إربيل خط أميركي أحمر

جو حمورة

ليس الجيش اللبناني وحده من يحارب المنظمات الإرهابية على حدوده. فمن لبنان إلى العراق، يتشارك كل من الجيش اللبناني وجيش إقليم كردستان شبه المستقل، البشمركة، في قتال المنظمات الإرهابية. فيما يبقى كل من الجيشين السوري والعراقي الرسميين فاقدين للقدرة والإمكانيات في دخول معركة حقيقية ضد “داعش” على أراضيهما، مكتفيين بقتالها بالواسطة أحياناً وبخجلٍ أحياناً أخرى. غير أن فعل سيطرة “داعش” على أجزاء واسعة من العراق وسوريا لا يتعدى بنتائجه الخطر على وحدة البلدين واستمرار السلطة الرسمية فيهما إلى حدود الخطر على الوجود الذي يتهدد أكراد شمال العراق بعدما تقدمت “داعش” إلى حدود الإقليم الكردي وسيطرت على المدن والقرى المحيطة به وقضاء سنجار موطن الأقلية الإيزيدية في العراق.

بعد تهجير الأقلية المسيحية من الموصل وضواحيها، إنتقلت “داعش” في إجرامها إلى تهجير وقتل الأقلية الإيزيدية الناطقة بالكردية في قضاء سنجار. تم تخيير الإيزيديين بين الدخول في الإسلام الذي تعتنقه “داعش” أو القتل، ففضلوا النزوح بالآلاف إلى جبال سنجار القاحلة حيث لا ماء ولا غذاء. لم تستطع قوات البشمركة مساعدتهم عسكرياً لانشغالها بقتال “داعش” على كل الجبهات الأخرى، ما أنبأ بقرب حصول إبادة جماعية للطائفة الإيزيدية، ودفع بالولايات المتحدة الأميركية للتحرك عبر توجيه ضربات جوية محدودة لأرتال “داعش” العسكرية وبعض مواقعها وإسقاط المؤن الغذائية فوق النازحين، إضافة لإرسال بعض شحنات الأسلحة الثقيلة لقوات البشمركة عبر مطار إربيل عاصمة الإقليم الكردي.

قتلى وجرحى باشتباك بين الجيش اللبناني ومسلحين

هذا التدخل الأميركي المباشر هو الأول من نوعه منذ صعود “داعش” في كل من سوريا والعراق. إلا أنه يبقى محدوداً ويهدف إلى ضبط إيقاع المعارك وحماية الإقليم الكردي ومساندته في مواجهة “داعش”، ولا يتعدى تلك الأهداف إلى حدود القضاء على التنظيم الإرهابي. في حين أن الولايات المتحدة لم تقم بالعمل ذاته عندما إجتاحت “داعش” الجيش العراقي الرسمي، وقوضت سلطة بغداد المركزية ذات الانتماء الشيعي الغالب والمتحالفة مع إيران.

ويعود تفضيل الولايات المتحدة الأميركية لإربيل على بغداد إلى عاملين أساسيين: الأول، مرتبط بملف التفاوض على البرنامج النووي الإيراني وما يتفرع عنه من قضايا إقليمية تجعل من ضعف السلطة العراقية المتحالفة مع إيران ورقة رابحة لأميركا لحظة جلوسهما على طاولة المفاوضات، في حين يترتب على تقدم “داعش” في سوريا والعراق ضعف للنفوذ الإيراني الخارجي كما زيادة الأعباء المالية الإيرانية لمساعدة الجيش العراقي للحفاظ على ماء الوجه بمواجهة “داعش”. وفي مقابل المصلحة الأميركية في إغراق إيران أكثر في وحول العراق، يشكل الإقليم الكردي نقطة تلاقٍ بين تركيا وإسرائيل حليفي أميركا الدائمين في الشرق، حيث تقوم الأولى بدعم إربيل إقتصادياً والثانية بدعمها سياسياً، خصوصاً في مسألة مسعاها الإستقلالي.

أما العامل الثاني فمرتبط بالمسؤولية المعنوية التي تتحملها الولايات المتحدة الأميركية في العراق، بعدما اجتاحته سابقاً وحلّت جيشه البعثي وبنت بديلاُ منه جيشاً جديداً له لم يكن على قدر الطموحات الأميركية في ضبط الأمن وتأمين الاستقرار في العراق بسبب فئويته الطائفية. في حين أن الإقليم الكردي وحكّامه من المقربين للولايات المتحدة حتى منذ ما قبل الاجتياح الأميركي للعراق، وهم الوحيدون المالكون لسلطة وجيش موحد ومساندة شعبية قادرة على صد “داعش” وتحجيمها.

تبرز وحدة السلطة السياسية والجيش والدعم الشعبي شروط ضرورية لمواجهة التنظيمات الإرهابية، وهي شروط تغيب في الحالة السورية والعراقية الرسمية وتحضر في الحالة اللبنانية والكردية، وتجعل من لبنان والإقليم الكردي أكثر قدرة على الدفاع عن نفسيهما في مواجهة الإرهاب، متكلين على شروط المواجهة الخاصة. بينما، وبالرغم من وفرة العدد والعديد في الجيشين السوري والعراقي، يقف النظامين مكبلين أمام مواجهة “داعش” بسبب محدودية تمثيلهما وشرعيتهما الشعبية والخلافات والإنشقاقات التي طالت سلطتهما وجيشهما.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 18 آب 2014 (العدد رقم 1470)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

في ذكراها الثامنة.. من إنتصر بحرب تموز 2006؟

بعيداً عن الببغائيات والشعارات، والإدعاء الدعائي بالإنتصارات على النمط العربي الفارغ والكاذب. أو، بالمقابل، العداء المطلق من البعض لكل حركة تحررية من السيطرة الإسرائيلية، يمكن مقاربة حرب تموز 2006 في ذكراها الثامنة، وهوية المنتصر فيها، بشكل مختلف.

نظرياً وعلمياً، ولقياس من فاز بأية حرب، يكفي الإتكال على دراسة الإتفاق الذي أنهاها وشروطه. وذلك تبعاً لواقعية أن الإتفاق السياسي على شروط ما بعد الحرب بين المتقاتلين هو صورة سياسية طبق الأصل عن الواقع العسكري والميداني خلالها.

الإتفاق السياسي في حالة حرب تموز هو القرار 1701 وهو النتيجة الأكثر دواماً زمنياً والنتيجة المباشرة للتوازن العسكري الذي فرضته المعركة. الإتفاق السياسي هو المعيار والمقياس وصورة طبق الأصل عن الواقع العسكري الذي لا يدري به أحد بشكل حقيقي سوى قيادتي المتقاتلين فقط.

حرب تموز 2006 بين إسرائل وحزب الله

حرب تموز 2006 بين إسرائل وحزب الله

بالمقابل، لا تهم كمية الصواريخ أو القتلى أو أعداد الجنود الجرحى أو الخسائر الإقتصادية عند الطرفين لمقاربة من فاز بالحرب، على الرغم من أهميتها الدعائية أو في موضوع صياغة الإتفاق النهائي الذي يوقف الحرب. وذلك لأن هذه الخسائر عند الطرفين ظرفية بشكل مبدئي، بينما الإتفاق ما بعد الحرب هو الأكثر دواماً.

لذا القول أن الإقتصاد الإسرائيلي تأثر نتيجة الحرب أكثر من الإقتصاد اللبناني، أو كمية صواريخ حزب الله الكبيرة التي دُمرت خلالها مقارنة مع عتاد إسرائيل ليسا معايير علمية وحقيقية لمقاربة من الفائز أو الخاسر في الحرب. بل مجرد أدوات تصلح للإستغلال الدعائي من جانب الطرفين.

كذلك، لا تشكل الأهداف المعلنة والعلنية، إن تحققت أم لا، من قبل الطرفين لقيامهما بالحرب أي مؤشر علمي لمعرفة هوية الفائز في الحرب. ذلك لأن كل طرف يعمد غالباً إلى تمويه أهدافه الحقيقية من خوضه المعركة بأخرى علنية للإستهلاك الشعبي.

فمثلاً، قيام إسرائيل بإعلان أن هدفها من حرب تموز هو تدمير حزب الله بشكل كامل هو محض دعائي وللإستهلاك الداخلي وربما الدولي. فأي دولة تخوض حرباً لن تقول لشعبها إلا ما يحب سماعه للحصول على التأييد الشعبي والتغطية الدولية.

لذلك، لا يمكن مقاربة من فاز في حرب تموز من خلال الخسائر المادية والبشرية أو الأهداف المعلنية المحققة أم لا، إنما المعيار الدائم هو الإتفاق السياسي النهائي الذي أوقف الحرب والذي هو الصورة الحقيقية للميزان العسكري لها.

لذا، عند البحث في بنود الإتفاق السياسي المعروف بالقرار الدولي 1701 الموافق عليه من قبل أطراف الحرب، يمكن أن نرى أنه لمصلحة إسرائيل وعلى حساب حزب الله: نشر الجيش اللبناني في الجنوب، تراجع قوات حزب الله إلى ما وراء نهر الليطاني، تعزيز قوات الأمم المتحدة على أراضي الجنوب اللبناني، حصار بحري على حزب الله…

يمكن القول إذاً أن حزب الله إنهزم في حرب تموز لأن الإتفاق السياسي، والذي هو الصورة الحقيقية للميزان العسكري وما جرى في ساحة المعركة، كان لمصلحة إسرائيل.

لم تكن الهزيمة شاملة طبعاً، كما يمكن الإعتراف موضوعياً ببسالة حزب الله وجنوده في مقارعة قوة كإسرائيل. من ناحية أخرى، وبالرغم من دعايته الناجحة، وأغاني جوليا بطرس الجميلة، تبقى جبهة الجنوب اللبناني منذ اليوم الأول لإقرار الإتفاق 1701 هادئة من الجانب الإسرائيلي الذي يخرق الأجواء اللبنانية يومياً، يقصف حزب الله في سوريا كل 4 أشهر، ويغتال قياداته ويعتقل محازبيه في دول العالم… بينما تنعم إسرائيل بالأمن على حدودها الشمالية، وربما هذا كان هدفها الأساسي من الحرب.

أردوغان يرتب البيت الداخلي: عودة تركيا الثانية إلى الشرق

جو حمورة

بعدما شارك المغتربون الأتراك حول العالم في انتخابات رئاسة جمهورية بلادهم على مدى الأسبوعين الماضيين، يستكمل الأتراك المقيمون في العاشر من آب المشاركة في الإنتخابات الرئاسية التي تجري مباشرة من الشعب لأول مرة في تاريخهم، حيث يتصدر رئيس الحكومة التركية الحالي، والمرشح الرئاسي، رجب طيب أردوغان، كل إستطلاعات الرأي التي تتراوح بين فوزه في الدورة الأولى بصعوبة أو في الدورة الثانية أمام مرشحين يمثلان الجماعات العلمانية والكردية. وتمثل هذه الإنتخابات مرحلة مفصلية في تاريخ تركيا العائدة إلى الشرق بعد إنقطاع دام قرابة قرنٍ من الزمن، كما في حياة أردوغان السياسية، والتي ستمكنه في حال فوزه من السيطرة شبه المطلقة على كل مفاصل السلطة في تركيا بعدما فاز سابقاً في معاركه الداخلية على الجيش التركي حامي العلمانية، كما على منافسيه الإسلاميين الآخرين.

مع وصول حزب “العدالة والتنمية” الحاكم في تركيا إلى السلطة عام 2002، عمد الحزب ورئيسه إلى إنتهاج سياسة إصلاحية إقتصادية وإجتماعية زادت من شعبيته فمكنته من الإنقضاض على خصومه العلمانيين الواحد تلو الآخر بقوة الإنتخابات ونتائج الصناديق. أما خارجياً، فأبقى على السياسة الخارجية التقليدية التركية الطامحة إلى دخول نادي الدول الأوروبية كما على الشراكة مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأميركية في الشؤون الإقليمية، إلا أنه أضاف عليها طموحاً سياسياً تمثل في إستدارة تركيا إلى الشرق العربي والإسلامي متكلاً على إرثها العثماني الإسلامي وتأثيرها الثقافي وقوتها الإقتصادية، وهي المقدرات الثلاث التي لا ينافسها أحد بجدية فيها في الشرق العربي.

شكلت الأعوام الممتدة من العام 2008 إلى العام 2011 ذروة النفوذ والقوة التركية في الشرق العربي والعالم الإسلامي، أكان عبر الإتفاقات الاقتصادية والسياسية التي عقدتها تركيا مع معظم الدول العربية، أم بسبب زيادة تأثير الإرث الثقافي التركي – العثماني على الجماهير العربية المتلقية، من دون أن تنسى أنقرة إرداف سياستها الخارجية بافتعال أزمة سياسية مع تل أبيب وصلت إلى حدود القطيعة الدبلوماسية ما أثر على زيادة شعبية أردوغان وبلاده في الدول العربية والإسلامية. إلا أن الربيع العربي، وما نتج عنه من سقوط أنظمة كانت على تعاون وثيق مع تركيا، أو في الفشل اللاحق للحركات الشعبية التي ساندتها من الوصول إلى السلطة في بلدانها، قد أضعفت نفوذ تركيا في المنطقة. وإن أبلغ هذه الأمثلة خسارة “الإخوان المسلمين”، حلفاء تركيا، للسلطة في مصر ونشوء خلاف حاد بين كل من تركيا وقطر من جهة والسعودية ومصر من جهة أخرى. هذا الخلاف الذي تبلور غالباً في صراعٍ على تشكيل السلطة في مصر والنفوذ في “الإئتلاف الوطني” السوري المعارض وتوزيع النفوذ والأدوار بين فلسطينيي قطاع غزة والضفة الغربية. يضاف إلى ذلك “الربيع التركي” الذي كاد أن يعصف بحِكم أردوغان في صيف العام 2013 مع مظاهرات ميدان “تقسيم” وما تبعه من قضايا فساد حكومية طالت المقربين من رئيس الحكومة وإستقالة بعضاً من وزراءه.

ويعود جزء أساسي من قدرة تركيا على التأثر الخارجي إلى حالة الهدوء الداخلي و الإزدهار التي تنعم به، كما على الدعم الشعبي الذي تلاقاه حزب “العدالة والتنمية” في خمسة إنتخابات برلمانية وبلدية كسبها جميعها منذ العام 2002، ما يعطي، غالباً، دفعاً متزايداً للسياسة الخارجية بعد ضمان الدعم الداخلي. لذلك، تمثل الإنتخابات الرئاسية الحالية فرصة ذهبية لتأكيد الدعم الشعبي لأردوغان وسياساته من جديد، كما تعطي، حال فوزه، دفعاً شعبياً وشرعياً للعودة والإنغماس أكثر في الشرق العربي وأزماته وقضاياه.

وقياساً على الحالة التي كانت فيها الدول العربية قبل الربيع العربي وبعده، يسهل على تركيا (أو أي دولة إقليمية قوية آخرى) الإنغماس أكثر في قضايا العالم العربي وكسب المزيد من النفوذ لها فيه. ومرد ذلك إلى تضخم عدد القوى الفاعلة في الدول العربية وإختلاف مشاربها، حيث أنتج الربيع العربي وما تلاه من حروب وأزمات ظهور عدد كبير من القوى السياسية والعسكرية الفاعلة بعدما تقاسمت السلطة والنفوذ من السلطات المركزية في كل دولة، وهذا ما يسهل على الدول الإقليمية مد نفوذها ودعمها وسياساتها في أكثر من إتجاه ومع أكثر من طرف وفي الوقت نفسه.

غير أن الإنتخابات التي يخوضها أردوغان لا تملك هدفاً خارجياً حصراً، إنما هدفها الأول هو ترتيب البيت التركي الداخلي وإعادة إنتاج سلطة تركية تعطيه نفوذاً أوسع في الدستور ومع الجماعات التركية المتعددة. وقد أفصح أردوغان أكثر من مرة عن نيته تعديل الدستور والنظام التركي الذي يُعطي موقع رئاسة الجمهورية صلاحياتٍ محدودة، إلى نظامٍ رئاسي أو شبه رئاسي يزيد من قدرة الرئيس الدستورية على تطبيق سياساته. غير أن هذا الهدف لا يمكن تحقيقه إلا بعد الفوز بالإنتخابات الرئاسية يليها إستفتاء شعبي مباشر على دستورٍ تركي جديد أو إنتظار الإنتخابات البرلمانية المقبلة عام 2015، على أمل أن يحصد حزب “العدالة والتنمية” فيها أكثرية الثلثين التي تمكنه من تعديل الدستور.

Supporters of Turkey’s Prime Minister and presidential candidate Tayyip Erdogan wave flags and shout slogans during an election rally in Diyarbakir . July 26, 2014.

Supporters of Turkey’s Prime Minister and presidential candidate Tayyip Erdogan wave flags and shout slogans during an election rally in Diyarbakir . July 26, 2014.

وإلى الطموحات “الأردوغانية” السلطوية، للرجل الأقوى في تركيا كذلك طموحات تدخله التاريخ التركي العريض عبر إبرام إتفاق نهائي وتاريخي مع الأكراد في تركيا. غير أن هذا الاتفاق وإن كان عمل أردوغان على صوغ بداياته مع ممثلي القوى الكردية في تركيا منذ بداية العام 2013 على قاعدة الهوية الإسلامية المشتركة، إلا أنه لم يتخطَ حدود العموميات وبعض التغيرات القانونية لصالح الأكراد مقابل توقفهم عن قتال الجيش التركي. في حين أنه لن تكبر حظوظ إبرام إتفاق نهائي ينهي حالة الحرب التركية – الكردية منذ العام 1984 إلا بسلطة تركية قوية تملك كامل القدرة على إتخاذ قرار تاريخي مؤلم ينتهي بإعطاء الأكراد حقوقهم السياسية بعد إبعاد بعض القوى والتيارات ذات التوجه اليميني من الإدارة والحكم والحزب الحاكم ذاته والتي تسعى غالباً إلى فرملة الإتفاقات وتسويفها.

وتعود أهمية إبرام إتفاقٍ نهائي مع الأكراد في داخل تركيا إلى أنهم يشكلون العصب الأساسي للشعب الكردي في الدول المحيطة، أكان من حيث كثرة عددهم أو من حيث تجذر نضالهم أو وجود قادتهم السياسيين فيها، ما يسهل بالتالي توسع نفوذ تركيا بين الأكراد في أماكن تواجدهم في سوريا وإيران كما في العراق حيث يبقى نفوذ تركيا كبيراً ومؤثراً. فتتحول القضية الكردية من أزمة دائمة تزعزع إستقرار تركيا الداخلي إلى ورقة نفوذ خارجية.

وما يشير إلى أن تركيا على باب عودة ثانية وأقوى إلى الشرق العربي بعد الإنتخابات الرئاسية هو هبوب عواصف الحرب القاسية في العراق وسوريا وقطاع غزة بشكل أراح تركيا وأعاد بعضاً من دورها المطلوب دولياً كضابطٍ للنزاعات أحياناً ومستفيدٍ من النزاعات والمآسي العربية أحياناً أخرى. وما تتالي المظاهرات الحاشدة الداعمة لغزة والقضايا العربية في إسطنبول وأنقرة، كما ظهور أردوغان في مهرجاناته الإنتخابية المتتالية معتمراً الكوفية الفلسطينية، والأعلام الكثيفة للسلطنة العثمانية القديمة التي ترفرف بأيادي الجمهور من حوله، سوى أدلة على أن إنغماس تركيا في الشرق العربي بات أكثر من مجرد سياسة حكومية أو حزبية خاصة وظرفية، بل مطلباً شعبياً وممراً إجبارياً لأي حاكم شعبي وشرعي في تركيا.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 11 آب 2014 (العدد رقم 1469)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا

الربيع الكردي يزهر دولة

جو حمورة

مع اندلاع الأزمة الأخيرة في العراق، خطا الأكراد الخطوة ما قبل الأخيرة في اتجاه إنشاء دولتهم الخاصة. أرادوا كردستان على كامل مساحة تواجدهم الجغرافي في تركيا والعراق وإيران وسوريا، إلا أن الظروف المحلية والإقليمية ساعدتهم في العراق أكثر من أي مكانٍ آخر. سيطروا على مدينة كركوك، ثم أعلنوا عن نيتهم إنجاز استفتاء على استقلال إقليم كردستان شمال العراق لتكون الخطوة الأخيرة التي تنشئ دولتهم خاصة والتي أصبحت ولادتها وشيكة وسط إنعدام الاستقرار الذي يعانيه العراق خصوصاً والشرق بشكل عام.

يشكّل توزع الأكراد في أقاليم كردستان الأربعة نقطة سلبية لنضالهم تبعاً لإضطرارهم لتوزيع قواهم العسكرية والاقتصادية فيها. لكن هذا التوزع الجغرافي نفسه له إيجابياته كذلك، وأهمها إمكانية مساعدة إقليم مستقر لآخر مهدّد تحت شعار “الأخوة الكردية”، وهذا ما تم مثلاً مع نشوب الثورة السورية وما تلاها ونقل حزب “العمال الكردستاني” بضعة آلاف من مقاتليه من تركيا إلى سوريا للتصدي للتنظيمات الإسلامية.

في تركيا، ومنذ نهاية العام 2012، يعيش الأكراد نوعاً من الإستقرار بعدما أطلق حزب “العدالة والتنمية” التركي الحاكم مبادرته للسلام معهم. هذه المبادرة أسفرت عن إعطاءهم بعض الحقوق الثقافية واللغوية والسياسية في مقابل وقفٍ لإطلاق النار من جانب “العمال الكردستاني” وغض طرف من الجانب التركي عن مغادرة المقاتلين الأكراد مع أسلحتهم إلى الأقاليم الكردية المجاورة. أما اليوم، وقبل الإنتخابات الرئاسية التركية المقررة في 10 آب المقبل، تترشح إحدى الشخصيات الكردية المرموقة إليها وهو رئيس حزب “الشعوب الديمقراطية” الكردي صلاح الدين دميرتاش في وجه مرشح الحزب الحاكم رجب طيب أردوغان، والمعارضة العلمانية إكمال الدين إحسان أوغلو. وفي حين تفيد معظم إلإحصاءات أن الغلبة ستكون لأردوغان إلا أن فوزه بالدورة الأولى مربوط بما يستطيع حصده من أصوات الأكراد الذين يشكلون حوالي 17% من سكان تركيا.

لذلك، وأملاً بالفوز من الدورة الأولى، أقدم الحزب الحاكم في 10 تموز الحالي على تصديق قانون في البرلمان التركي يعطي إطاراً قانونياً لمفاوضات السلام الجارية بين الحكومة وحزب “العمال الكردستاني”، كما يعطي حصانة للمفاوضين ويسهل عملية إعادة من يُلقي سلاحه من المقاتلين إلى تركيا. كذلك لم ينسَ أردوغان في اليوم التالي من إقرار القانون وعد ناخبيه المفترضين بـ “استكمال تسوية السلام مع إخوتي الأكراد معاً”. وما كل هذا التساهل التركي مع الأكراد سوى نتيجة لحاجة أردوغان وحزبه لأصواتهم من ناحية، كما نتيجة التقارب التركي – الكردي “الأخوي” على قاعدة الإنتماء الإسلامي المشترك لا الفروقات القومية التي كانت سبباً في القمع والدموية التي عانى الأكراد منها على يد حكام تركيا القوميين والعلمانيين السابقين منذ إنشاء الجمهورية التركية عام 1923.

يختلف الواقع المُسالم لأكراد تركيا عنه في سوريا، لكن إستفادة الأكراد من الحالتين هي ذاتها. فقد تحوّل الربيع العربي وما تلاه في سوريا إلى ربيع سياسي كردي بعدما قام الأكراد بإنشاء ثلاث حكومات محلية في ثلاث مناطق ذات أكثرية كردية في شمال سوريا هي عفرين وكوباني والجزيرة (القامشلي). فكان غياب الأمن والسلطة المركزية لصالح الحرب ومصالح الجماعات الطائفية والقومية أن أدى إلى استفادة الأكراد من الحرب التي يخوضها بقية السوريين لإنشاء حكمهم الذاتي. إلا انهم يواجهون بقيادة حزبهم الأقوى “الإتحاد الديمقراطي” الكردستاني، ومنذ أشهر، تنظيم “داعش”، وهم الوحيدون الذين استطاعوا الصمود في وجهه وحتى الفوز عليه في معاركٍ عدة، فيما القوى الأخرى من “جيش حر” و “جبهة نصرة” وغيرها على وشك التفتت أمام سطوة “داعش” العسكرية.

وبعدما تثبتت حكوماتهم المحلية وأثبتوا جدارتهم العسكرية، يقترب الأكراد السوريون من فرض أنفسهم كمحاورٍ أساسي في أي مفاوضات سلام مستقبلية لحل الأزمة السورية. وعلى الرغم من أن الكلام عن أي سلامٍ في سوريا ليس على طاولة البحث الدولية أو المحلية في الوقت الحالي، إلا أنه من المتوقع أن يلعب الأكراد دوراً أساسياً فيها يعطيهم تثبيتاً دستورياً للحكم الذاتي الذي يتمتعون به الآن بحكم الأمر الواقع على غرار الحكم الذاتي الذي يتمتع به إخوتهم في الإقليم العراقي.

قوات البشمركة الكردية في العراق

قوات البشمركة الكردية في العراق

وليس ببعيد عن سوريا، وفي معقل الأكراد السياسي، في إقليم كردستان شبه المستقل شمال العراق، تتزايد فرصة الأكراد بالإستقلال يوماً بعد يوماً. وما كادت الحرب المستجدة في العراق أن تندلع حتى استفادوا من تقهقر الجيش العراقي وسيطروا على مدينة كركوك الغنية بالنفط كما على حقولها والقرى القريبة منها، وباشروا بالاستعدادات لإجراء استفتاء على إستقلال الإقليم الكردي بعدما “أمر” رئيس الإقليم مسعود البرزاني البرلمان الاقليمي بتحضير كل ما يلزم للإستقلال مؤكداً على “أن العراق لا يمكن توحيده بعد اليوم وإستقلال كردستان حق طبيعي وآت لا محالة”.

ويُعزى سبب تمكّن أكراد العراق من التقدم في مشروعهم الاستقلالي مقارنة مع أخوتهم السوريين أو الأتراك إلى ثلاثة عوامل أساسية. فمن ناحية أولى، أدت الأزمات والحروب المتواصلة في العراق منذ الاجتياح الأميركي إلى إضعاف الحكومات المركزية بشكل دفع الأكراد إلى التقدم أكثر وبشكلٍ أسهل في المسعى الاستقلالي في الأطر السياسية والقانونية والاقتصادية والتنظيمية. ومن ناحية أخرى فإن وجود زعيمين وحزبين كرديين في العراق، الأول برئاسة البرزاني والثاني برئاسة رئيس الجمهورية العراقية الحالي جلال الطالباني، جعل من إمكانية الطرفان تقاسم الأدوار السياسية والتفاوضية مع بقية العراقيين ممكناً وأكثر إفادة للأكراد. أما العامل الثالث فهو وحدة الرؤية العامة للحزبين والزعيمين، وهما وإن كانت قد سالت بينهما الدماء إبان حكم رئيس العراق السابق صدام حسين إلا أن التسوية الشاملة التي تمت بينهما في آب من العام 1998 برعاية شخصية من الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون لا تزال قائمة ومؤثرة بعدما أردفها الزعيمان الكرديان باعتذارات متقابلة ومصالحات محلية أنهت الانقسامات الكردية.

هذه العوامل الثلاث ليست موجودة في تركيا التي يبقى حكمهما المركزي قوياً، أو في سوريا التي يعيش الأكراد فيها في ظل سيطرة عسكرية أحادية من قِبل حزب “الاتحاد الديمقراطي”، ما جعل ظروف العراق الموضوعية تنتج ربيعاً كردياً خاصاً يزهر إستقلالاً كأمر واقع لن يلبث إلا أن يتحول وطناً مستقلاً بعد فترة.

أما في إيران فواقع الأكراد هو الأسوأ. حيث لا استقرار وسلام مع السلطة كما في تركيا، ولا مشروع استقلال على وشك التحقق كما في الإقليم العراقي، ولا إدارة ذاتية كما في شمال سوريا، بل قمع نظامي لكل حراك كردي معارض للحكم الإيراني ومُطالب بالحقوق القومية الخاصة.

وبالرغم من وعود رئيس الجمهورية الإيرانية حسن روحاني للأكراد ببعض الحقوق قبل انتخابه، إلا أنه لم يفِ بأيٍ منها بعد وصوله إلى السدّة الرئاسية. فاستمر الحرس الثوري بقمع الأكراد والأقليات القومية الأخرى كالمعتاد، ذلك لأن إيران مؤلفة من “موزاييك” قوميات مختلفة لا يشكّل فيها العنصر الفارسي سوى 50% على أحسن تقدير، في حين يخشى النظام الإيراني صعود المشاعر القومية لغير الفُرس باعتبارها خطراً حقيقياً يهدد أمنه ووجوده.

يختلف واقع الأكراد في كل من البلدان الأربعة التي يتواجدون فيها. ففي حين يعيشون في سلام في تركيا، وقمع في إيران وحكم ذاتي في العرا، وحرب في سوريا، إلا أنهم يترقبون لحظة إعلان إستقلال إقليمهم العراقي ما قد يشجع بقية الأقاليم في الدول الثلاث الأخرى على حذو حذوهم، حيث ستكون سوريا هي الأولى في اتخاذ هذا المنحى بعدما أنهكت حربها الأكراد كما بقية السوريين.

نشرت أولاً في مجلة المسيرة في 21 تموز 2014 (العدد رقم 1466)

———————-

إقرأ أيضاً:

مقالات أخرى عن تركيا 

يمكن الإطلاع على صور ناردة للحرب الأهلية اللبنانية هنا

وصور نادرة للشخصيات اللبنانية هنا