التضحية بـ”كوباني” لأجل بقاء الأسد

جو حمورة

منذ ظهور تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) تسارعت الأحداث العسكرية على أرض الدولتين في شكل دراماتيكي. تقدم التنظيم الإرهابي على أكثر من جبهة وفي أكثر من مدينة، وسيطر على الموصل والرقة ومعظم مدينة دير الزور، كما أزال الحدود بين العراق وسوريا وأعلن إنشاء “الدولة الإسلامية” منهياً بذلك قرنا من تقسيمات حدودية فرضتها إتفاقية سايكس-بيكو في الشرق الأوسط. كذلك، لم يكترث “داعش” لكل القوانين الدولية الداعية إلى تجنيب الأقليات الدينية والعرقية مخاطر الحروب والإبادات، فدفع الإيزيديون والمسيحيون في العراق الثمن بالقتل والتهجير، فيما تنتقل الحرب اليوم إلى المناطق الكردية السورية وتحديداً إلى مدينة كوباني الحدودية مع تركيا.

يشكل “داعش” ظاهرة عسكرية لافتة، فعلى الرغم من أن تحالفا من 60 دولة يقود حرباً ضده منذ حوالى الشهر، لا يزال التنظيم يتقدم في العراق وسوريا ويحقق إنجازات جديدة. وصل مقاتلوا التنظيم مؤخراً إلى حدود كوباني، وعلى الرغم من الضربات الجوية اليومية عليه، سيطر “داعش” على أجزاء من المدينة الكردية بعد معارك دامية. فكانت النتائج الحتمية المباشرة للتطورات الميدانية نزوح 150 ألفا من الأكراد إلى تركيا وفشل ذريع للحرب الجوية التي يقودها التحالف الدولي.

يُجبر فشل الحرب الجوية العالم على التفكير ببديل عسكري للقضاء على “داعش”، فتطرح تركيا نفسها للقيام بالمهمة إلا أنها تضع شروطها للمشاركة بالحرب. هذه الشروط لخصها رئيس جمهوريتها، رجب طيب أردوغان، في خطابه في العاشر من  تشرين الأول حين إعتبر أن “مشاركة تركيا في الحرب على داعش مشروطة بإقامة منطقة حظر جوي على الحدود مع سوريا، وإنشاء منطقة آمنة وتأمين تدريب وتجهيز عسكري للمعارضة السورية المعتدلة”.

توازي تركيا بين خطر “داعش” وخطر النظام السوري، وهي لا تريد أن يستفيد هذا الأخير من إضعاف التنظيم وحلوله في أماكن سيطرته، إنما تريد أن تستفيد المعارضة المعتدلة من هذا التطور حينما يحدث. غير أن حسابات تركيا وأهدافها لم تعنِ للأكراد كثيراً، فقاموا بتظاهرات عنفية في عدة مدن تركية واتهموا أنقرة بدعم “داعش”، فكانت النتيجة مقتل نحو 35 شخصاً في تركيا معظمهم من الأكراد الإسلاميين والمنتمين إلى تنظيم “حزب الله” الكردي الموجود في تركيا، في حفلة عنف وانتقام من الأكراد القوميين في حق الأكراد الإسلاميين.

يقاتل الأكراد في كوباني حتى الرمق الأخير، وتقود جبهة الدفاع عن المدينة إمرأة تدعى نالين أفرين، فيما “داعش”، وعلى الرغم من راديكاليته الإسلامية، يفهم الحساسيات القومية الكردية، لذا أوكل الهجوم على المدينة لقائد كردي من العراق يدعى “أبو خطّاب الكردي”. على المقلب الآخر، تستفيد تركيا من الخلافات الكردية – الكردية والحرب الكردية – “الداعشية” لتضع نفسها في مكانة المخلص السياسي والعسكري للأكراد من ناحية وللعالم من “داعش” من ناحية أخرى.

ملصق دعائي داعم للأكراد منتشر على وسائل التواصل الاجتماعي احتجاجاً على حصار كوباني

ملصق دعائي داعم للأكراد منتشر على وسائل التواصل الاجتماعي احتجاجاً على حصار كوباني

إلا أن تركيا لا تلعب دور واضع الشروط على العالم فقط، بل على الأكراد السوريين كذلك. ففي الخامس من تشرين الأول، وقبل استعار الحرب على كوباني، إستقبلت مكاتب جهاز الاستخبارات التركية الزعيم الأول للأكراد السوريين صالح مسلّم للتناقش في شؤون الحرب السورية، إلا أن الإعلام الرسمي التركي وصف اللقاء بغير الودي بعدما أبلغته تركيا شرطيها لـ”تخليص” الأكراد من “داعش”: فك إرتباط حزب مسلّم وجيشه عن حزب “العمال الكردستاني” المصنف بالحزب الإرهابي في تركيا، والإنضمام إلى المعارضة السورية لقتال النظام السوري. لم يصل أي رد علني كردي على هذه الشروط، إنما كان التقدم الذي حققه “داعش” في كوباني أبلغ رد بالعقاب التركي على رفض الأكراد لشروطها.

ليس ببعيد عن الأزمة الكردية الحالية، لا تغيب إيران عن الصورة ولعب دور فيها. فصالح مسلّم الذي رفض شروط تركيا بالإنضمام إلى معارضي النظام السوري لا يملك كامل القرار السياسي أو العسكري على مقاتليه وجيشه، إنما يخضع تنظيمياً للقائد التنفيذي العام “للعمال الكردستاني”، جميل بايك، المقرب من إيران والذي يسكن في مقره في جبال قنديل على الحدود العراقية – التركية. أما الرفض الكردي للشروط التركية فلا يشذ عن سياسات بايك، ومن خلفه إيران، الساعين دوماً إلى تخفيف نفوذ تركيا وتأثيرها في الشرق من ناحية وإبقاء بشار الأسد على رأس السلطة في سوريا من ناحية أخرى، وهما هدفان يدفع ثمنهما الأكراد اليوم في كوباني كرمى لعيون سياسات إيران في سوريا وبقاء النظام السوري.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 20 تشرين الأول 2014 (العدد رقم 1479)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

أكراد سوريا وحرب الوجود

جو حمورة

خلال يومين متتاليين فقط إحتل تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) حوالى ستين قرية كردية شمال سوريا، ما أدّى بحسب الأمم المتحدة إلى هجرة 130 ألف كردي على الأقل إلى تركيا. تتفاقم أزمة الأكراد السوريين وتتصاعد ويتحولون مع الوقت إلى ضحية من ضحايا كُثر أدت بهم الحرب السورية إلى الانكسار، كما يقعون يوماً بعد يوم بين سندان تقدم التنظيم الإرهابي عليهم ومصالح تركيا من جهة ومطرقة شروط الإقليم الكردي العراقي وقيادته للمساعدة من جهة أخرى، في حرب غير متكافئة تطال وجودهم في سوريا.

للأكراد تاريخ عريق في المقاومة والشهادة في الشرق. فهم، على مر أجيال كاملة فيها الإنتصارات كما الانكسارات، عانوا الكثير من بطش الأنظمة العربية والتركية والإيرانية في الزمن الحديث. للبعثين العراقي والسوري تاريخ حافل من الإجرام بحق الأكراد بحجة أنهم ليسوا عربًا، فيما الأتراك والإيرانييون رفضوا دوماً إعطاءهم حقوقاً خاصة لاعتبارهم جزءاً منهم ولا يشكّلون قومية مستقلة. أمّا تركيا فكانت ترفض وجود القومية الكردية وتعتبر الأكراد من مواطنيها هم “أتراك الجبال” الذين نسوا هويتهم القومية التركية الأصلية على مر الزمن، كما كانت إيران، ولا تزال، تعتبر الأكراد جزءاً من العِرق الإيراني القديم. فكان للعنصرية القومية عند الأنظمة الأربعة ثمن دفعه الأكراد بالقمع والموت والتشريد بسبب هويتهم القومية المتمايزة عن محيطهم وإعتزازهم بها.

قدمت الحرب السورية وتطوراتها تحدياً من نوعٍ آخر للأكراد السوريين. الإبادة تمارس ضدهم هذه المرة لا بسبب تمايزهم العرقي أو باسم القومية إنما باسم الدين. فـ”داعش” تقاتلهم لأسباب دينية لأن الانتماء السياسي الغالب للقوى المسيطِرة في المناطق الكردية السورية هي يسارية – شيوعية. ففي مناطق شمال سوريا، أو “غرب كردستان” التي يسميها الأكراد بلغتهم “روجافا”، يسيطر حزب “الإتحاد الديمقراطي” والذي هو جزء من الحزب الأم “العمال الكردستاني” الناشط في تركيا. فيما للفرع السوري المرؤوس من صالح مسلم جيش خاص هو “وحدات حماية الشعب” والذي أعلن في تشرين الثاني من العام 2013 إقامة ثلاث مناطق حكم ذاتي هي الجزيرة (القامشلي)، عفرين وكوباني بعدما سحب النظام السوري معظم جيشه من “روجافا”.

مقاتلات كرديات شمال سوريا

مقاتلات كرديات شمال سوريا

لحزب “العمال الكردستاني” وقائده “عبدالله أوجلان” المسجون منذ العام 1999 في تركيا حساب قديم مع سجّانه. إلا أن الحزب دخل في محادثات طويلة مع الحكومة التركية منذ بداية العام 2013 أسفرت عن وقف لإطلاق النار بين الطرفين وإصلاحات حكومية أعطت أكراد تركيا بعض الحقوق الخاصة. لذلك، يَفصل “العمال الكردستاني” عدة آلاف من مقاتليه للتوجه إلى سوريا لمساندة أخوتهم في “روجافا” وسط تسهيل تركي لمرور المقاتلين. وكما يمر المقاتلون الأكراد، كذلك يمر مقاتلو “داعش” عبر الطريق نفسها، ليجتمع أعداء تركيا في مكان واحد ليقاتلوا بعضهم البعض، فيما تركيا تستفيد من شبه الهزيمة الكردية لعدم إتاحة الإمكانية المستقبلية للأكراد لإقامة دولة لهم قرب حدودها، كما يصبح “أوجلان” أضعف في مفاوضاته معها بسبب ضعف جناحه السوري.

للإقليم الكردي العراقي شبه المستقل حكاية أخرى مع “روجافا”، حيث يقود حليف تركيا السياسي والنفطي حربه الخاصة ضد “داعش”، ويحقق جيشه، “البشمركة”، نتيجة جيدة في العراق عبر الاستفادة من التغطية الجوية الأميركية والمساعدات المرسَلة إليه من كل العالم. إلا أن موقف الإقليم تجاه ما يجري في “روجافا” لا يتعدى الإستنكار والمصلحة الخاصة إلى حدود المساعدة الأخوية، فرئيسه، مسعود البرزاني، طلب من المجتمع الدولي “أخذ كافة الإجراءات اللازمة لحماية أكراد سوريا”. إلا أن أحد أبرز قياديي قوات “البشمركة”، عزيز ويسي، قال ما لم يقله البرزاني في العلن حين أعتبر أن “دخول البشمركة إلى سوريا يحتاج إلى موافقة حزب الإتحاد الديمقراطي”، في إشارة واضحة إلى إهتمام الإقليم الكردي بتوسيع نفوذه شمال سوريا وتحقيق سيطرة سياسية جديدة مقابل إنقاذ أكراد سوريا.

تتغير حال الأكراد السورييون من سيئة إلى أسوأ أمام تقدم “داعش”، كما تتحول حربهم من حرب حدود إلى حرب وجود يوماً بعد يوم. وفيما ترسل تركيا الجميع للموت في “روجافا”، يتحضر حليفها، البرزاني، للعب دور أكبر وأبعد من الإقليم العراقي منتظراً اللحظة التي يصبح فيها “الإتحاد الديمقراطي” قابلا بسلطة بنادق “البشمركة” خوفاً من سيوف “داعش”.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 29 أيلول 2014 (العدد رقم 1476)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

العالم يؤدب “داعش”

جو حمورة

سنة واحدة فقط كانت كافية لسيطرة الدولة الإسلامية في العراق والشام (داعش) على أراضٍ عراقية وسورية تقدر بمساحة بريطانيا. وبقوة السلاح، ورثت المنظمة الإرهابية أراضٍ كانت تحت سيطرة الألوية السورية المعارِضة، كما على مساحاتٍ واسعة من مناطق تواجد العشائر السنيّة في العراق، بالإضافة إلى مدن مهمة كالموصل والرقة ومعظم مدينة دير الزور. وبذلك، حقق “داعش” إنتصاراً حقيقياً بعدما سلب الجيش “السوري الحر” والألوية المعارضة الأخرى دورها وتأثيرها، وتحول إلى لاعبٍ عسكري له كل الأهمية الإعلامية والقتالية على الأرض من دون أن يلقى معارضة عالمية تتخطى الشجب والإستنكار إلى حدود التحرك الفعلي للتصدي للتنظيم الإرهابي. إلا أن “داعش” عمد لاحقاً إلى توجيه سلاحه صوب عاصمة الإقليم الكردي، إربيل، بدلاً من عاصمة العراق، بغداد، ومارس إجرامه بحق الأقلية الإيزيدية ومسيحيي الموصل وصحافيين أميركيين، ما استدعى رداً أميركيا وتحالفاً دولياً لتأديبه. فكيف إستطاع التنظيم الإرهابي أن يحقق سيطرة عسكرية عجزت كل المنظمات الأخرى عن تحقيقها؟ وما هو رد التحالف الدولي المتوقع وما هي نتائجه؟

لـ”داعش” أفضليات عدة على القوى العسكرية الأخرى في مضمار الحرب، كما نقاط قوة فارقة مقارنة مع الآخرين. بداية، وفي مجال الخلفية الوطنية للمقاتلين وأصولهم، يتميز “داعش” بتنوع أصول مقاتليه التي تعود بمعظمها إلى المهاجرين من مختلف الدول والطامعين للقتال تحت راية الخليفة والموت في سبيل الدولة الإسلامية. ولهذا الواقع أهمية في المجال العسكري، إذ إن المقاتلين الأجانب لا يكترثون في أية مدينة سورية أو عراقية يقاتلون، طالما أنهم يُسدون خدمة للدين بحسب إعتقادهم. بينما لعناصر الألوية العسكرية الآخرى، من “جيش حر” وعشائر وألوية محلية، خلفياتٍ وطنية وإنتماءات عشائرية تجعلهم يقاتلون في أماكن إنتسابهم الجغرافي كالمدينة أو القرية أو الأراضي التي تمتد عليها عشائرهم حصراً. وبالتالي يخف مستوى الحركة القتالية في ميدان المعركة عند هذه الألوية والجيوش، ويصبح أكثر نشاطاً عند “داعش” لتمكنه من نقل المقاتلين في كل حدبٍ وصوب للقتال على كل الجبهات.

تحالف دولي ضد داعش

عامل آخر يضاف إلى المميزات العسكرية التي يتمتع بها “داعش”، وهو أنه، وعلى خلاف الألوية الأخرى، للتنظيم قدرة على التقدم من الريف إلى المدن وجعلها، بعد السيطرة عليها، مقراً له للإنطلاق منها للسيطرة على مناطق أخرى. بينما، لم تستطع الألوية المحلية بعد السيطرة على المدن التقدم إلى أماكن جديدة، فكانت مدينة حلب للألوية السورية، ومدينتا درعا وحمص لـ”الجيش الحر”، سجوناً ميدانية أوقفت تمدد الألوية بعدما حولوا مواردهم البشرية والعسكرية لإدارة المدن وذلك على حساب إستغلالها في التقدم إلى مناطق أخرى.

وعلى عكس الألوية الأخرى، لم يواجه “داعش” عبء إدارة المدن التي يحتلها على حساب التقدم العسكري الإضافي. فهو، وبعد أن يحتل مدينة ما، يقوم بترويع سكانها عبر القتل والتهجير فيسهل عليه السيطرة على ما ومن تبقى في المدينة، فلا يضطر إلى صرف الكثير من الموارد لإدارتها على حساب التقدم إلى أماكن أخرى. وتصبح موارد المدينة نفسها، من سكان وأملاك عامة وخاصة، موارد عسكرية للدولة الإسلامية لاستخدامها على جبهات جديدة.

من ناحية أخرى، تلعب الدعاية دوراً أساسياً في تقدم “داعش” الميداني، وهو الدور الذي لم تستطع الألوية الأخرى لعبه منذ بداية الحرب السورية. فالتنظيم  يبث دورياً فيديوهاته التي تظهر قتل المئات من الأفراد بدم بارد ما يجعل أعداءه يهابونه، وهذا ما حصل في أول أيام دخول “داعش” إلى العراق، حيث فرت معاظم قوات الجيش العراقي من أرض المعركة خوفاً من عنف التنظيم وإجرامه. بينما فشلت الألوية السورية الأخرى إعلامياً لعدم قدرتها على إظهار إنتصاراتها الميدانية من ناحية أو حسن إدارتها للمناطق التي تسيطر عليها من ناحية أخرى.

تختلف مصادر القوة التي يتمتع بها “داعش” والتي تمكّنه من التقدم أكثر في ميدان القتال، غير أنه أخطأ في توجيه سلاحه لقتال الإقليم الكردي شمال العراق وإرتكاب المجازر في حق المدنيين، فجعل أميركا وحلفاءها الأطلسيين وعشرة دول عربية يتحضرون لقيادة حملة دولية ضده. وانتقل التنظيم من كونه ظاهرة إرهابية في بعض الدول إلى “خطر دولي” كما وصفه الرئيس الأميركي باراك أوباما، ما حتم التحضير لتحالف دولي للقضاء عليه أو تحجيمه مع استبعاد مقصود لكل من إيران وسوريا.

وفي إطار التحضير للرد الدولي، أعلن وزير خارجية الولايات المتحدة الأميركية، جون كيري، من أنقرة، أنه حصل على دعم للقيام “بحملة عسكرية منسقة” ضد “تنظيم الدولة الإسلامية في العراق والشام” من عشر دول عربية هي مصر والعراق والأردن ولبنان ودول مجلس التعاون الخليجي الست. غير أن هذه الحملة المنسقة تصطدم بصراعات وطموحات وتباينات كل من هذه الدول، ما ينبئ بأن التنسيق لن يكون إلا في العموميات في حين ستبقى العمليات العسكرية التي ستطال أراضي كل من العراق وسوريا خاضعة لقرار الولايات المتحدة الأميركية المباشر.

هذا القرار، وبعد استبعاد كل من إيران وسوريا من التحضيرات لإنشاء التحالف الدولي ضد “داعش”، لن يأخذ مصالح النظامين في الإعتبار. ما يعني أن فرصة ذهبية ونادرة تلوح في الأفق للألوية السورية المعارِضة والأكراد في كل من سوريا والعراق للإستفادة من الدخول الدولي المباشر في الحرب والتعويض عن الخسائر التي عانوها من حرب “داعش” عليهم.

إلا أن التحالف الدولي لن يستطيع القضاء على “داعش” لرغبة الولايات المتحدة الأميركية الإبقاء على طريقة القتال مقتصرة على الحرب الجوية فقط. وهو أمر غير كافٍ للقضاء على التنظيم الذي بات متغلغلاً في المدن التي يسيطر عليها ومتواجداً على مساحات واسعة من الأرياف والصحارى السورية والعراقية، ويحتاج إلى من يقود حرباً برية للقضاء عليه، ما يجعل التسابق بين النظامين السوري والعراقي والألوية الكردية والسورية المعارِضة للإستفادة من الفراغ المتوقع الذي سيخلفه إضعاف “داعش” أمراً متوقعاً.

في العراق، سيستفيد الجيش الرسمي ومن وراءه حكومة بغداد المركزية من تراجع دور “داعش” وذلك عبر استعادة السيطرة على بعض المدن والمناطق التي فقدها منذ أول شهر آب الماضي. إلا أن الاستفادة الكردية ستكون أكبر، عبر تثبيت الإقليم الكردي لسيطرته على العديد من المدن والمحافظات العراقية، إضافة إلى استمرار حصوله على المساعدات العسكرية والمالية والإنسانية من كل حدبٍ وصوب بعدما أثبت أن جيش البشمركة الكردي هو المقاتل الفعال شبه الوحيد ضد “داعش”، كما يشكل الإقليم المأوى الآمن لأكثر من مليون لاجئ عراقي مسيحي وأيزيدي وشيعي.

أما في سوريا فالوضع أكثر تعقيداً، حيث تتعدد القوى المسلحة التي تتحضر للإستفادة من الوضع الجديد القادم. فالألوية السورية المعارِضة قادرة على الإستفادة من تراجع “داعش” لقرب حدود سيطرة الطرفين الميدانية من بعضها البعض، في حين يبقى النظام السوري أقل حظاً في الإستفادة من الواقع الجديد المفترض لبعد قواته عن مراكز سيطرة “داعش” من ناحية، وعدم مراعاة الولايات المتحدة الأميركية لمصالحه من ناحية أخرى. إلا أن لا شيء يؤكد أن الولايات المتحدة وحلفاءها الغربيين والعرب المعادين للنظام السوري سحاربون “داعش” في سوريا بالقوة ذاتها المنوي القيام بها في العراق، ما يقدم فرضية أن الحملة الدولية ضد “داعش” تهدف في النهاية إلى إضعاف التنظيم في العراق، وإعادة تصويب بندقيته في إتجاه النظام السوري كما إعادة الإعتبار للألوية السورية المعارِضة.

بالإضافة إلى ذلك، فإن الولايات المتحدة الأميركية على رأس التحالف الدولي ستضع خطوطاً حمراء أما النظام السوري من أجل أن يبقى في المناطق التي يسيطر عليها من دون التوسع في اتجاه المناطق التي يسيطر عليها “داعش”، والتي ستكون مسرحاً للعمليات العسكرية. وهي أيضاً من سيحدد هوية الأطراف التي تقوم بهذا الدور في ما سيؤدي بالنهاية إلى إعادة رسم خريطة سيطرة جديدة في كل من سوريا والعراق.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 22 أيلول 2014 (العدد رقم 1475)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

“السيسي” يطارد “الإخوان المسلمين” خارج مصر

جو حمورة

لم يؤدِ إعلان وزارة الخارجية الأميركية أن دولتي مصر والإمارات العربية المتحدة شاركتا مؤخراً بتنفيذ ضربات جوية ضد الميليشيات الإسلامية في ليبيا إلى أي رد فعل إقليمي يذكر. فالحدث، ورغم خطورته من ناحية، وتخفيف قيادتي الدولتين من أهميته من ناحية أخرى، يبقى أنه يمثل الحالة الأولى للتدخل المصري المباشر خارج مصر بعد وصول عبد الفتاح السيسي إلى السلطة وحلّه جماعة “الإخوان المسلمين” وإعتقال قادتها ومحاكمتهم بتهم الإرهاب.

تمثل جماعة “الإخوان المسلمين” الخطر الأول على سلطة السيسي وحكمه الجديد في مصر. إلا أن العسكري المصري القوي إستطاع أن يبتر العمود الفقري للجماعة ويروضها بالقوة بدعم محلي وسعودي ورضا إسرائيلي. حيث كانت آخر فصول هذا الترويض إصدار حكم بالسجن المؤبد على مرشد عام الجماعة محمد بديع. غير أن الحكم المصري الجديد إنتقل، وبعد ترتيب البيت الداخلي، إلى محاربة “الإخوان” خارج مصر، وخاصة في الأقاليم القريبة منها في غزة وليبيا.

خلال الحرب الأخيرة بين قطاع غزة وإسرائيل، فرضت مصر نفسها كمرجع وحيد لحل الأزمة بين الطرفين، وإستعادة بالتالي بعضاً من دورها الإقليمي التي فقدته بعد الأزمات السياسية الداخلية التي عصفت بها في السنوات الثلاث الأخيرة. هذا الدور لم يأتِ من فراغ، إنما من رغبة إسرائيلية بجعل مصر الوسيط الوحيد في التوصل إلى هدنة مع حركة حماس، وذلك إبعاداً للدور القطري والتركي من جهة، كما لمعرفتها المسبقة أن النظام المصري الجديد يكنّ عدائاً لحركة حماس الإخوانية من جهة أخرى.

على الرغم من إحتفالات النصر المبالغ فيها من قبل حركة حماس ومؤيديها في قطاع غزة، لم يأتِ إتفاق الهدنة بين الحركة وإسرائيل والمعقود في القاهرة بأية إنتصارات حقيقية للحركة. ولم يتعدّ وقف إطلاق النار، وتحسين بعض الظروف الإقتصادية للقطاع والتي رُبط تنفيذها بالسلطة الفلسطينية المختلفة أساساً مع حماس، بالإضافة إلى بعض الوعود المبهمة والمؤجلة حول فتح معبر رفح. وفي النتيجة، كسبت مصر من الحرب على غزة على أكثر من صعيد حيث أعادت بعضاً من دورها الإقليمي، وأبقت على حركة حماس أسيرة أسلحة إسرائيل من جهة وشرعية السلطة الفلسطينية من جهة أخرى.

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي

هذا في غزة، أما في ليبيا فالواقع أكثر تعقيداً، حيث لا يتمثل دور مصر بالوساطة بين متنازعين، إنما بدخولها طرف مباشر في النزاع. فلمصر علاقة ود مع بعض زعماء القبائل والعشائر الليبية، كما مع الجنرال الليبي خليفة حفتر الذي قام بإنقلاب جزئي على السلطة أواسط شهر أيار الماضي. ويقود الجنرال الموالي لمصر الآن حربه ضد الميليشيات الإسلامية التي يدين البعض منها الولاء لحركة “الإخوان المسلمين”.

وتمثل ليبيا بالنسبة للأمن القومي المصري أهمية إقتصادية وسياسية حيوية. فالفرص الإقتصادية والعمالة المصرية في ليبيا كبيرة ويجب أن تبقى كذلك بالنسبة لمصر خصوصاً أن الإقتصاد المصري في حال يرئى له. كذلك، فالأهمية السياسية لوجود حكمٍ في ليبيا على تناغم مع مصر ضرورة حيوية لها، وذلك لأن أي بديل له سيكون وصول “الإخوان المسلمين” أو المقربين منهم إلى السلطة في ليبيا، فتصبح هذه الأخيرة مقراً للحركة بفرعها المصري ما يهدد حكم “السيسي” على المدى الطويل.

بعدما رتبت بيتها الداخلي بأساليبها العسكرية والقضائية، تبدأ مصر بالعودة إلى محيطها الإقليمي القريب كلاعب أساسي يأخذ حيناً شكل المفاوض السياسي وأحياناً اللاعب العسكري. إلا أن مصر، ومقارنة مع تاريخها القديم والحديث، لم تكتفِ يوماً بلعب أدوارٍ إقليمية محدودة، لذا على الدول الأخرى التحضر للعودة الإقليمية المصرية قريباً، وأهمها اليمن والأردن ولبنان.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 8 أيلول 2014 (العدد رقم 1473)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا