظرف لإعلان إستقلال كردستان والإنفصال عن العرب.

في لبنان، ليست المقاومة بعد القرار 1701 الصادر من مجلس الأمن الدولي عام 2006 كما قبله. فمع انتهاء حرب تموز وإنتشار الجيش اللبناني في الجنوب وتطبيق الهدنة بين “حزب الله” وإسرائيل، باشر الحزب حربه الداخلية على اللبنانيين، ثم دخل وحول الحرب السورية وربما العراقية، وباتت فلسطين منسيّة عمداً في سياساته وشبه غائبة عن خطاباته مكتفياً بتوجيه سلاحه صوب السوريين وتعطيل الحياة الديمقراطية في لبنان.

قديماً، وقبل الإنسحاب الإسرائيلي من جنوب لبنان عام 2000، كان أطفال الجنوب يغنون “حزب الله، يا عيوني، دمر كريات شموني”. الآن، تنعم “كريات شموني” بالأمن والإزدهار فيما يشتم معظم سكان المشرق العربي “حزب الله” ويكفّر الإسلاميون بعضهم البعض على خلفية طائفية.

باتت الأنظمة العربية غارقة في أزماتها الداخلية أو في دماء شعوبها بعد الربيع العربي، وحلت الأزمات المحلية أولوية على القضايا الخارجية كالقضية الفلسطينية، في حين لم يبقَ مِمَن يدافع عن فلسطين، ولو شكلياً، إلا المهتمين بها من باب كونها رمزاً دينياً لا قومياً. وربما بعد أن تجف الدماء من أرض العرب تكون فلسطين بسلطتها الشرعية قد وقّعت على إتفاقية السلام مع اسرائيل، وأنهت كذلك الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 11 تموز 2014 (العدد رقم 1465)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

كركوك : خطوة صحيحة في إتجاه استقلال كردستان

جو حمورة

ليست الحروب مضرة للجميع دائماً، فبعض مصائب الشعوب قد تكون مفيدة لشعوب أخرى. في العراق، تشتد الحرب بين المكوّنين السني والشيعي فيها، ولكن لا يبدو حتى الآن أن هناك مستفيد منها سوى الأكراد. فبعدما سيطروا على مدينة كركوك ووسعوا حدود إقليمهم شبه المستقل زادوا من فرص إستقلالهم عن حكومة بغداد المركزية بعد شبه الإنهيار الذي لحق بجيشها أمام القوى السنيّة المعادية لها.

بعد الهجوم الأميركي على العراق عام 2003، غنِم الأكراد في دستور العام 2005 تأكيداً على إقامة حكم ذاتي لهم في شمال البلاد، فبات الإقليم شبه مستقل من حينه وبدأ مسيرته نحو النمو والإزدهار بينما رزحت بقية العراق تحت وطأة المعارك بين الشيعة والسنّة والإرهاب والسيارات المفخخة. ومع الربيع العربي وما تلاه، نما الإقليم الكردي أكثر وبات المنطقة الوحيدة التي تتمتع بأمنٍ حقيقي وإزدهارٍ مقبول، فيما غرق بقية المشرق العربي في الحروب والفوضى.

ووسط كل الفوضى التي يشهدها العراق، كان للحراك السنّي الحالي والمعادي لحكومة نوري المالكي أن أجبر هذا الأخير على سحب جيشه من شمال غرب البلاد ووسطها، فسقطت مدينة الموصل ومعظم محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار في يد قوات العشائر السنيّة و”داعش”. فكانت نتيجة التخبّط الحكومي وإنسحاب الجيش من المدن صوب بغداد، إستغلال الإقليم الكردي فراغ مدينة كركوك وقيامه بالسيطرة عليها بعدما أدخل قوات البشمركة الكردية إلى أحياءها بحجة الخوف من توغل المنظمات الإسلامية فيها.

Kurdish Peshmarga forces stationed south of Kirkuk

Kurdish Peshmarga forces stationed south of Kirkuk

ليست كركوك المدينة الغنية بالنفط والمكوّنة من عرب وكُرد وتركمان فقط، بل هي في الأدب والأغاني الكردية المدينة المنشودة التي طالما تغنى الأكراد  بها وتواعدوا على إستعادتها. فكان دخولهم إليها نابعاً من الظروف العسكرية والسياسية كما الإعتبارات القومية، في مقابل غض طرف من قبل القوى الإقليمية المؤثرة في السياسة العراقية على سيطرة الأكراد على المدينة.

من الناحية التركية، يفيد توسع حدود وقوة الإقليم الكردي في العراق مصالح تركيا، ذلك لأن التعاون السياسي والنفطي الوثيق بينهما يعزز حضورها في الشرق، كما يجعل الإقليم الكردي أكثر إستقلالية في عقوده النفطية معها، وهي المحتاجة أكثر من أي يومٍ مضى إلى النفط والغاز لتغطية طلب أسواقها المحلية.

كما في تركيا كذلك في إيران. إذ أن هذه الأخيرة ترى في سيطرة الأكراد على كركوك وغيرها أفضل من أن تسيطر عليها القوى السنيّة المعادية لحكومة المالكي المقرب من إيران. لذا كان غض الطرف الإيراني على تقدم البشمركة صوب كركوك، خصوصاً وأنه تزامن مع زيارة رئيس حكومة الإقليم الكردي نيجيرفان البرزاني إلى إيران حيث تم الإتفاق على “محاربة الإرهاب”.

وفي حين تنشغل الحكومة المركزية وجيشها بمحاربة القوى السنيّة المعارضة، تتوافق الظروف الداخلية والخارجية لتصب في مصلحة الأكراد الذين باتوا أمام فرصة ذهبية بعد إقتناص المدينة النفطية لضمها إلى إقليمهم. كذلك، فإن إستمرار الحرب بين الأطراف الإسلامية في العراق يجعل من الأكراد وجيشهم، البشمركة، القوة الأكثر تنظيماً وقدرةً على التأثير والمبادرة وحفظ الامن الإقليمي عندما تدعي الحاجة، فيزيد بالتالي الإقليم من قيمته في السياسة الإقليمية لكلٍ من تركيا وإيران.

من ناحية أخرى يعمل الإقليم الكردي حالياً على تثبيت حكمه وخطوط دفاعاته في كركوك، كما بترميم وتجيهز الآبار والمنشآت النفطية فيها لإلحاقها في خط الأنابيب الممتد من الإقليم إلى مرفأ “جيهان” في تركيا ليصار إلى بيعها في الأسواق التركية والاوروبية والإسرائيلية لاحقاً، فيحصد الإقليم المزيد من الأموال تمكنه من تمويل آلته الحربية، كما مواجهة أي خطر من قبل الجماعات الإسلامية المتطرفة أو الجيش العراقي، ليقترب خطوة صحيحة في إتجاه إستقلال الأكراد المنشود، بينما  يستمر بقية العراقيين، من سنّة وشيعة، في قتال بعضهم البعض دون جدوى.

وكما في العراق كذلك في سوريا، فقد تمكّن الأكراد عام 2013 من السيطرة على أغلب المناطق الكردية التي تشكّل إمتداداً جغرافياً لإقليم كردستان. لذا يتوقع البعض أنه في حال تكرّست سيطرة “داعش” على وسط العراق وغربه وشرق سوريا أن يمتد الكيان الكردي كذلك ليجتاز الحدود بين الدولتين.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 30 حزيران 2014 (العدد رقم 1463)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

وداعاً “سايكس – بيكو”.. تسونامي “داعش” في العراق

جو حمورة

سريعة ومفاجئة كانت سيطرة تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على المناطق العراقية ذات الأغلبية السنيّة. ففي أسبوعٍ واحدٍ فقط، سيطرت المنظمة المتطرفة على أقسام كبيرة من محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار وربطت العراق بسوريا التي يخضع قسم منها إلى سيطرة “داعش” نفسها، ما أدى عملياً إلى نشوء نواة دولة جديدة على مساحة بلدين بشكلٍ أعاد التفكير بحدود دول المشرق العربي الناشئة بإتفاقية سايكس – بيكو عام 1916.

بالرغم من تصدّرها التقارير الصحافية وتحميلها كل ما يجري في العراق، إلا أن “داعش” ليست وحدها من يقاتل فيه، بل هي إحدى الفصائل من المجموعة السنيّة المنتفضة على النظام العراقي. ويعود تمكّن المعارضة السنيّة من تحقيق “تسونامي” إنتصارات ميدانية إلى عوامل عدة أبرزها تحالف أربع جماعات دينية وسياسية وعسكرية ضد نظام رئيس الحكومة العراقية نوري المالكي المدعوم من إيران.

وعدا “داعش” التي تملك عدداً لا بأس به من المقاتلين في العراق، تظهر العشائر السنيّة في وسط البلاد وشمالها أكثر تنظيماً وعديداً ورغبةً بمحاربة “النظام الشيعي الإيراني المحتل” كما تصفه. وبالإضافة إليهما، تقوم عناصر جيش صدام حسين المحلول بالمشاركة في الهجمات والسيطرة على المدن والبلدات العراقية الواحدة تلو الآخرى، وهي حسب ما تردد بقيادة الرجل الثاني في النظام البعثي السابق عزت الدوري المتواري عن الأنظار منذ الإطاحة بنظام البعث عام 2003. وكان الدوري قد شغل منصب نائب صدام حسين سابقاً، وتدعمه اليوم “الطريقة” الصوفية النقشبندية التي تنشط في شمال العراق وتملك جيشها الخاص كما نزعة قتالية معادية للشيعة.

ISIL in Iraq

ISIL in Iraq

تحالف هذه القوى الأربعة مكّن المعارضة السنيّة من السيطرة على أكثر من ثلث العراق، في حين بقي الثلثان الآخران مقسمان إلى جزء تسيطر عليه الحكومة المركزية في المناطق الشيعية في وسط وجنوب البلاد، وقسم آخر هو أساساً تحت سيطرة الأكراد. وقد قام هذا الأخير باستغلال الفوضى المستجدة في العراق ليوسع سيطرته إلى مدينة كركوك المتنازع عليها بينه وبين الحكومة المركزية. فعمت الفوضى كل البلاد وأصبحت أقرب من أي يومٍ مضى إلى التقسيم إلى أقاليم أو دول ثلاث ما لم يطرأ تغيير حقيقي يعيد الأمور إلى ما كانت عليه، وهذا مستبعد في ظل تفاقم الانهيار العام في الدولة العراقية.

ولا يبدو أن هناك أمل بأي حل ينهي أكثر من عقد من الفوضى والدماء في العراق من دون أخذ الواقع الجديد بعين الإعتبار، ومنها فكرة باتت مطروحة في الصحافة الأجنبية كما في الدوائر الدبلوماسية وهي قائمة على إعطاء السنّة نوعاً من استقلال محلي وإدارة ذاتية على نسق الإقليم الكردي وذلك بعد إعادة المناطق التي فقدتها الحكومة المركزية إلى سيطرتها.

في المقابل، لا يبدو أن “داعش” التي باتت شريك بالسيطرة على أقسام كبيرة من سوريا والعراق بعيدة عن إقامة دولتها وإعلانها إمارة إسلامية لتتحول منطلقاً لإستكمال العمليات الجهادية ونشر الفوضى في كل مكان. وقد لا تعود صلابة عود هذا التنظيم وغيره من التنظيمات المتطرفة إلا إلى أنها نتاج للظلم الذي لحق بالطائفة السنيّة في ظل حكم البعث السوري والحكم ذي الصبغة الشيعية في العراق بعد دخول الولايات المتحدة اليه عام 2003. فكانت دموية النظامين كما إقصاء السنّة عن السلطة فيهما أن جعلت من ردة الفعل عنفية ومتطرفة ونتيجة حتمية للدكتاتورية التي مارسها النظامين السوري والعراقي بحق فئة من شعبيهما.

أما نهاية هذا الصراع الدموي المنتشر في سوريا والعراق والذي أزهق حياة مئات الآلاف من سكانهما، فلا يمكنها أن تتم إلا عبر إعادة الإعتبار للطائفة السنيّة من ناحية كما إيجاد حل للنزعة المتطرفة التي نشأت داخلها. وهذا لن يتم إلا بعد إبعاد سطوة الطوائف الآخرى عنها أو تحقيقها لدولة تكون هي الحاكمة فيها وتُرسم هذه المرة ليس بحبر السيدين سايكس وبيكو إنما بالعنف والدم وبردات الفعل.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 23 حزيران 2014 (العدد رقم 1462)

———————-

إقرأ أيضاً:

الطائفية في الأمثال الشعبية اللبنانية

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا